آفاق المصالحة السياسية في العراق

د. كينيث كاتزمان: آفاق المصالحة السياسية في العراق

  • 10 أغسطس 2008

ثمة دلائل وبراهين منطقية يطرحها كلا الجانبين، المؤيد والمعارض، لفكرة وجود تقدم ملموس على صعيد تحقيق المصالحة السياسية في العراق، بيد أن ثبوت صحة أي فرضية في هذا الشأن يتوقف بدوره على طبيعة الوضع الذي سيسود هذا البلد مع بدء تخفيض عدد القوات الأمريكية إلى المستوى الذي تستطيع عنده الحكومة وقوات الأمن العراقية تحمّل مسؤولياتها في قيادة العراق، ومواجهة نشاط المجموعات المسلحة من دون الحاجة إلى التدخل الأمريكي. ولكن لا ينبغي علينا الربط بين مسألتي انخفاض معدلات العنف وتحقيق المصالحة السياسية في هذا البلد أو المساواة بينهما، كما لا ينبغي علينا أن نتوقع أن تؤتي التشريعات العراقية، التي تم إقرارها بهدف تحقيق المصالحة السياسية في البلاد أُكُلها وتثمر عن مصالحة وطنية حقيقة على أرض الواقع بشكل مباشر. وإلى حد ما؛ فإن من يرون أن هناك إمكانية لحدوث تقدم ملموس على الصعيد السياسي في العراق استناداً إلى تحسن الوضع الأمني، سواء تصادف ذلك مع زيادة عدد القوات الأمريكية أو كان نتيجة لها، ربما يكون رهانهم غير دقيق؛ لأنه مبني على مفارقات عدة تكتنف الساحة العراقية.

ثمّة تقارير كثيرة صدرت مؤخراً، تشير إلى حدوث مزيد من التعاون السنة والشيعة على المستوى المحلي مقارنة بما كان عليه الحال في السابق، فقد حضر قادة الطائفتين اجتماعات المصالحة الوطنية التي جرت داخل العراق وخارجه، وبوساطة قوى خارجية في بعض الأحيان، كما ساعدت عدة وحدات من قوات الأمن العراقية المنتمية للسنّة، رئيس الوزراء العراقي نور المالكي في حملته لفرض النظام والقانون بمدينة البصرة، بل إن هناك من يرى أن الاستعانة بهذه الوحدات السنيّة كان هو العامل الحاسم في نجاح تلك الحملة، ولاسيما أن السنّة الموجودين في صفوف القوات العراقية كانت لديهم مصلحة في الانتقام من مقاتلي جيش المهدي، الذين ارتكبوا بدورهم فظائع عدة بحق السنة سابقاً. كما تجدر الإشارة كذلك إلى أنه باستثناء بعض الاختلافات التي ما زالت تعوق عملية تعديل الدستور وإقرار قانون الهيدروكربونات الجديد، فإن جميع مشاريع القوانين السياسية المهمة قد صدرت بالفعل، والكثير منها وُضِع موضع التنفيذ بالفعل، أو هي في طور التنفيذ حالياً.

ومع ذلك، فإن محاولة إقرار قانون الانتخابات المحلية الجديد، وهي إحدى القضايا المهمة التي تحاول إدارة الرئيس بوش تحقيق اختراق مهم فيها، قد بدأت تتعثر، وأصبحت غير واضحة المعالم. ولا يخفى على أحد أن هذه القضية أشعلت من جديد فتيل الصراعات الطائفية في شمال العراق حول من يحكم مدينة كركوك خلال الفترة التي تفصل بين الانتخابات المحلية وعملية تنظيم الاستفتاء الخاص بتقرير مصير المدينة وإمكانية ضمها إلى حكومة إقليم كردستان. فقد انسحب ممثلو الأكراد من جلسة التصويت على قانون الانتخابات المحلية التي عقدت في 22 يوليو/تموز 2008، احتجاجاً على فقرة في القانون تمنح الأكراد والعرب والتركمان عدداً متساوياً من المقاعد في مجلس انتقالي مقترح لإدارة كركوك، وأعقب ذلك صدور بيان من حكومة إقليم كردستان اعتبرت فيه أن هذا القانون، الذي تمت الموافقة عليه في تصويت سري بعد انسحاب ممثلي الأكراد، غير ملزم لها، وأن الأكراد قد يعيدون النظر في إمكانية التعاون السلمي مع الطوائف الأخرى في المدينة. أما الحكومة المركزية فقد اعتبرت، من جانبها، أن صدور قانون منفصل من حكومة إقليم كردستان فيما يتعلق بإدارة النفط أمر "غير قانوني". ورغم أنه من غير المرجح أن يتسع نطاق الصراع العربي-الكردي في ظل وجود القوات الأمريكية في العراق، فإن سحب أعداد كبيرة من هذه القوات قد يؤدي إلى خروج التوتر بين الطرفين عن نطاق السيطرة. وقد بلغ الصراع الدموي ذروته يوم 28 يوليو/تموز الماضي عندما وقع انفجار انتحاري تسبب بمقتل عدد من المتظاهرين الأكراد في مدينة كركوك، وأنحى فيه الأكراد باللائمة على التركمان، الذين تم طردهم من مكاتبهم السياسية ومن المؤسسات الأخرى في المدينة.

ومن المتوقع أن يبلغ العنف الطافي أشده مع خفض أعداد القوات الأمريكية في البلاد إلى المستوى الذي لا تخشى معه المجموعات المسلحة التدخل العسكري الأمريكي الفوري. ورغم أن العرب السنة كانوا قد رفضوا مخططات وأساليب "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين"بشكل واضح، واتجه كثير منهم لرفض العنف ضد القوات الأمريكية، إلا أنهم لم يتقبلوا حتى الآن انحسار دورهم السياسي في عراق ما بعد صدام حسين، لذا نجد إصراراً مستمراً لدى العرب السنّة على تعديل الدستور بما يضمن الحد من صلاحيات رئيس الوزراء؛ فهم يدركون أن المنصب سيخضع بشكل مستمر لسيطرة الشيعة، ويرفضون توسيع صلاحيات رئيس الوزراء بالشكل الذي يخوله قيادة القوات العسكرية والأمنية في البلاد. كما يعارض السنّة العرب إضفاء أي صبغة مؤسسية على الوضع القائم، الذي يتولى فيه كرديٌ رئاسة البلاد. وفي سياق تعبيرهم عن حالة الإحباط الدائمة التي يعيشونها، يمكن رؤية بعض المؤشرات على استمرار الصراع الطائفي، ومن ذلك على سبيل المثال حادثة استهداف الحجيج الشيعة (حادثة الكرادة) يوم 28 يوليو/تموز 2008. كما أن بعض الجماعات السنّية المسلحة قد تقوم، ما لم تكبح القوات الأمريكية هذه النزعة بالقدر الكافي، بتنفيذ هجمات كبيرة على التجمعات الشيعية في المناطق متعددة الطوائف، لاسيما تلك التي يوجد بها حضور سنّي كبير كمحافظة ديالي.

في الوقت ذاته، لم يتخذ الشيعة قراراً جريئاً وضرورياً بتقاسم السلطات والصلاحيات التي نالوها بعد انهيار النظام السابق، وما زالت الفصائل الشيعية تخشى من تسلل السنًة إلى مقاليد الأمور للانقلاب على الوضع الراهن. كما يصّر المالكي وحلفاؤه على الاحتفاظ بسيطرتهم الكاملة على إجراءات الاختيار والتعيين في صفوف القوات الأمنية العراقية، ويصرون كذلك على رفض انخراط الأغلبية الساحقة من تنظيم "أبناء العراق" المناوئ للقاعدة في صفوف تلك القوات، وهو ما يعزز اقتناع السنّة بالرغبة في تهميشهم والنظر إليهم باعتبارهم مارقين وخونة. أضف إلى ذلك أن عودة الكتلة السنية الأهم في العراق، جبهة التوافق، إلى تشكيلة الحكومة لا ينُّم إلاّ عن اقتناعهم باستمرار الدعم الأمريكي للمالكي، وبالتالي استبعاد أي احتمال بتغيير الوضع السياسي الراهن في المستقبل القريب، بالرغم من أن بعض المتفائلين يرون أن عودة هذه الكتلة للحكومة تمثل زيادة في أعداد السنة الذين يرون في المالكي قائداً وطنياً غير طائفي، لاسيما بعد هجومه على فصيل مقتدى الصدر في البصرة والعمارة خلال الفترة من مارس/آذار إلى يوليو/تموز 2008.

