آفاق العلاقات المصرية – الإيرانية بعد انتخاب مرسي

  • 29 يوليو 2012

في 30 يونيو الماضي، تسلم الدكتور محمد مرسي رئاسة مصر، والسلطة التنفيذية إجمالاً، من المجلس الأعلى للقوات المسلحة (لاحقاً: المجلس العسكري). وبذلك تكون قد انتهت المرحلة الانتقالية الأولى التي بدأت عقب تنحي الرئيس حسني مبارك في 11 فبراير 2011، وبدأت المرحلة الانتقالية الثانية التي شهدت تولي أول رئيس مدني الحكم في مصر، وستشهد وضع دستور جديد للبلاد. مِثل هذا التطور يدفع إلى إثارة سؤال مهم هو: هل يُنتَظر أن يكون ثمة جديد في أفق العلاقات المصرية – الإيرانية مع التحول من فترة انتقالية إلى أخرى؟

ويكتسب هذا التساؤل منطقه من أنه في المرحلة الانتقالية الأولى كانت سياسات المجلس العسكري ـ الذي شكله الرئيس المتنحي، وأدار دفة البلاد لنحو عام ونصف ـ تُمثل امتداداً بدرجة كبيرة لسياسات النظام السابق في الداخل والخارج. وقد كان المجلس العسكري، بحكم طبيعته، مهتماً بقضية التهديدات الخارجية للأمن القومي المصري، وله تقييمه الخاص "السلبي" للدور الإيراني في الشرق الأوسط. وفي الحقيقة، فإن عدم تطور العلاقات المصرية – الإيرانية طيلة فترة حكم الرئيس مبارك كان يرجع إلى المخاوف التي كانت تبديها أجهزة المخابرات والقوات المسلحة من تأثير إيران في أمن مصر، في الوقت الذي كانت مدرسة الخارجية المصرية أَميل إلى التهدئة. وسنعود إلى اختبار هذه المقولة لاحقاً، غير أننا نسجلها في هذا المقام كجزء من وجهة النظر التي تقول إن أهم أسباب جمود العلاقات المصرية –الإيرانية في المرحلة الانتقالية الأولى هو وجود المجلس العسكري في الحكم. 

وبناءً عليه، فإن سيناريو التحسن المضطرد، وربما السريع، في هذه العلاقات مع بدء المرحلة الانتقالية الثانية يصبح وارداً؛ خصوصاً مع تسلم الإسلاميين، ممثلين في محمد مرسي مرشح جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسي حزب الحرية والعدالة، السلطة التنفيذية، ووجود قواسم موضوعية تجمعهم بإيران، أهمها الموقف من القضية الفلسطينية. وقد لمسنا حتى من قبل وصول هؤلاء الإسلاميين للسلطة، وبمجرد حضورهم القوي في المشهد السياسي المصري كيف وقع تطور مهم في علاقة مصر بحركة حماس. ومن مؤشرات ذلك: تخفيف الإجراءات الأمنية عند معبر رفح، وتوافد قيادات حماس على مصر، وتوقيع اتفاق المصالحة مع السلطة الوطنية، ووقف تصدير الغاز لإسرائيل وتقديم المسؤولين عنه للمحاكمة. وعلى المستوى الشعبي، تصاعدت الدعوات إلى طرد سفير إسرائيل، وجرت محاولات لاقتحام سفارتها في القاهرة، وإنزال علمها. وقد أيدت إيران بشدة جميع تلك التطورات، واعتبرتها فاتحة لانضمام مصر لما سُميّ بمحور الممانعة. وفي الحقيقة، اكتسبت علاقات مصر بقطاع غزة زخماً أكبر بوصول محمد مرسي للحكم، بعد تعهدات قطعها الرئيس المصري لرئيس وزراء الحكومة الفلسطينية المقالة إسماعيل هنية، الذي التقى الرئيس مؤخراً، بتخفيف المعاناة عن سكان القطاع. وبالتالي يكون السؤال هو: هل بدأ عهد جديد في العلاقات المصرية – الإيرانية؟

 ثمة محطات مهمة يمكن التوقف عندها مع تسلم الرئيس مرسي السلطة، ومقارنتها بنظيراتها في المرحلة الانتقالية الأولى للتعرف على حدود الاستمرارية والتغير المحتمل في العلاقات المصرية – الإيرانية. ففور إعلان فوز مرسي في الانتخابات الرئاسية، وحتى قبل تسلمه السلطة رسمياً، شهدت العلاقات المصرية – الإيرانية أزمة سياسية بعد نشر مراسل وكالة أنباء فارس بالقاهرة حديثاً منسوباً إلى مرسي تعهد فيه بإعادة العلاقات الطبيعية مع إيران، وتطوير التعاون المشترك المصري- الإيراني؛ لأن هذا "سيحقق التوازن الاستراتيجي في المنطقة". وادعى المراسل أن مرسي أكد له أن هذا يأتي "ضمن برنامجي (الانتخابي): برنامج النهضة". وقد نفى المتحدث باسم الحملة الانتخابية للدكتور مرسي إدلاء الرئيس بهذا الحديث، وردت عليه وكالة الأنباء الإيرانية بإذاعة تسجيل صوتي تم التشكيك في نسبته إلى الرئيس المصري. ولو عدنا إلى برنامج النهضة المذكور، سنجد أنه تناول تطوير علاقات مصر الآسيوية، لكن الدولتين اللتين ذُكِرتا بالاسم هما تركيا وماليزيا، ولا وجود لإيران أو الحديث عن التوازن الاستراتيجي في هذا السياق. وعَكّرت هذه الأزمة من صفو علاقة مُرسي بإيران، على الرغم من ترحيب المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بفوز مرسي واعتباره المحطة الأخيرة في اليقظة الإسلامية، وتشكيكه من قبل في مصادر تمويل حملة منافسه في الجولة الثانية، الفريق أحمد شفيق.

وقد أرادت الجمهورية الإسلامية أن تثبت حرص الرئيس المصري الجديد على الانفتاح عليها، فأساءت للعلاقات المصرية – الإيرانية. وهذا في الواقع جزء من محاولة التأثير الإيراني في عملية صنع السياسة الخارجية المصرية، وتعبير عن الحرص الشديد على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، وتعزيز التعاون بين البلدين كآلية لمواجهة عزلة إيران العربية، ولاسيما بعد اندلاع الثورة السورية. وتُذكرنا هذه الأزمة بمثيلتها التي اندلعت قبيل تنحي الرئيس مبارك، عندما ألقى المرشد الإيراني خطبة جمعة أكد فيها أن الثورة المصرية استلهمت نموذج نظيرتها الإيرانية؛ ما استفز القوى الثورية، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين، التي شدّدت على وطنية الثورة المصرية.

بيد أن الأزمة السياسية التي اندلعت في بداية المرحلتين الانتقاليتين تهون أمام الأزمات الأخطر المنبثقة من الهواجس الأمنية. ولقد كانت قضية الجاسوس الإيراني، سيد قاسم الحسيني، التي كُشف عنها النقاب في شهر إبريل 2011 واحدة من الألغام على طريق تطوير العلاقات المصرية – الإيرانية. ولم تكن هذه القضية هي الأولى على أية حال، فقد سبقتها الشكوك حول دورٍ إيراني في عمليات اقتحام السجون المصرية في أثناء الثورة خصوصاً لجهة تهريب المتهمين في قضية "خلية حزب الله"، وضلوع إيران في اضطرابات شبه جزيرة سيناء بعد الثورة خصوصاً مع تدفق السلاح الليبي عبر الحدود المصرية. ويلاحظ أن علاقة إيران بتطورات سيناء تهمة ظلت تلاحق الجمهورية الإسلامية مع بداية المرحلة الانتقالية الثانية. ولا أحد يعرف على وجه اليقين مدى صحة الاتهامات المنسوبة إلى إيران؛ بسبب عدم الشفافية في إطلاع الرأي العام على تفاصيل الاتهام، وعدم رغبة مصر في فتح جبهة صراع خارجي.

ونخلص مما سبق إلى أن القضايا الشائكة في العلاقات المصرية – الإيرانية لم تتغير، وتتعلق بتدخل إيران في الشأن الداخلي المصري، وتهديدها الأمن القومي لمصر. ما اختلف فقط هو أسلوب التعاطي مع هذه القضايا. والدليل على ذلك أنه بعد الثورة، وعلى الرغم من توجيه مصر النقد لإيران للأسباب المذكورة سلفاً، زارت طهران وفود شعبية من قوى سياسية ومجتمعية مختلفة، وبعض أسر الشهداء بقصد التكريم، وبعض مقرئي القرآن، علماً بأن تكريم الشهداء واستقدام المقرئين المصريين لقيا نقداً داخلياً واسعاً. كما أن إيران من جانبها لم تتوقف عن وعودها السخية لمصر بتوريد قمح بأقل 10% من سعره العالمي، وبمعاونتها في إطلاق برنامجها النووي للأغراض السلمية، وبإيفاد 2 مليون سائح سنوياً … إلخ.

وتبقى الإشارة إلى متغيرين مهمين في تحديد مسار العلاقات المصرية – الإيرانية في المرحلة الانتقالية الثانية، يتعلق أحدهما بحدود الدور السياسي للتيار السلفي الصاعد على الساحة المصرية، والذي يتخذ موقفاً شديد الغلو ضد إيران من منظور مذهبي. وكما هو معلوم، تحتاج جماعة الإخوان المسلمين، التي ينتمي إليها الرئيس، إلى هذا التيار لإجراء تربيطات انتخابية وتمرير قرارات سياسية. ويعد التيار السلفي الأكثر اهتماماً بقضية نشر التشيع في مصر، كما اتضح من رد فعله على بناء الحسينيات. ومع أن هذه القضية يكتنفها تهويل إعلامي شديد، إلا أن لها أساساً من الواقع ألجأ الأزهر الشريف نفسه إلى التحذير من التمدد الشيعي في مصر. أما المتغير الثاني، فيتصل بالسلوك الإيراني تجاه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والتي نصّ برنامج النهضة للرئيس المصري على الحفاظ على أمنها. وهذا يعني أنه سواء في المرحلة الانتقالية الأولى أو الثانية، فإن علاقة مصر بدول الخليج ستظل محدداً مهماً من محددات العلاقات المصرية – الإيرانية. وليس من قبيل المصادفة أن تكون أول جولة خارجية لأول رئيس وزراء مصري بعد الثورة إلى السعودية والكويت وقطر، وأن تكون السعودية هي محط أول زيارة خارجية يقوم بها أول رئيس منتخب لمصر. وبالتالي، فإن تطاير التهديدات الإيرانية لدول الخليج لا بد أن ينعكس سلباً على أفق تطوير العلاقة مع مصر.

وفوق كل ما سبق، فليس وارداً من منظور الواقعية السياسية اختفاء المجلس العسكري من المشهد المصري بتعقيداته المختلفة؛ إذ يعتبر نفسه عنصر توازن بين القوى "الإسلامية" والقوى "المدنية". وكما سيكون له رأي في الشأن الداخلي، فالأولى أن يكون له موقف من قضايا السياسة الخارجية. أما وزارة الخارجية نفسها، فعلاوة على أنها لا تنفرد وحدها بعملية صنع القرار، فليس من الصحيح أنها كانت دائماً ضد التصعيد مع إيران.

وصفوة القول أن تغيراً نوعياً لن يطرأ على العلاقات المصرية الإيرانية في المرحلة الانتقالية الثانية على الرغم من صعود الإسلاميين للحكم. فقد كانت أمام إيران فرصة ذهبية لاتخاذ منحى مختلفاً في التعامل مع مصر فور اندلاع الثورة وعلى مدار عام ونصف العام، لكن على العكس زاد تدخلها في الشؤون الداخلية المصرية، وزاد تصعيدها مع دول الخليج. فما لم تدركه في ظل تواضع نفوذ التيار السلفي في بداية الثورة، صعب عليها إدراكه بعد تثبيت هذا التيار مواقع أقدامه لتظل معادلة "لا صدام ولا علاقة كاملة" هي الحاكمة.

Share