آفاق العلاقات الأمريكية – التركية في ظل إدارة بايدن

  • 7 فبراير 2021

ترتكز العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا على قاعدة تحالف استراتيجي، فرضها واقع ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ حيث انضمت تركيا طواعية إلى المعسكر الغربي، وشاركت الولايات المتحدة في الحرب الكورية. ومن ثم كافأتها الولايات المتحدة بضمها إلى حلف الناتو، ووظفت وضعها الجيو-سياسي عسكريًّا وأمنيًّا لتصبح الجدار الواقي أمام تهديدات الاتحاد السوفيتي السابق.

احتفظت تركيا بمكانتها الاستراتيجية داخل منظومة الدفاع الغربية من خلال عضويتها في حلف شمال الأطلنطي، حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، باعتبارها جسرًا وملتقى بين دول الغرب ودول الشرق المسلم. وأصبح تمدد النفوذ التركي في الشرق الأوسط والقوقاز بمختلف جوانبه متماهيًا مع سياسة بسط النفوذ الأمريكي في المنطقة أمام اليقظة الروسية وحركات الإسلام الجهادي باعتبار الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وبرغم أن تركيا «الأردوغانية» خلال السنوات الخمس الأخيرة اتخذت مواقف وإجراءات تتناقض مع أولويات منظومة الدفاع الغربية، فإنها لا تزال شريكًا في حلف شمال الأطلنطي، وتعتبر قوة إقليمية مؤثرة؛ حيث استطاعت توسيع نطاق وجودها العسكري في القوقاز والشرق الأوسط وملأت الفراغ الناتج عن التراجع الأمريكي في المنطقة في ظل سياسات الرئيس السابق دونالد ترامب.

مع وصول الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن إلى الحكم وتشكيله فريق إدارته الجديدة، برزت مؤشرات أولية على عزم الإدارة الجديدة اتخاذ سياسات أكثر صرامة حيال تركيا. وقد عبّر عنها بإيجاز وزير الخارجية الأمريكي الجديد أنطوني بلينكين حين وصف تركيا في اجتماع الكونغرس بتاريخ 18 يناير بـ «شريكنا الاستراتيجي المزعوم».

وإذا كانت القضايا الخلافية الآن بين الولايات المتحدة وتركيا عديدة، إلا أنه يمكن الحديث عن أربع قضايا تحظى بالأولوية. وهي: شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسية الصنع «إس-400»، وسياساتها تجاه الأكراد، وأزمة شرق البحر المتوسط، وتراجع مستوى الديمقراطية في تركيا. ومن المرجح ألا يتم التوصل إلى حلول مؤثرة في هذه القضايا الأربع بسبب تعقيداتها وتشابكها مع سياسات أردوغان الداخلية والخارجية، خصوصًا مع تراجع شعبيته وتفاقم التحديات الاقتصادية التي تواجه تركيا. فمن غير المتوقع التوصل إلى حل بشأن أنظمة «إس-400» تقبل به الأطراف الثلاثة الأمريكية والتركية والروسية، ما يرجح استمرار المشكلة، بل واستغلالها كورقة ضغط من الأطراف الثلاثة. كما أن إعادة معالجة أردوغان للمشكلة الكردية مرهون، بشكل أساسي، بتفكك التحالف القائم بين أردوغان ودولت بهتشلي زعيم حزب الحركة القومي، خصوصًا مع إصرار بايدن على إطلاق سراح صلاح الدين دميرطاش الرئيس السابق لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي. فضلًا عن دعمه الواضح للأكراد، ورفضه تسمية «وحدات الحماية الكردية السورية» بالإرهابيين، وكذلك رغبته في إبقاء القوات الأمريكية في سوريا.

أما أزمة العلاقات التركية – اليونانية فيما يخص التنقيب في شرق البحر المتوسط وبحر إيجة، فإن مساعي الطرفين نحو التوصل إلى حل يجنبهما تدخلًا عسكريًّا، قد يساعد بايدن في حلحلة الأزمة، بشكل تدريجي، عبر استئناف المفاوضات واستمرارها، غير أنه لا يرجح وصول الطرفين إلى نتائج نهائية في المدى القريب أو المتوسط.

ولعل القضية الأبرز التي تمثّل قلقًا بالنسبة إلى أردوغان، هي موقف الإدارة الأمريكية الجديدة من الديمقراطية في تركيا؛ حيث توعّد بايدن خلال حملته الانتخابية بدعم أحزاب المعارضة التركية لإسقاط أردوغان في الانتخابات. ولما كان ملف الحريات وحقوق الإنسان في تركيا يزداد تدهورًا عامًا بعد عام، فإن جهود أردوغان تنصبُّ حاليًّا على محاولة تقديم صورة، ولو شكلية، إلى الإدارة الأمريكية توحي بتقدم في مسار الإصلاح الديمقراطي، كان آخرها في الأول من فبراير الجاري، أي قبل أيام، حين أعلن حاجة تركيا إلى دستور جديد يعزّز الديمقراطية.

وخلاصة القول، هي أن العلاقات الأمريكية – التركية، برغم القضايا الخلافية، ستتواصل في أطر المصالح المشتركة الكثيرة لكلا الطرفين؛ فإدارة بايدن تدرك حاجتها إلى تركيا في الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى، ومن ثم فهي مضطرة لاحتوائها، والاعتراف بواقع تركيا الجديد، كما أن أردوغان حريص على فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتجنب الأزمات الاقتصادية، ولكن مع الاستمرار في سياسة خارجية متعددة التوجهات

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات