آفاق التواصل السعودي-الإيراني

عبدالوهاب بدرخان: آفاق التواصل السعودي-الإيراني

  • 20 فبراير 2007

فتحت السعودية وإيران نافذة في أفق المنطقة المسدود. بدأ الأمر بمجرد اتصال لتبليغ أفكار أو تبادلها، ثم تطور فأصبح تواصلاً. والآن، هناك حديث عن تقارب. أياً تكن مواصفات قناة الاتصال هذه بين الدولتين الكبريين في المنطقة، فإنها قد تكون مفيدة، وإذا عجزت عن ذلك فإنها لن تزيد التعقيدات؛ لأن شيئاً ما سيبقى في النهاية من هذا الحوار.

 بديهي أن هذا التواصل تأخر كثيراً، ويصعب إلقاء اللوم أو تحديد المسؤولية في هذا الجانب أو ذاك. فالمناخ لم يكن مناخ ثقة، بل إن الحذر والتشكيك تراكما إلى حد بدا من الصعب اختراقه. وفي غياب الشفافية، كالعادة، تتعذر معرفة ما يدور بين الطرفين، وبالتالي يتعذر تحليله أو البناء عليه. لكن المعروف أن طهران خطت الخطوة الأولى على خلفية تطورين: أولهما حدوث إجماع في مجلس الأمن الدولي على حزمة أولى من العقوبات ضدها، والثاني تفاقم أجواء الانقسام والمواجهة بين السنـّة والشيعة.

 كانت إيران قد بذلت جهوداً دبلوماسية مميزة لتفادي أي حدوث إجماع في مجلس الأمن حتى لو لم تكن العقوبات موجعة، إلا أن صدور القرار يعني أن وضعاً جديداً طرأ على معالجة الملف النووي. كما أن بروز الخلاف السني?الشيعي على هذا النحو الخطير دقّ في طهران ناقوس القلق مما رجّح ضرورة المبادرة إلى اختراق ما تبرهن إيران من خلاله أن بإمكانها أن تقوم بمساع إيجابية. وفي الوقت نفسه استشعرت طهران في هبوط أسعار النفط أن هناك استهدافاً لها، باعتبار أن ما تكسبه من النفط تستثمره في تعزيز نفوذها في أكثر من مكان كما في تسيير برنامجها النووي.

 عندما وصل "علي لاريجاني" إلى الرياض في المرة الأولى كانت زيارته بادية الاستعجال، وكان الوضع اللبناني في أحد أخطر احتقاناته. وهكذا فهم أن طهران تعرض المساعدة في حل هذه الأزمة التي كانت السعودية تحاول تفكيك ألغامها عبر الاتصال بجميع الأطراف، باستثناء سوريا. وهنا كان من الطبيعي أن يتولى الجانب الإيراني الاتصال بسوريا لإشراكها في ما يرسم. وفي هذه الأثناء حصلت تطورات كان لا بد أن تنعكس شيئاً فشيئاً على المحادثات السعودية?الإيرانية. فمن جهة أعلن الرئيس الأمريكي عن خطة "الاندفاع" في العراق، موضحاً صراحة أن النفوذ الإيراني أحد أهدافها، فضلاً عن الدور السوري. ومن جهة أخرى تدهورت العلاقات بين الفصائل الفلسطينية إلى حد الشروع في حرب شوارع ومواقع، وسال الدم الفلسطيني في ما اعتبر بداية حرب أهلية ستكون طويلة.

 في ظل هذا الوضع المتفجر توسعت تلقائياً رقعة اهتمامات التواصل السعودي-الإيراني، ونشطت قناة التشاور لتشمل البؤر الساخنة الثلاث. وهكذا ظهرت الأولوية الملحّة لوقف النزيف في فلسطين، فعلى رغم أن "فتح"، و"حماس" كانتا توصلتا إلى تفاهمات كثيرة لمعالجة الأزمة إلا أن منطق الشارع والتدخلات الأمريكية والإسرائيلية حالا دون وقف التدهور. كما أن المواجهة التي تمثلت بالعدوان الإسرائيلي على لبنان صيف 2006 رسخت اقتناع الإيرانيين والسوريين بأن إدارة المواجهات من لبنان إلى فلسطين إلى العراق هي الخيار الأمثل في هذه المرحلة. لكن التحليل الإيراني والمقاربة المستجدة للمعالجات جعلا طهران تفترق جزئياً عن حليفها السوري، الذي راح يدرك شيئاً فشيئاً أن عليه التكيّف مع التحرك الإيراني لكن من دون أن يتنازل عما يراه مجالاً حيوياً سورياً بامتياز، كما هي الحال بالنسبة إلى لبنان.

 أين الولايات المتحدة في كل ذلك؟ لا شك أن السعودية ترغب في تنشيط دبلوماسيتها، إلا أنها غير مضطرة للمخاطرة بفتح قناة اتصال ومع إيران بالذات إذا كانت الولايات المتحدة غير محبذة لهذه الخطوة. لا شك أن التسهيل الأمريكي سيكون انتقائياً، بل حتى متشدداً، إلا أن واشنطن المتعطشة حالياً لأي مساهمة إيجابية أو مساعدة عملية أبدت حتى الآن مرونة غير مسبوقة وحتى "أريحية" غير معهودة. ذلك أنها بحاجة إلى الدور السعودي، طالما أن الدور المصري غير متوفر بل غير مجد في التعامل مع إيران تحديداً.

