«آيا صوفيا» وأهمية الحفاظ على التراث الإنساني

  • 12 يوليو 2020

يحظى الحفاظ على التراث الإنساني العالمي بأهمية كبيرة؛ لأنه يروي تاريخ البشرية، ويسلّط الضوء على مراحل تطورها المختلفة، ولا شك أن حماية هذا التراث وصونه يعززان قيم التسامح والتعايش بين الأمم والشعوب المختلفة.
وهذا التراث يُعَدُّ ملكاً للإنسانية كلها، وليس ملكاً للدولة التي يوجد فيها معلَم أو أكثر من معلَم ينتمي إليه، وفي هذا الصدد؛ فقد أكدت اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي لعام 1972 أن بعض مواقع العالم لها «قيمة عالمية استثنائية»، ويجب أن تشكل جزءاً من التراث المشترك للبشرية.
وتُولي دولة الإمارات العربية المتحدة حماية التراث الإنساني أهمية كبيرة، وللدولة العديد من المبادرات المهمة في هذا السياق، ومنها مبادرة إعادة إعمار الجامع النوري ومنارته الحدباء في الموصل، وكان قد تم تدميره بيد تنظيم «داعش» الإرهابي، وتشمل أيضاً إعادة بناء كنيستي الساعة والطاهرة؛ وذلك ضمن مشروع «إحياء روح الموصل».
وفي ظل هذا الحرص الكبير من دولة الإمارات العربية المتحدة، والأهمية البالغة التي توليها لحماية التراث الإنساني العالمي والحفاظ عليه في مواجهة أي عبث به، جاء بيان معالي نورة بنت محمد الكعبي، وزيرة الثقافة والشباب، رئيسة اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، الذي أكد أن التراث الثقافي يمثل إرثاً بشرياً تجب المحافظة عليه، وعدم استغلاله وتغيير واقعه عبر إدخال تعديلات تمس جوهره الإنساني، وجاء فيه: «إن تغيير وضع متحف (آيا صوفيا) في إسطنبول لم يراعِ القيمة الإنسانية لهذا المعلم التاريخي الذي طالما شكل إرثاً عالمياً وقيمة ثقافية وتراثية، وجسراً لتقريب الشعوب وتعزيز الروابط المشتركة فيما بينها».
وفي الواقع؛ فإن الخطوة التي قامت بها تركيا بتحويل «آيا صوفيا» من متحف إلى مسجد تُعَد بمنزلة سير عكس الاتجاه؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه كل دول العالم، فرادى وجماعات، إلى الحفاظ على التراث الإنساني، تهدر أنقرة هذا المعلم التراثي ذا الخصوصية الشديدة، الذي يجسّد جانباً مهماً من تاريخ الإنسانية، في خطوة ليس لها مبرر على الإطلاق، بل ستكون لها تأثيرات سلبية شديدة في العلاقة بين الدول والأديان؛ وهو ما اتضح من ردود الأفعال المندّدة بهذه الخطوة من عدد من الدول والكنائس والمنظمات المعنية بحماية التراث العالمي.
ويبدو أن خطوة تحويل «آيا صوفيا» من متحف إلى مسجد لها بواعثها السياسية الواضحة، ويجب ألا يحاجِج أحد بأنها تمت وفقاً لحكم قضائي؛ فالجميع باتوا يدركون أن القضاء التركي يواجه هجمة شرسة خلال المرحلة الحالية تهدف إلى إخضاعه والسيطرة عليه من الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي يسعى إلى تنصيب نفسه حاكماً فوق القانون؛ إذ يمكن القول إن هدف أردوغان من وراء هذه الخطوة هو كسب شعبية في أوساط فئات معينة من المجتمع التركي بعد أن تدنت هذه الشعبية من جراء سياساته الهوجاء على الصعيد الخارجي، مثل التدخل في ليبيا، وسياساته الاستبدادية على الصعيد الداخلي، ومنها خنق حرية الرأي والتعبير ومطاردة القوى المعارضة.
وإذا كان بعضهم يعتقد أن تحويل «آيا صوفيا» إلى مسجد هو انتصار للإسلام؛ فإن هذا الاعتقاد غير صحيح؛ فحين فتح المسلمون العديد من الأقطار في مشارق الأرض ومغاربها لم يحولوا الكنائس الموجودة فيها إلى مساجد، بل حافظوا عليها، وأتاحوا حرية ممارسة الشعائر فيها. وتروي كتب التاريخ كيف أن الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، رفض مجرد الصلاة في كنيسة القيامة، حين تم فتح بيت المقدس؛ حتى لا يفهم أحد أنه يؤيد تحويل هذه الكنيسة إلى مسجد. ولئن كان السلطان محمد الفاتح قام بالفعل بتحويل «آيا صوفيا» إلى مسجد، بعد فتح القسطنطينية؛ فإن ذلك كان حدثاً استثنائياً في تاريخ الفتوحات الإسلامية، تم تداركه بتحويل المسجد إلى متحف. وكان يجب أن يظل «آيا صوفيا» هكذا؛ كونه يمثل جزءاً من مدينة إسطنبول التاريخية، وهو مدرج في قائمة اليونسكو للتراث العالمي بصفته متحفاً، وهو تحفة معمارية شاهدة على التفاعل ما بين أوروبا وآسيا على مرّ القرون، كما قالت منظمة اليونسكو في بيان لها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات