آفة الإرهاب في السعودية

د. عبدالعزيز شادي: آفة الإرهاب في السعودية

  • 20 يوليو 2008

لآفة الإرهاب ذاكرة ممتدة داخل المملكة العربية السعودية منذ سبعينيات القرن الماضي؛ فأحداث الحرم المكي التي قادها جهيمان العتيبى والتي مثلت تحدياً للشرعية الإسلامية للدولة السعودية، مازالت ماثلة في الأذهان، خاصة أن هذه الأحداث تزامنت تاريخياً مع اندلاع الثورة الإيرانية؛ فكلاهما حدث في العام 1979. ومنذ ذلك التاريخ لم تشهد الجزيرة العربية استقراراً؛ إذ نشبت حروب عديدة أدخلت المنطقة بدرجة أكبر، مقارنة بالماضي، في قلب الاستراتيجيات الدولية، مما جعلها تؤثر في كل الظواهر التي عانى منها الأمن والسلم الدوليان وتتأثر بها، وعلى رأسها ظاهرة استخدام العنف من قبل منظمات تريد إعادة تشكيل السياسات الدولية، وإعادة تشكيل خريطة النظم السياسية في المنطقة، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة.

وقد يسارع البعض إلى اتهام المملكة بالضلوع في تأسيس تنظيم القاعدة استناداً إلى كون قائد التنظيم أسامة بن لادن سعودياً من عائلة غنية، ذهب إلى أفغانستان بمباركة سعودية لدعم المجاهدين ضد الغزو السوفيتي، لكن هؤلاء لا يدركون متطلبات الحرب الباردة التي فرضت على الولايات المتحدة والسعودية ودول أخرى ضرورة وقف الزحف الشيوعي عند حدود أفغانستان، خاصة أن ابن لادن لم يكن من ضمن أولوياته الدخول في صراع مع الولايات المتحدة وحلفائها (السعودية)، لكن ما إن انتهت الحرب الباردة وسقط الاتحاد السوفييتي حتى تحولت استراتيجيات تحالف القاعدة والجهاديين الذين ارتبطوا بها إلى مقاومة الوجود العسكري الأمريكي في الأراضي الإسلامية المقدسة، وهذا ما أعلنت عنه "الجبهة الإسلامية الدولية لمحاربة الصليبيين واليهود وحلفائهم" التي تشكلت عام 1998.

كما حدث تحول في ترتيب أهداف هذا التنظيم؛ بحيث أصبح استهداف وتقويض العدو البعيد (الولايات المتحدة ومصالحها) هو الأهم والأكثر إلحاحاً من تقويض العدو القريب (الحكومة السعودية)، وباتت الرغبة في معاقبة الولايات المتحدة على دعمها للنظام السعودي وإشعارها بالتكلفة العالية المرتبطة بهذا الدعم هي الهدف المباشر، حتى تنسحب الولايات المتحدة عسكرياً من الأراضي السعودية، ومن هنا جاءت مشاركة خمسة عشر سعودياً في هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001.

ومنذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر أصبحت المملكة العربية السعودية واقعة بين سندان تهديدات القاعدة من جانب، ومطرقة متطلبات الحرب على الإرهاب التي قادتها الولايات المتحدة من جانب آخر؛ فالتعاون مع الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب لم يمنع هجوم المحافظين الجدد داخل الكونجرس على المملكة، وفى الوقت نفسه أعطى هذا التعاون وقوداً جديداً لقيادات القاعدة كي توجه انتقاداتها لشرعية ذلك التعاون، لاسيما في ظل هيمنة خطاب ديني يسمح لانتقادات القاعدة بالتأثير الفعال على الداخل السعودي.

وقد استخدمت القاعدة وقياداتها حججاً مرتبطة بوجود القوات الأمريكية داخل الأراضي السعودية المقدسة، ومرتبطة كذلك بمدى شرعية الحكم بغير ما أنزل الله حتى تصم النظام السعودي بالردة، وتطالب السعوديين بالمشاركة في الجهاد ضد الوجود العسكري الأمريكي وضد حلفاء الولايات المتحدة، سواء بحمل السلاح أو بالتمويل أو بحماية من أسمتهم بالمجاهدين وإيوائهم، ووجدت تلك الاتهامات صدى لدى بعض الشباب في الداخل السعودي.