 منذ اللحظة الأولى لإعلان اتفاق مكة بين "فتح" و"حماس" كان واضحاً أنه لا يلبي "الشروط الدولية" ولا الإسرائيلية. ومع ذلك، قابلت واشنطن هذا الاتفاق بهدوء وروية، ولم تتذرع بالموقف الإسرائيلي الناقد للاتفاق لإلغاء القمة الثلاثية (الأمريكية-الفلسطينية -الإسرائيلية) التي يفترض أن تطلق خطة لإنهاض ما يسمى "عملية السلام" في اتجاه محدد يرمي، كما يقال، إلى إعلان "دولة فلسطينية" في حدود مؤقتة. ويراد من هذا الإعلان أن يدعم خطة "الاندفاع" التي تجري الاستعدادات لتنفيذها في بغداد.

 لم يكن اتفاق مكة ليبصر النور لو أن إيران وسوريا اختارتا الضغط على قيادة "حماس" لمقاطعة اللقاء وعدم تلبية الدعوة السعودية. لكن وجود مصلحة وطنية فلسطينية في الحد من الاقتتال الأهلي، وفي استشراف آفاق التحرك الأمريكي، حالا دون عرقلة اللقاء. ثم إن مجرد اتباع السلبية لمجرد إفشال المسعى السعودي لم يبد ذا معنى أو مغزى. وبالتالي فلا خسارة لأحد من حصول توافق فلسطيني-فلسطيني، خصوصاً أن اتفاق مكة ليس نهاية المطاف بل بداية لمرحلة فلسطينية جديدة، أي إن الأوراق لم تـُكشف أو تـُلعب كلها بعد.

 ساهمت الاتصالات السعودية-الإيرانية إلى حد ما في احتواء التصعيد في لبنان، لكن صيغ الحلول المقترحة لم تلق قبولاً من سوريا. إلا أن التهدئة النسبية ليست مرشحة لإنهاء الأزمة، وأقصى ما يمكن أن تطمح إليه هو الحؤول دون الاحتكاكات المذهبية وترك الأزمة تتفاعل على نار هادئة. والملاحظ أن دخول إيران على الخط السعودي انعكس بشيء من الواقعية وضبط النفس على لهجة "حزب الله"، ما يعني أنه في أسوأ الأحوال سيلعب لعبته بشيء من التمايز عن اللعبة السورية التي قد تنزلق في بعض المراحل إلى التخريب المبرمج.

 لا شك أن الملف الأكثر صعوبة في الاتصالات السعودية-الإيرانية يتعلق بالعراق. فالطرفان يختلفان جداً في الطريقة التي تعاطيا بها مع الوضع العراقي منذ الغزو والاحتلال الأمريكيين، كما أنهما يختلفان في الأهداف. إيران لا تعتبر نفسها معنية بمساعدة الأمريكيين إلا في إطار تفاهم ثنائي مباشر، ثم إن طهران راكمت خبرة في الاستفادة من الاحتلال وباتت تعرف نقاط ضعفه وتوظفها، وقد لا تجد صعوبة في التعامل مع خطة "الاندفاع" لامتصاص مفاعيلها. أما السعودية فتريد دفع التشاور إلى استشراف احتمالات مرحلة الانسحاب الأمريكي، أي احتمالات ضبط الوضع العراقي المنفلت؛ لأن أية تفاهمات أو توافقات إقليمية يمكن أن تساعد في تهدئة الصراع الدموي، لكن ينبغي البحث عنها وبلورتها. ولأجل ذلك لا بد لإيران من توضيح حدود المقامرة التي تخوضها بالعراق وفي العراق، وهي لن تتمكن من حسم هذا الأمر في إطار التواصل مع السعودية إلا أنها قد تعوّل على هذه الأخيرة لإيصال رسائل وإشارات إلى الجانب الأمريكي.

 سيتداخل الملفان النووي والعراقي بين السعوديين والإيرانيين، كما في المساومة الدولية مع إيران. إذ إن الدول الخليجية معنية إلى أقصى حد بالمخاطر المرتقبة من البرنامج النووي الإيراني، ولا يمكنها إلا أن تقف وراء الجهد الدولي المبذول ضد هذا البرنامج. ثم إن لعبة النفوذ، مضافة إلى النشاط النووي، أشعلت الهواجس الخليجية إلى حد أن جيران إيران يجدون أنفسهم في وضع متناقض، فلا تطمينات طهران تكفي، ولا الضغط الدولي يبدو مجدياً، لا احتمال اتفاق أمريكي-إيراني يبدو مريحاً، ولا احتمال اللجوء إلى القوة محدود الكوارث.

 هذا هو الواقع الذي تتحرك فيه الاتصالات السعودية?الإيرانية، وبديهي أنها لن تستطيع تقديم رزمة حلول لمجمل الملفات الساخنة التي تناقشها، إلا أن من شأن التواصل وربما التقارب أن يصنع فارقاً في المنطقة إذا أرادت الولايات المتحدة أن تأخذه في الاعتبار وأن تمكنه من أحداث اختراقات لتبني عليها. صحيح أن التفكير الأمريكي يتأرجح بين المصالح المفترضة في الحل السلمي وتلك التي يقترحها الحل العسكري، إلا أن الحل الخلاق لا بد أن يمر بمنظومة إقليمية واسعة يمكن أن تضمن مصالح الجميع وتنهي مسلسل الحروب في المنطقة.

Share