آفاق الحراك السياسي في العراق عقب مقتل سليماني

  • 6 يناير 2020

هناك تساؤلات كبيرة حول مستقبل الحراك السياسي في العراق عقب مقتل قاسم سليماني قائد قوة القدس بالحرس الثوري الإيراني، وإذا ما كان ذلك سيؤدي إلى خفوت هذا الحراك وتراجعه بعد أن حقق حزمة من النتائج المهمة، التي كان في مقدمتها إجبار رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على الاستقالة.
شهد العراق في الربع الأخير من العام المنصرم موجة حراك سياسي لم يسبق لها مثيل؛ احتجاجاً على تفشي الفقر والبطالة في واحدة من أغنى الدول العربية بالموارد الطبيعية، وفي مقدمتها النفط؛ واحتجاجاً على تفشي ظاهرة الفساد السياسي الذي يعد السبب الأول فيما أصاب مواطني العراق من فقر وبطالة. وقد صمد المحتجون في مواجهة محاولات مستميتة من قبل قوات الأمن لإنهاء حراكهم وفض اعتصاماتهم، على الرغم من سقوط عشرات القتلى وآلاف الجرحى، وهذا الصمود أجبر رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على الاستقالة وأجبر النخبة الحاكمة على الاستماع لمطالب المحتجين والشروع في اتخاذ إجراءات لتلبية هذه المطالب، وأصبح الحراك رقماً مهماً في اختيار خليفة عادل عبد المهدي.
وفي الوقت الذي كان يتنامى فيه الحراك السياسي في الشارع العراقي متجاوزاً خطوط التقسيم الطائفي البغيض، جاء حادث مقتل قاسم سليماني قائد قوة القدس بالحرس الثوري الإيراني ليطرح حزمة من التساؤلات حول مستقبل هذا الحراك، وإذا ما كان ذلك سيؤدي إلى خفوته وتراجعه، أو حتى انتهائه، وتستمد هذه التساؤلات شرعيتها من عوامل أساسية عدة، نجمت عن مقتل سليماني، منها:
حدوث حالة من التوتر الكبير في الساحة العراقية، ومن ثم خلق مناخ غير مواتٍ لاستمرار الحراك السياسي من خلال المظاهرات والاعتصامات. لقد استطاع المتظاهرون وبعد أن قدموا تضحيات كبيرة وفي ظل ردود فعل دولية منددة باستهدافهم، أن يكرسوا وجودهم في الشارع، وأصبحوا يمارسون فعالياتهم بشكل آمن، ولكن مناخ التوتر الذي تشكل على خلفية مقتل سليماني، قد يعيد خلط الأوراق، وقد يتم استهدافهم مرة أخرى، حيث إن قوات الأمن ترغب في الحد أو القضاء على عوامل عدم الاستقرار في الشارع، وهي ترى في استمرار المتظاهرين في الساحات العامة، عاملاً من أسباب زيادة التوتر.
استطاع الحراك السياسي أن يؤسس لحالة وطنية تجاوزت نزعة الطائفية التي تكرست في العراق منذ إطاحة نظام الرئيس الأسبق صدام حسين عام 2003، ولكن مقتل سليماني جاء ليحيي هذه النزعة من جديد، حيث إن هناك قطاعات واسعة من شيعة العراق رفضت بشدة قيام واشنطن باغتيال سليماني، وقد انتهزت الميليشيات الشيعية هذه الحادثة وهذه المشاعر لكي تعيد من جديد رص صفوف أتباعها، الذين كان بعضهم قد انخرط في صفوف الحراك متسامياً على ولائه الطائفي، وهذا الوضع من شأنه شق الحراك وتلوينه بالطابع الطائفي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن ما ستقدم عليه هذه الميليشيات من أعمال متوقعة للانتقام لمقتل سليماني سيفاقم حالة التوتر في الساحة العراقية، وسيجعل منها الميدان الرئيسي للصراع بين واشنطن وطهران.
سيؤدي مقتل سليماني إلى إعادة تكريس نفوذ إيران في الساحة العراقية من خلال ميليشياتها المتعددة العاملة في العراق، التي تهدد بالثأر لمقتل سليماني، وهذا الأمر سيلقى تأييداً لدى قطاعات الشيعة الغاضبة لمقتله، بعد أن كان الحراك قد نجح في خلق اتجاه عام رافض لهيمنة إيران في العراق، وبطبيعة الحال، فإن المزيد من النفوذ الإيراني في العراق يعني المزيد من التحديات في وجه الحراك السياسي.
أدى مقتل سليماني إلى تغير واضح في أولويات النخبة الحاكمة ومؤسساتها في العراق، حيث انخرط الجميع فيما أفرزته هذه الحادثة، وذلك على حساب الاهتمام بقضية الحراك.
على هذا النحو، يمكن القول، إن التأثيرات الناجمة عن مقتل سليماني ستكون ذات طابع سلبي فيما يخص مسار الحراك السياسي في العراق.

Share