أبعاد اعتبار قطاع غزة "كياناً معادياً" في المنظور الإسرائيلي

إبراهيم عبدالكريم: أبعاد اعتبار قطاع غزة "كياناً معادياً" في المنظور الإسرائيلي

  • 23 أكتوبر 2007

بعد دراسات ومداولات مطولة، شاركت فيها الأجهزة السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية، وبعد تصريحات نارية لأقطاب الحكم والمعارضة، على حد سواء، قرر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون السياسية والأمنية، بالإجماع (في 19/9/2007)، أن حركة "حماس" هي "تنظيم إرهابي سيطر على قطاع غزة وحوّله إلى منطقة معادية". وفي سبيل تقديم الدعم للخطوة الإسرائيلية، سارعت وزيرة الخارجية الأمريكية "كونداليزا رايس" إلى الإعلان عن أن "الولايات المتحدة أيضاً ترى في حركة حماس كياناً معادياً".

 وترسم مضامين القرار الإسرائيلي الخطوط العريضة للنهج الذي ستعتمده إسرائيل إزاء قطاع غزة في المدى المنظور، على افتراض استمرار الوضع في قطاع غزة بصورته الراهنة؛ إذ أكد القرار "اعتماد التوصيات التي طرحتها الدوائر الأمنية، بما في ذلك استمرار النشاطات العسكرية الوقائية ضد التنظيمات الإرهابية". وحدد بأنه  "سيتم فرض مزيد من القيود على حكم حماس، من خلال تقييد نقل البضائع والمنتجات إلى قطاع غزة، وتقليص إمدادات الوقود والكهرباء، وتقييد تنقلات الأفراد من القطاع وإليه". ومن الملاحظ أن مادة هذا التوجه كانت تصدر عن غلاة اليمين الصهيوني، منذ سنوات، ولكنه صار حالياً في مركز دائرة المقررين، ويكاد يستقطب إجماعاً لدى الإسرائيليين، لكون الحيثية الرئيسة المعتمدة في خلفيته تتعلق بذريعة الرد على إطلاق الصواريخ الفلسطينية. فماذا عن أبعاد هذا القرار؟ وما هي الخيارات الإسرائيلية المرتبطة بذلك؟.

 بالمعايير العملية والسياسية، تريد إسرائيل (والإدارة الأمريكية) توظيف فرض مزيد من العقوبات على قطاع غزة في منحى إدخال رأس "حماس" تحت سطح الماء، وتكبيل أيدي الضاغطين على الزناد ومطلقي الصواريخ، وتأليب الجمهور الفلسطيني على فصائل المقاومة، وممارسة الضغوط عليها كي تتوقف عن إطلاق الصواريخ، وفي الوقت نفسه تحميل "حماس" مسؤولية المعاناة التي يفرضها الاحتلال على قطاع غزة لتقويض سلطتها في القطاع والمس بشعبيتها، وبالتالي محاولة تحويل النقمة على الاحتلال إلى الداخل، لتصبح ضد "حماس" التي يتم التركيز على أنها هي التي "تتسبب" بتلك المعاناة، ناهيك عن تسويق الذرائع المتعلقة بعدم التفاوض مع "حماس" واستبعادها من المسيرة السياسية.

 ومن المعروف أنه في ظل الحصار الإسرائيلي المطبق على قطاع غزة (بصيغة احتلال ديلوكس)، لا تتوفر للقطاع بدائل تخفف العقوبات الإسرائيلية أو تجنب الفلسطينيين تبعاتها المدمرة؛ إذ تسيطر إسرائيل على المعابر المخصصة للأشخاص والبضائع، ويخضع معبر رفح (بين مصر والقطاع) إلى آلية عمل لا تختلف كثيراً عما هو عليه حال بقية المعابر، وتزود إسرائيل القطاع بكميات ضرورية من الماء والوقود والكهرباء، وتتحكم بخروج الصيادين إلى البحر، وترتبط مع القطاع بشبكة من العلاقات المالية والاقتصادية التي تجعل منه منطقة مرتهنة لقرارات الاحتلال. وفي هذه الظروف المأساوية، تحيق بقطاع غزة تهديدات كارثية متعددة المضامين، لكونه سيعتمد على المساعدات الإنسانية فقط( بنسبة 100%) في حال استمرار فرض الإغلاق عليه، وسيفقد نحو 120 ألف عامل في غزة وظائفهم، كما سيتعرض القطاع الزراعي للشلل خاصة وأن أكثر من 13% من القوة العاملة تشتغل بالزراعة، وينطبق الأمر ذاته على القطاعات الاقتصادية الأخرى.

في المنظور الإسرائيلي-الأمريكي، تبدو مشكلات قطاع غزة هامشية، أمام "المشكلة الأساس" المتمثلة بما يسمى "إرهاب حماس"، معبّراً عنه بقصف البلدات الإسرائيلية بالصواريخ، ويتم التركيز على أن إعلان قطاع غزة كياناً معادياً هو "وصف فعلي وحقيقي"، وليس قانونياً، لمنطقة تسيطر عليها "منظمة كرّست نفسها لتدمير دولة إسرائيل"، وأن هذا الإعلان يوفر أساساً مقبولاً دولياً لفرض عقوبات على "نظام حماس"، وفق مقولة مفادها أنه لا يمكن أن تقوم دولة تتعرض لاعتداءات متواصلة بإمداد سكان معادين لها بمؤن ضرورية لارتكاب مثل هذه الاعتداءات. وفي الوقت ذاته، يجري البحث عن توفير غطاء قانوني، عبر التكييف المصطنع والقسري لمبادئ القانون الدولي بما يتلاءم والدعاوى الإسرائيلية-الأمريكية؛ حيث يتم تبرير العقوبات بأن إعلان غزة "منطقة معادية" يتيح لإسرائيل القول إنها لم تعد ملزمة بالقانون الدولي الذي يحكم إدارة الأراضي المحتلة لتقديم المساعدات لسكانها. وتعمد إسرائيل إلى إقناع العالم بأنها منذ انفصالها عن قطاع غزة (في آب/أغسطس 2005) غير خاضعة للواجبات التي تنطبق على المحتل حسب أحكام القانون الدولي الإنساني، وأنها ملتزمة فقط بالاتفاقيات التي وقعت عليها مع السلطة الفلسطينية.

