آفاق انضمام الأردن والمغرب إلى مجلس التعاون الخليجي

  • 16 يونيو 2011

كيف تبدو آفاق انضمام كل من الأردن والمغرب إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية؟ سؤال مهم شغل حيزاً كبيراً من اهتمامات المراقبين والمحللين، والرأي العام الخليجي ونظيريه المغربي والأردني على حد سواء، وذلك بعد ترحيب قادة دول المجلس في ختام قمتهم التشاورية الـ(13)، التي عقدت في الرياض يوم 10 مايو الماضي (2011)، بانضمام البلدين (الأردن والمغرب) للمجلس، وتكليف المجلس الوزاري الخليجي بدعوة وزيري خارجيتهما إلى الدخول في مفاوضات لاستكمال الإجراءات اللازمة للانضمام.

وينبع الاهتمام الواسع بهذا القرار من الانعكاسات المحلية والإقليمية المحتملة التي قد تترتب على توسيع عضوية مجلس التعاون الخليجي، الذي قطع شوطاً مهماً في تعزيز التعاون والتنسيق بين أعضائه الستة على مدى الثلاثين عاما الماضية، ولاسيما أن عملية الانضمام هذه تفرض ضرورة إحداث تغيير في التشريعات والأنظمة والقوانين المعمول بها في كل من الأردن والمغرب لتتناسب مع التشريعات والقوانين الخليجية المشتركة التي أُقرت على مدى العقود الثلاثة الماضية، كما سيترتب على هذه الخطوة إحداث تغيير في واجبات الأطراف المعنية كافة وحقوقها والتزاماتها بعضها إزاء بعض، الأمر الذي يفرض ضرورة التحضير والاستعداد الجيد لهذه الخطوة لضمان نجاح عملية الانضمام بسلاسة تتناسب والأوضاع العامة في دول المجلس من ناحية، وأوضاع كل من المغرب والأردن من ناحية أخرى.

وتتطلب عملية الاستعداد والتحضير المطلوبة، كما تبّين تجربة الاتحاد الأوروبي، التركيز على الجوانب الاقتصادية، التي يتم من خلالها تهيئة الأرضية اللازمة للانضمام، وربط مصالح البلدين المرشحين للانضمام بالمصالح والتوجهات الاقتصادية الخليجية؛ حيث سيتوقف نجاح عملية الانضمام على هذا الجانب بالذات، فهو الذي سيشكل الأرضية اللازمة لنجاح تجربة الاندماج في المجالات الأخرى.

وفي هذا الجانب الاقتصادي تبدو الأمور متفاوتة بصورة كبيرة للغاية، وتتطلب بذل جهود متواصلة لتقليص الفوارق بين الاقتصادات الخليجية والاقتصادين الأردني والمغربي؛ إذ تشير الإحصائيات الرسمية في هذا الصدد إلى الفارق الشاسع في معدلات النمو ومستويات المعيشة بين الطرفين، والتي يمكن من خلالها استيضاح أهمية القيام بعملية تأهيل قد تستغرق سنوات عدة لاقتصادي الأردن والمغرب، وذلك بهدف تقليص الفوارق وتسهيل عملية اندماجهما في المجموعة الخليجية.

وضمن هذه الفوارق يمكن الإشارة إلى بعض البيانات الخاصة بالبلدان الثمانية لعام 2010، كما هو مبين في الجدول التالي:

بعض المؤشرات الاقتصادية
لكل من دول مجلس التعاون الخليجي والأردن والمغرب لعام 2010

البيان

عدد السكان (مليون نسمة)

الناتج المحلي الإجمالي 

(مليار دولار)

متوسط دخل الفرد (ألف دولار)

دول مجلس التعاون

36

1,250

36

الأردن والمغرب

38

130

5

توضح البيانات السابقة أن الناتج المحلي لدول مجلس التعاون الخليجي يبلغ نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي للمغرب والأردن مجتمعين، أما متوسط حصة الفرد من الدخل القومي لدول المجلس الخمس من دون قطر  فيبلغ نحو 36 ألف دولار، في حين تتراوح حصة دخل الفرد من الدخل القومي بين أربعة وخمسة آلاف دولار في كل من المغرب والأردن. أما معدل البطالة في الأردن والمغرب، فإنه يصل إلى 14%، وهو معدل مرتفع إذا ما قورن بمعدلات البطالة المتدنية في دول المجلس.