 كما تطور أسلوب عمل تنظيم القاعدة داخل المملكة مع تطور الحرب على الإرهاب من جانب، وتطور رد فعل المملكة على ما تعرضت له من جانب آخر؛ فبعد أن تلقى تنظيم القاعدة ضربات موجعة في أفغانستان على يد قوات التحالف سعى إلى استخدام أسلوب الحرب الأيديولوجية والإعلامية للترويج لخطابه الديني داخل السعودية، وقام بإنشاء فرع للتنظيم داخل المملكة أُطلق عليه اسم "تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية"، بهدف تجنيد الشباب السعودي للانخراط في عمليات ضد المصالح الغربية داخل السعودية وفى العراق وأفغانستان وحتى داخل أوروبا والولايات المتحدة، وأصبح الحصول على تمويل من داخل المملكة لدعم عمليات التنظيم من أبرز أولوياته.

وقد تنوعت أهداف التنظيم ما بين منشآت نفطية وبعثات قنصلية وسجون وشخصيات أوروبية وأمريكية، بل إن بعض الخلايا خططت لاستخدام الطائرات على نمط الحادي عشر من سبتمبر داخل المملكة، ولولا اكتشاف السلطات لتلك الخلية لحدث ما لا يحمد عقباه. كما غلب على أسلوب عمل التنظيم داخل المملكة اللجوء إلى التلقين على يد قيادات تحصل على البيعة عند الحرم الشريف، ثم يتم إرسال المجندين إلى مناطق الصراعات المختلفة (العراق؛ أفغانستان؛ الصومال؛ لبنان..إلخ)، ليتم تدريبهم ثم استدعاؤهم إلى المملكة مرة أخرى للقيام بأعمال تشيع الفوضى وعدم الاستقرار.

ولم يقتصر التجنيد على السعوديين فقط، بل امتد ليشمل جنسيات أخرى من العاملين بالسعودية كالأفارقة من مالي وتشاد والسودان ونيجيريا، والعرب كالمصريين والعراقيين، لكن غالبية المجندين كانوا سعوديين انخرطوا في خلايا تباينت أحجامها وتوزعت على مختلف أنحاء المملكة. كما تشهد المملكة وجود ظاهرة الخلايا الفردية، التي تتكون من شخص واحد تعرَّف من خلال شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) على أفكار وأساليب تنظيم القاعدة وتبناها، واتصل بقيادات جندته وأرسلته إلى العراق أو أفغانستان للتدريب، وهذا ما حدث لشابين من أسرة واحدة هي أسرة جعفر القحطاني؛ حيث تم تجنيد ابنيه سلطان ومحمد وإرسالهما إلى أفغانستان، وانتهى الأمر بالأول في سجن سعودي، وقاد الثاني عملية انتحارية في أفغانستان.

ولم يقتصر العمل "الجهادي" على تجنيد الشباب السعودي داخل المملكة، بل أصبح إرسال هؤلاء إلى مناطق الصراعات المختلفة في الخارج ظاهرة وُجدت في لبنان في حالة مخيم نهر البارد، وفى بعض العمليات الانتحارية في العراق والشيشان وإندونيسيا وأوروبا؛ فالقاعدة تدغدغ مشاعر وعقول وقلوب الشباب السعودي وتضلله وترسله إلى الموت.

من جانبها عززت الحكومة السعودية جهودها في مواجهة تلك الآفة؛ ففي المجال الأمني بادرت وزارة الداخلية إلى اكتشاف الخلايا وإجهاضها، وقد استطاعت المملكة بالفعل في السنوات الماضية تفكيك ما يقرب من مائتي خلية، وطورت من قدراتها ومواردها التكنولوجية في الرقابة على الاتصالات ومتابعة قادة تنظيم القاعدة؛ فقتلت فهد الجوير وعبدالعزيز المقرن وصالح العوفى وشددت من الرقابة على الحدود مع اليمن والعراق، ووضعت تشريعات لمتابعة شبكة الإنترنت داخل المملكة، ونسقت مع وزارات الداخلية داخل الجامعة العربية وداخل منظمة المؤتمر الإسلامي، ومع بعض الدول الأفريقية والآسيوية التي لها رعايا بالمملكة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمريكية، فإن السلطات الأمنية السعودية حافظت على مبدأ سيادتها الوطنية أثناء القبض على العناصر التي تم توقيفها والتحقيق معهم، ولم تسمح في كثير من الأحيان للمسؤولين الأمنيين الأمريكيين بحضور التحقيقات، بل وطالبت الولايات المتحدة بأن تسلم إلى المملكة السعوديين المحتجزين في جوانتانامو حتى يتم التحقيق معهم داخل السعودية.

ولجأت المملكة كذلك إلى اتباع سياسة المناصحة والحوار مع العناصر الإرهابية، بعد أن أعلن العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز مبادرته للعفو عمن يسلم نفسه للسلطات من تنظيم القاعدة، وبادر إلى إدخال إصلاحات سياسية؛ حيث أُجريت انتخابات محلية على مراحل داخل المملكة، وتم توسيع صلاحيات مجلس الشورى السعودي وزيادة عدد أعضاؤه.

واتخذت الحكومة السعودية من الحرب على الإرهاب مناسبة لفتح ملفات مهمة لها علاقة مباشرة بآفة الإرهاب، وأهمها ملف الخطاب الديني والفتاوى التي تبرر التحريض على كراهية الأديان والشعوب الأخرى، وتدعو للتعصب وممارسة العنف ضد كل من يختلف في الدين أو حتى ضد كل من لا يطبق الشريعة بشكل حرفي، وعلى الرغم من أن درجة النجاح في التعامل مع هذا الملف ما زالت في مستوياتها الدنيا وفقاً لتقديرات سعودية وأمريكية، فإن فتح هذا الملف يشكل الخطوة الأولى الضرورية في طريق الألف ميل.

ثاني هذه الملفات هو التعليم، وهو من الملفات الحساسة، فوفقاً لمعهد الدراسات الدينية التابع لمؤسسة بيت الحرية freedom House، يُتهم النظام التعليمي السعودي بأنه يحرض على كراهية الآخر في كتب الدراسات الدينية والفقهية. وقد طالبت الخارجية الأمريكية رسمياً المملكة بضرورة مراجعة المقررات الدراسية وتعديلها بشكل يسمح بنشر قيم الاعتدال والتسامح واحترام الآخر، وهو الأمر الذي طالب به أيضاً بعض المثقفين السعوديين على صفحات الجرائد، معتبرين أن غياب الحلول الخاصة بملفي الخطاب الديني والتعليم سينقل الاستراتيجية السعودية من مستوى حل أزمة الإرهاب إلى مستوى إدارة الأزمة، وبعبارة أدق، إذا لم تتعامل الحكومة السعودية بحزم وسرعة وفاعلية مع ملفي التعليم والخطاب الديني فلن تنتهي آفة الإرهاب، بل ستتحول إلى أزمة هيكلية على المملكة أن تتعايش معها وتديرها مثلما تدير أزمات غلاء المعيشة، ما يعنى استمرارية آفة الإرهاب في المملكة إلى ما لا نهاية.

ثمة ثلاثية تُتهم بها المملكة في مجال الإرهاب، بحسب البعض، تشمل زيادة عدد المقاتلين السعوديين في الخارج، وعدد منظري الفكر المتطرف في الداخل، وعدد مموليه في الداخل أيضاً، وعلى الرغم من صحة الإدعاء بوجود هذه الثلاثية، فإن ثمة بعداً رابعاً وهو الخاص بوجود مناطق جاذبة للمقاتلين الذين يتأثرون بالفكر المتطرف ويحصلون على التمويل، وفي مقدمتها العراق غير المستقر الذي لا توجد به حكومة تستطيع بسط سيادتها وتمنع التسلل إلى حدود الدول المجاورة، وتوجد به قوات أمريكية يمكن أن تكون هدفاً، ناهيك عن التنافس السني-الشيعي داخل العراق والذي يغرى الشباب السعودي المغرر به بالذهاب إلى هناك لمحاربة الأمريكيين والشيعة.

وما يساعد على انتشار الفكر المتطرف كذلك ما يمكن وصفه بغياب العقلية النقدية وسيادة حالة "البراءة السياسية" بين الشباب السعودي؛ فلا توجد لدى كثير من الشباب السعودي داخل المملكة القدرات التي تسمح له بالتمييز بين الغث والسمين من بين ما يقدم له من فتاوى وأفكار، ولا يملك المعايير التي تساعده على بلورة رؤى نقدية لما هو "معروض" في سوق الخطاب الديني، سواء داخل المساجد أو داخل المدارس أو الجامعات أو على شبكة الإنترنت، ناهيك عن غياب قنوات المشاركة السياسية التي تقضى على حالات الاغتراب السياسي لدى هؤلاء الشباب الذين لم تتح لهم فرصة المشاركة في صنع أي قرار سواء في أسرهم أو في مدارسهم أو في الحي الذي يعيشون فيه، فما زال الشباب السعودي في مرحلة الطفولة من الناحية السياسية، مما يجعله صيداً سهلاً للقاعدة وغيرها من التنظيمات التي تكرس آفة الإرهاب.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات