أبعاد الأزمة السورية الراهنة وآفاقها

  • 5 أبريل 2011

دخلت سورية، كما كان متوقعاً، في خضم موجة التحركات الاحتجاجية المطالبة بالإصلاح والتغيير التي بدأت تضرب العالم العربي من أقصاه إلى أدناه. وتعود الأهمية النسبية لما تشهده الساحة السورية الآن من مظاهرات احتجاجية إلى جملة من العناصر، في مقدمتها ما تتمتع به سورية من موقع جيواستراتيجي مهم في قلب المشرق العربي، وحدودها المشتركة مع عدد من القوى الإقليمية الفاعلة كالعراق وتركيا وإسرائيل، فضلاً عن لبنان والأردن وعلاقاتها المميزة مع إيران. كما أن لسورية مشروعاً سياسياً إقليمياً وحلماً قومياً عربياً، وإن تراجع في طموحاته. وهي البلد الأول الذي صدّر الانقلابات العسكرية للعالم العربي (بين عامي 1949 و1970 وقع عشرة انقلابات) وهي الجمهورية العربية الأولى التي تحقق فيها مشروع توريث السلطة. فقد جاءت فترة حكم الرئيس بشار، وإن اتخذت مظهراً انتخابياً، كامتداد لفترة حكم والده الرئيس الراحل حافظ الأسد التي استمرت نحو ثلاثة عقود، استطاع خلالها أن يكرس سلطته داخلياً، وأن يحيد معارضيه ومنافسيه بكل السبل، واتسم بأسلوبه الأمني الصارم والعنيف مع معارضيه، الذي وصل إلى أقصى حد في مواجهته مع الإخوان المسلمين في مدينة حماة في أواخر 1981، رغم أنه استطاع أن يجعل من سورية لاعباً إقليمياً بعد أن كانت مفعولاً بها، وإن جاء ذلك على حساب الاهتمام بشؤون البيت السوري الداخلي. ولم تتوقف الضغوط الخارجية الاقليمية والدولية يوماً على النظام الحاكم في  سورية لتحجيم تطلعاته وطموحاته، ومازالت هذه الضغوط متواصلة على نظام بشار الأسد وإن اختلفت في مضمونها ومراميها.

وعندما تولى الرئيس بشار الأسد السلطة في سورية عام 2000، حرص على تقديم نفسه على أنه سيقودها لمشارف القرن الحادي والعشرين، لتدخل عصر تكنولوجيا المعلومات، فهو من المستوعبين لطبيعة ظاهرة المعلوماتية وقدراتها، وارتفع معه سقف التوقعات الإصلاحية، ولاسيما بعد أن ركز في خطاب تنصيبه أمام مجلس الشعب في يوليو 2000، على مبدأ الانفتاح الذي اعتبره ضرورة إذا أرادت سورية التقدم واللحاق بالعصر. واتساقاً مع هذا التوجه بدأ بشار التخلص من أغلب رموز الحرس القديم، واستعان بوزراء من الشباب، بعضهم من خريجي الجامعات الأمريكية والأوروبية، وضخ بذلك دماء جديدة في عروق بعض مؤسسات النظام السوري. وبدأ في  التوسع في تحقيق الانفتاح الاقتصادي السوري على العالم الخارجي. وبالتوازي مع ذلك أحدث عملية انفتاح سياسي داخلي ولكن بجرعات محسوبة، متأثراً في ذلك بالنموذج الصيني، الذي شجع الانفتاح الاقتصادي وقيد الانفتاح السياسي، ومبتعداً عن التجربة الروسية التي تسرعت بالانفتاح السياسي قبل استكمال مقومات الانفتاح الاقتصادي. كما ظل متمسكاً بقاعدته الحزبية المستندة أساساً إلى حزب البعث، وبقيت يافطة الجبهة الوطنية التقدمية. وخلال العامين الأولين من عهده دب نشاط الحوار الفكري في  مختلف الأوساط السياسية والاقتصادية، كما شهدت الصحافة السورية في هاتين السنتين انفتاحاً واضحاً على مؤيدي الإصلاح، ونشطت حركة المنتديات الفكرية السياسية للحوار الوطني، وبدأ معها التيار المطالب بالإصلاح بشق طريقه في سورية رغم العقبات والمخاوف، إلى أن وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وما تلاها من غزو العراق (مارس 2003) والتي شكلت ذلك فصلاً جديداً ترك تداعياته على أوضاع دول المنطقة، وبصفة خاصة سورية، حيث جعلت هذه الأحداث من ربيع سورية السياسي قصيراً، وأصبحت دمشق ونظامها، شأنها شأن باقي الدول العربية، تنازعها دوافع الإصلاح من ناحية وضغوط الاستهداف من ناحية أخرى.

ونتيجة لهذه التطورات غيرالعادية بدأ نظام بشار الأسد يشعر بالقلق والمخاوف من تأثير مسيرة الإصلاح على تماسك الجبهة الداخلية، في وقت تزايدت فيه ضغوط المحافظين الجدد في واشنطن ومن خلفهم إسرائيل، على النظام السوري، ولاسيما أنه تبنى موقفاً معارضاً عالي النبرة من الاحتلال الأمريكي للعراق. وبدأت واشنطن، ولحقت بها باريس، تمارس مختلف الضغوط على نظام بشار الأسد من خلال حديقة سورية الخلفية (لبنان)، ولاسيما بعد عملية اغتيال رفيق الحريري، والمزاعم باتهام سورية بالضلوع فيها. وبدأ النظام السوري يستشعر بأن هناك خطة لتحقيق سيناريو الضغط المفتوح والمتواصل ضده، بهدف تطويعه وإخضاعه للأهداف الأمريكية، إلى أن وصل هذا الضغط إلى مرحلة إصدار قراري مجلس الأمن 1559 و1636، والتي أجبرت الرئيس السوري على سحب قواته من لبنان (أبريل 2005) بعد ثلاثين عاماً من الوجود العسكري فيه، وخرجت دمشق بذلك من عمق المستنقع اللبناني الذي تورطت فيه منذ عام 1976. ومع ذلك تواصلت الضغوط على سورية، ولاسيما بعد الهجوم الإسرائيلي الواسع على لبنان (2006) والذي فشل في تحقيق معظم أهدافه نتيجة مقاومة حزب الله غير العادية.

وبعد مجيء إدارة أوباما، ظهر بعض التغير في الموقف الأمريكي تجاه سورية، لكن تغيراً جوهرياً لم يحدث بعد اتضاح مدى ضعف هذه الإدارة أمام الضغوط والمطالب الإسرائيلية، وإن كانت هذه الإدارة قد تخلت، لاعتبارات عدة، عن هدف تغيير النظام إلى المطالبة بإصلاحه.

ومع تواصل الضغوط المطالبة بالإصلاح اختار النظام السوري، في ضوء تهديدات الواقع الإقليمي، وضعف النظام الإقليمي العربي، استمرار إحكام السيطرة على الداخل، والاكتفاء بإدخال إصلاحات تقنية لتطوير الأجهزة الحكومية. غير أن مفاجأة التغيرات الأخيرة في المنطقة العربية، وتأثيرها المعنوي في الداخل السوري، ولاسيما تلك التي أدت إلى إسقاط نظام حسني مبارك وزين العابدين بن علي، وامتداد تأثيرهما إلى دول أخرى كاليمن وليبيا، فضلاً عن الجزائر والمغرب والأردن، لم يستطيع النظام عزل سورية عن تداعياتها، فبدأت المظاهرات في محافظة درعا، واتسع نطاق الاحتجاجات ليشمل مدناً أخرى مثل دمشق واللاذقية وحمص وغيرها. وقد قوبلت هذه الاحتجاجات في بعض الحالات بالرصاص الحي، مما أسفر عن وقوع عشرات من القتلى والجرحى، كما استدعت بالمقابل مظاهرات مؤيدي النظام في ساحات أخرى.

وثمة عوامل عديدة تقف خلف هذه المظاهرات الاحتجاجية، من بينها: شعور السوريين بثقل قبضة الأجهزة الأمنية، وتسلطها على مقدراتهم المعيشية، ومحدودية حرية التعبير لشعب عُرف بحيويته السياسية المتدفقة وهباته وانتفاضاته، فضلاً عن معاناته من تفشي من الفساد وامتهان الكرامة في  ظل فرض حالة الطوارئ منذ 1963، وهي معاناة يشترك فيها الشعب السوري مع غيره من شعوب المنطقة، وإن اختلفت في حدتها. وجاء في مقدمة مطالب المحتجين: الدعوة إلى إلغاء قانون الطوارئ، والسماح بإنشاء الأحزاب وحل مجلس الشعب، وتعديل الدستور ليتسق مع المبادئ الديمقراطية، وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، وإطلاق حرية الإعلام، واستقلالية السلطة القضائية والإفراج عن سجناء الرأي.