وهناك فوارق أخرى تتعلق بأمور أساسية، كالعجز في الموازنات السنوية، ونسبة الدين العام للناتج المحلي الإجمالي، والتي لا تتيح من الناحية الفنية انضمام البلدين الشقيقين بوضعهما الحالي للمجموعة الخليجية، التي تتمتع بنسب آمنة في هذه الجوانب تعكس قوة أوضاعها الاقتصادية.

هذه باختصار معضلات تنموية لا يمكن أن تجتمع في تكتل واحد من دون أن يتم حلها، أو تقليصها إلى حدها الأدنى على أقل تقدير؛ ليصبح بإمكان عجلة الاقتصاد الخليجي الجديد، بدوله الثماني، الدوران دون عوائق أو مطبات.

واقع الحال يقول إن هناك عوائد وتكاليف تتطلبها عملية تقليص هذه الفوارق، ولا بّد من أخذها بعين الاعتبار من قبل دول المجلس من جهة، ومن قبل كل من المغرب والأردن من جهة أخرى، ففي جانب التكاليف تتطلب عملية إعادة هيكلة اقتصاد البلدين ضخ استثمارات خليجية لا تقل عن عشرة مليارات دولار سنوياً لمدة عشر سنوات؛ حيث يمكن من خلالها تنمية البنى التحتية للقطاعات الرئيسية في البلدين، بما في ذلك القطاع الزراعي والصناعات الصغيرة والمتوسطة التي يمكن من خلالها توفير فرص العمل للمواطنين.

وفي الوقت نفسه يمكن لدول المجلس التي يعمل بها أكثر من عشرين مليون عامل توفير كثير من فرص العمل للمواطنين الأردنيين والمغاربة، ما سيؤدي إلى تدفق تحويلات كبيرة للبلدين سنوياً تعزز أوضاعهما الاقتصادية، وتقلص نسب البطالة المرتفعة فيهما.

في المقابل سوف تتوافر تسهيلات للصادرات الخليجية لكل من الأردن والمغرب، أي إنه ستتوافر سوق كبيرة للصادرات الخليجية تساوي في حجمها السوق الخليجية تقريباً، وهذا ما سيؤدي إلى إنعاش هذه الصادرات التي ستدخل أسواق الدولتين من دون رسوم جمركية وفق اتفاقية منطقة التجارة الحرة الخليجية التي يتوقع أن تنضما إليها.

وللوصول إلى ذلك، لا بّد من وجود برامج محددة زمنياً لتقريب الاقتصاديات الثماني تمتد لسنوات، ويتم من خلالها ضخ استثمارات كبيرة في شرايين اقتصادي البلدين، مثلما فعل الاتحاد الأوروبي مع العديد من البلدان الأعضاء الجدد، التي تم وضع برامج تأهيلية لها، امتد بعضها لعشر سنوات حُددت مسبقاً.

وحقيقة، فإنه ليس من السهل تنفيذ مثل هذه البرامج والالتزامات، ففي الوقت الحاضر قد تتوافر مثل الإمكانات التي يمكن توظيفها في هذه البرامج وذلك بفضل أسعار النفط المرتفعة التي توفر لدول المجلس فوائض كبيرة، غير أن التقلبات الحادة في أسعار النفط لا توفر ضمانات كافية على المدى البعيد، مما يتطلب أن يساهم القطاع الخاص الخليجي في دعم هذه التوجهات، ولاسيما أن هناك فرصاً استثمارية ذات عوائد جيدة في الأردن والمغرب.