 وتتجاهل هذه الدعاوى حقائق ماثلة، يقع في مركزها مسؤولية إسرائيل، وفقاً للقانون الدولي، عن قطاع غزة، رغم انسحابها منه، لأنها ما تزال تسيطر على حدوده ومياهه ومجاله الجوي. كما تتجاهل قوانين المواجهة المسلحة (الحرب)، التي لا تجيز لإسرائيل إلحاق الضرر بالمدنيين؛ حيث يحظر القانون الإنساني الهجوم على المدنيين وعلى الأهداف المدنية، ويحظر ميثاق جنيف الرابع العقاب الجماعي واتباع وسائل التخويف تجاه السكان المدنيين خلال المواجهات المسلحة. وبالتالي يتضح القصد الإسرائيلي-الأمريكي المركزي، ويتلخص بتجويع قطاع غزة ومحاولة إجبار "حماس" على قبول صيغ سياسية تحفظ المصلحة الإسرائيلية على حساب المصلحة الفلسطينية، استناداً إلى الخلل القائم في معادلة توازن القوى. يضاف إلى هذا مواصلة سلخ القطاع عن الجسم الجغرافي والكياني الفلسطيني الذي ستقوم عليه الدولة الفلسطينية المنتظرة. وبالمقابل، استمرار آلة الدعاية الإسرائيلية?الأمريكية بترويج فكرة عدم وجود تأثير لقرار "العداء" على علاقات تل أبيب وواشنطن مع "المعتدلين الفلسطينيين"، والتشديد على أنهما ستواصلان حوارهما مع هؤلاء المعتدلين، على أمل تعزيز قضية السلام.

 لا تتوقف التوجهات الإسرائيلية?الأمريكية عند الجوانب السياسية والقانونية لقرار اعتبار قطاع غزة "كياناً معاديا"، بل يرى المسؤولون الإسرائيليون، بتأييد أمريكي، أنه يمكن اعتماد هذا القرار كرافعة لتصعيد الإجراءات العسكرية ضد القطاع. وقد كان وزير الدفاع إيهود باراك صريحاً (في حديث خاص مع إذاعة الجيش يوم 26/9/2007) بتأكيده أن "إسرائيل تقترب من شن حملة عسكرية واسعة على قطاع غزة". وقبل ذلك كشفت الصحافة الإسرائيلية خطة باسم "جباية الثمن" تتم بلورتها في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تهدف إلى تقويض سلطة حماس في قطاع غزة وزعزعة الدعم الجماهيري لها وتقليص إطلاق الصواريخ الفلسطينية من قطاع غزة، عبر تكثيف عمليات الاغتيال وزيادة عمق التوغلات ونصب كمائن وتشجيع الفوضى في القطاع، وشل حركة تنقل السيارات بتخريب الطرق فيه، وتقسيمه إلى مناطق يصبح التنقل بينها صعباً.

 في مواجهة هذا الخيار، تعرب أوساط إسرائيلية وأمريكية عن خشيتها من أن يؤدي الضغط على قطاع غزة إلى دفع السكان للتعلق أكثر بحركة "حماس" التي يمكنها تغذية العداء في نفوسهم وتذليل بعض المشكلات المعيشية التي تعترضهم، وبالتالي يعود الضغط بأثر عكسي ويساهم في تعزيز قوة "حماس". وتبرز في أوساط إسرائيلية متعددة، مدنية وعسكرية، انتقادات لفكرة اجتياح قطاع غزة، مرتبطة بعناوين تلخص الحالة مثل؛ "دولة حماس جيدة لإسرائيل"، والتعليل الذي يساق هنا أنه لا يجوز تسليم القطاع إلى سلطة عباس و"فتح" على "طبق فضي من الضحايا الإسرائيليين"، وأنه لا يوجد أي سبب يجعل إسرائيل تفضل وحدة السلطة الفلسطينية على تقسيمها باثنتين، بل على العكس، إن هناك مصلحة إسرائيلية عليا في الفصل بين "دولة حماس" في غزة و"دولة فتح" في الضفة، وأنه يحسن دائماً التفريق بين الأعداء وإضعافهم بذلك؛ لأن الكيانين الفلسطينيين يطمعان بإسرائيل كلها ويختلفان بينهما في سبيل السلوك معها فقط.

 وحسب هذا التعليل، يفضل تيار واسع من الإسرائيليين تمكين "سلطة حماس" من البقاء، وفق شروط تحدد إسرائيل درجاتها وطبيعتها، دون الركض وراء مطلب الاعتراف بها، وبهذا تستطيع إسرائيل القيام أمام دول العالم بتمثيل دور "الطريدة التي تريد حماس اصطيادها"، وهو ما يعفيها من أي التزامات إزاء عدو يهددها ويسعى للقضاء عليها.. هل يوجد أفضل من صورة "الطريدة" تلك، كحالة نموذجية لإنتاج كاريكاتيرات إسرائيلية تهين العقول الإنسانية؟!

Share