وقد جاء خطاب الرئيس بشار الأسد أمام مجلس الشعب السوري يوم 30 مارس الماضي (2011) متأخراً في تقدير البعض، ومخيباً لآمال كثير من المتطلعين لإصلاح النظام من داخله. وأهم ما يلاحظ على مضمون هذا الخطاب، ما يلي: 

• أن الرئيس السوري لم يعلن رفع حالة الطوارئ بمرسوم رئاسي واختار بدلاً من ذلك تشكيل لجنة لدراسة الموضوع خشية أن يُبرر ذلك كما لو كان رضوخاً لضغوط الشارع السوري.
• أن وصف ما حدث في  بعض الدول العربية "بالصرعة" الجديدة، أي الموضة الجديدة، يمثل محاولة للتقليل من شأن هذه المتغيرات.
• رفض إعلان برنامج زمني للإصلاحات، بالقول إنه يوجد أصلاً برنامج لهذا الغرض، وهو ما يوحي بأن النظام يشعر أنه ليس في عجلة من أمره، وتأكد ذلك بقول الرئيس بشار "نستطيع أن نؤجل أحياناً معاناة معينة قد يسببها قانون الطوارئ أو غيره، لكن لا نستطيع أن نؤجل معاناة طفل لا يستطيع والده أن يعالجه، ولا يوجد لدى الدولة الدواء اللازم…".
• وضع ما حدث في  سورية من احتجاجات، في إطار "مؤامرة ممتدة خيوطها من دول بعيدة وأخرى قريبة"، يعكس استمرار نظرة الأمن الأحادية للأزمة الراهنة، ولكن ذلك لا يعني استبعاد عناصر التآمر الخارجي التي تستهدف سورية بطبيعة الحال، والتي استغلت ثغرات الداخل.

بشكل عام لم يقدم الأسد الابن في خطابه ما ينزع فتيل الأزمة، فالخطاب اقتصر على استخدام الصيغ البلاغية الخطابية التي لا تكفي لاستيعاب التحدي الراهن الذي يمثله معارضو النظام، وهذا التحدي هو الأكثر خطورة على نظام بشار الأسد منذ توليه الحكم، ولاسيما مع تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في الداخل وتزايد آمال الشعوب وثقتها في قدرتها على إحداث التغيير الذي تنشده على نحو ما حدث في مصر وتونس.

إن استمرار ظاهرة ثنائية ضعف المجتمع وعجز النظام لن تستمر على وضعها الراهن،  فالأمر أصبح يتطلب استيعاب ضغوط الداخل بالإعلان عن برنامج إصلاحي متكامل يرافقه جدول زمني للتطبيق. ومازالت هناك فسحة من الوقت، على ضيقها، متاحة لتبني مثل هذه الخطوة الجريئة، لإعادة تأهيل الداخل ليصبح رافعة لمأزق السلطة الراهن، ويرتقي بها إلى مستوى تطلعات الشعب السوري، ويحول دون وجود ثغرات ينفذ منها متربصو الخارج.

قد يقال أحياناً إن الرأي العام جامح بطبيعته وإن عواطف الجماهير ليست رحيمة على الدوام، إلا أن السياسي الذي يستمر في تجاهل الرأي العام الداخلي ويلصق أذنه بالأرض لن تتوافر له أناقة المظهر ومرونة الحركة، ولا حسن اتخاذ القرار في التوقيت المناسب من أجل تفادي تعقيد الموقف وتراكماته.

المهم هو الإمساك باللحظة لإحداث التغيير المطلوب قبل أن تهب العاصفة، ويرتفع معها سقف المطالبات إلى آفاق بعيدة قد تطول بنية النظام نفسه، فهل الرئيس بشار، بحكم انتمائه إلى جيل الشباب، قادر على الفكاك من أسر وميراث جيل الحرس القديم ؟!

Share