وفي هذا الصدد تبيّن تجربة الاتحاد الأوروبي أنه عانى، ولا يزال، من الأوضاع الاقتصادية المتدنية في بلدان أوروبا الجنوبية والشرقية؛ إذ إن جزءاً من أزمات اليونان والبرتغال ورومانيا حدث نتيجة للتفاوت الكبير بين اقتصاداتها واقتصادات البلدان المتقدمة، كألمانيا وفرنسا ومحاولاتها اللحاق بهذه الاقتصادات المتقدمة، غير أن الإعداد الجيد ووجود برامج تأهيل مسبقة ساهم كثيراً في الحد من تداعيات أزمات هذه الاقتصادات والتبعات المترتبة عليها.

وإضافة إلى ضخ الاستثمارات، يتعين أن تشمل مثل هذه السياسات إعداد البنية التشريعية والتحتية في البلدين لاستيعاب مثل هذه التغييرات، وهي عملية معقدة، ومن دون ذلك سيظل اقتصادا الأردن والمغرب يغردان خارج نطاق الاقتصاد الخليجي المندمج والمسّير وفق تشريعات مشتركة.

وإذا ما وضعت مثل هذه الجداول الزمنية لعملية إدماج البلدين في المنظومة الخليجية، فإنه يمكن الاطمئنان إلى نجاح هذا التوجه الرامي إلى ضم الأردن والمغرب لمجلس التعاون ليشكلا دعامة كبيرة للتجمع الخليجي تدفع به إلى الأمام، وتساهم في المحافظة عليه في ظل متغيرات إقليمية وعالمية خطيرة ومتقلبة بصورة حادة. 

أما في حالة تعذر وجود مثل هذه البرامج التأهيلية في الوقت الحاضر، فإنه يمكن التحضير لها من خلال وجود شراكة اقتصادية بين دول مجلس التعاون وكل من الأردن والمغرب؛ حيث يمكن تطوير هذه الشراكة بالتدريج لتصل إلى الشراكة الكاملة ومن ثم الاندماج في التكتل الخليجي.

وبشكل عام، يجب أن تستند عملية الترحيب المبدئية بانضمام الأردن والمغرب إلى مجلس التعاون  إلى عملية تأهيل منظمة؛ لأن انضمام أي دولة لتجمع ما في العالم يمثل بشكل عام مصدر قوة لهذا التجمع إذا ما توافرت الظروف المناسبة والانسجام والتناغم مع الأعضاء الآخرين، ولاسيما في المجال الاقتصادي، حتى يكون الانضمام قائماً على أسس قوية وراسخة، ولا تتعرض هذه التجربة، لا سمح الله، لصعوبات معيقة.

أما الجوانب الأخرى لعملية الانضمام، كالجوانب السياسية والعسكرية والأمنية، فإنها تبدو أقل تعقيداً من الجانب الاقتصادي، وذلك بسبب تشابه الأنظمة السياسية في البلدان الثمانية، ووجود عمليات تنسيق مسبقة حول كثير من القضايا والمواقف الإقليمية والعالمية.

إن المتطلبات الموضوعية هي التي ستحدد آفاق انضمام كل من الأردن والمغرب لمجلس التعاون الخليجي، أما الجوانب العاطفية المتعلقة باللهجة الخليجية والعادات والتقاليد، والتي أشار إليها بعض الكتاب ليعربوا عن تحفظهم على عملية الانضمام، فإنها لا تمس جوهر هذه القضية، فهناك أمور أكبر وأكثر أهمية تتعلق بالمصالح المشتركة والأهداف والتوجهات الاستراتيجية التي يمكن من خلالها المحافظة على المكاسب المهمة التي حققتها هذه البلدان في العقود الماضية، والتي تحولت بفضلها دول مجلس التعاون إلى تكتل يتمتع باقتصاد قوي تسيره تشريعات خليجية موحدة، ويتمتع بقوة تفاوضية تؤهله لحجز موقع مهم في العلاقات الدولية الجديدة.

Share