ومما لا شك فيه أن فصيل الصدر قد هُزم، لكنه لم يخرج من المسرح السياسي في البلاد، غير أن معارك هذا الفصيل ضد قوات الأمن العراقية في البصرة وغيرها من المدن تمثل مؤشراً على تصدع الحركات الإسلامية الشيعية. ومثار القلق في الأمر أن جيش المهدي قد يعاود الظهور على الساحة مجدداً بعد خفض أعداد القوات الأمريكية والبريطانية في العراق، أما مبعث الارتياح فهو أن إيران أصبحت تواجه موقفًا عصيباً بعد أن انقلب أعوانها في العراق على بعضهم، وانخرطوا في حرب ضروس. في المقابل نجد أن السنّة العرب لا يجمعهم موقف واحد أيضاً؛ فحركات الصحوة التي انقلبت على تنظيم القاعدة في العراق تتطلع بشغف لحصة ما من المشهد السياسي، فيما تريد الفصائل السنية ذات الحضور القوي، مثل الحزب الإسلامي العراقي، إضعاف هذا التيار الجديد الصاعد، غير أن هذين التيارين لم يدخلا في معارك فيما بينهما حتى وقتنا هذا، لكن تنظيم القاعدة في العراق شرع في مهاجمة قادة حركات الصحوة باعتبارهم متواطئين مع الوجود الأمريكي، ومن المحتمل أن ينحي هؤلاء القادة باللائمة على الأحزاب السنية الحالية بتهمة الضلوع في تلك الهجمات.

ثمة سيناريوهات يمكن أن تحكم مستقبل العراق لعدة عقود مقبلة أو أكثر، وتتأرجح هذه السيناريوهات ما بين تصاعد العنف الطائفي، والتنافس السياسي السلمي بين مختلف الطوائف. وقد يؤول الحال بالعراق إلى مشهد مماثل للوضع في لبنان، الذي انزلق إلى حرب أهلية، تخللتها وتبعتها، فترات سعت فيها مختلف الطوائف إلى التنافس من خلال المظاهرات السلمية والمناورات السياسية الانتخابية. وكما طالعتنا الأحداث في الأسابيع الماضية، فإن التنافس الطائفي يمكن أن يتحول إلى عنف طائفي عندما تشعر طائفة ما بالضغط أو التهميش أو الحرمان من حقوق يظنون أنها لهم. وهناك احتمال آخر مفاده أن تتسرب السلطة من بغداد إلى مناطق العراق وأقاليمه. إن التحرك الأمريكي الوحيد الذي أسهم، من وجهة نظري، في تكريس حالة الثبات الأمني الذي شهدناه في العراق مؤخراً، هو قرار الاستعانة بالسنّة وحدهم في تأمين المناطق السنًية كالأنبار؛ فقد أدت هذه الخطوة إلى تهدئة غضب السنّة وخفض معدلات العنف. وبالتالي، فإن تمكين الحكم الذاتي داخل الطوائف المختلفة وتحفيزه، من شأنه أن يسهم في إيجاد حل سياسي دائم للعراق في نهاية المطاف، شريطة أن يتم التوصل إلى اتفاق قابل للتنفيذ فيما يتعلق بتقاسم ثروات العراق.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات