آفاق الأزمة السورية في ضوء التطورات داخلياً وإقليمياً

عبدالوهاب بدرخان: آفاق الأزمة السورية في ضوء التطورات داخلياً وإقليمياً

  • 17 مايو 2015

شهدت الأزمة السورية، بالتزامن مع عملية "عاصفة الحزم" في اليمن، تطوّرات ميدانية غير متوقعة لمصلحة معارضي النظام السوري، وربط المراقبون بين مساري الأزمتين مشيرين إلى وجود تنسيق إقليمي في سوريا موازٍ للتحالف العربي في اليمن، وكلاهما يواجه الدور الإيراني في هذين البلدين العربيين.

خلال شهر إبريل المنصرم فقدت قوات النظام السوري السيطرة على مناطق مهمة في الشمال كإدلب وجسر الشغور، وهذه تُعتبر استراتيجية نظراً إلى أن خسارتها تُضعف تماسك دفاعات النظام عن المنطقة الساحلية وكبرى مدنها، اللاذقية، التي حاول إبقاءها بعيدة عن الصراع المسلح. قبل ذلك، كانت قوات النظام قد حاولت تحسين موقعها في مدينة درعا ومحيطها، لكن الحملة التي أرسلت إلى المنطقة وتألفت خصوصاً من مقاتلين لـ "حزب الله" اللبناني وميليشيا أفغانية تعرضت لهزيمة، ما أدى إلى العكس، أي إلى تقدم قوات المعارضة. وفي هذه الأثناء زاد الغليان في الغوطتين الشرقية والغربية المحيطتين بدمشق وشكل ذلك ضغطاً كبيراً على العاصمة.

كان وراء هذا التغيير تنسيق سعودي مع تركيا وقطر شمالاً تمكّن من توحيد أكبر عدد من فصائل المعارضة تحت اسم "جيش الفتح"، ومع الأردن جنوباً تحت اسم "الجيش الحر". وتم ربط الاثنين بغرفتي عمليات تضم ممثلين عن الدول المعنية ولاسيما الولايات المتحدة التي أعطت ضوءاً أخضر لتوفير أسلحة نوعية بكميات محدودة لمجموعات بعينها توصف بـ "المعارضة المعتدلة". وترافق هذا التغيير مع وضوح فشل روسيا في مسعاها للبدء في حل سياسي للأزمة من خلال جمع عشرات من السوريين في ندوتين أقيمتا في موسكو، وكذلك مع إخفاق محاولة بذلها المبعوث الخاص للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا لـ "تجميد الصراع" بدءاً من حلب، بغية معالجة الوضع الإنساني.

مع تشكيل معادلة ميدانية جديدة رأت الولايات المتحدة وحلفاؤها أن ثمة ظروفاً تسمح بمعاودة البحث في تحريك "الحل السياسي"، معتبرة أن خسائر النظام قد تكون دفعته إلى "مراجعة حساباته" وربما أقنعته بالانخراط جدياً في حل كهذا يتطلّب تنازلات واضحة لتلبية مطالب المعارضة. فمن جهة أصبح محسوماً أن النظام لن يستطيع مواصلة العمل العسكري لاسترجاع ما يفقده بدليل أن الإيرانيين لم يتحركوا للحدّ من هزائمه لانشغالهم بالأزمة اليمنية أو بسبب اقتراب توقيع اتفاق نووي مع الدول الكبرى. ومن جهة أخرى كان نظام بشار الأسد قد نال فرصة أخيرة بعدما حقق انتصارات عسكرية طوال عام 2014 لكنه لم يحسن استثمار هذه الانتصارات لإنهاء الأزمة سياسياً، وإلى حدٍّ ما محاولة إنهائها داخلياً، وبمساعدة خارجية. ومادام قد فشل وأثبت أنه لا يمتلك قدرة كهذه فقد أصبح الحل المنشود مرتبطاً كلياً بالقوى الخارجية.
لقد كانت الأزمة السورية حاضرة في لقاء كامب ديفيد الذي جمع بين الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، وقادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مؤخراً، برغم أن دعوة أوباما إلى هذه القمة استهدفت إقناع هؤلاء القادة بجدوى وضرورة "الاتفاق النووي" المزمع مع إيران، وبرغم أن قادة دول الخليج لبّوا الدعوة للحصول على التزام أمريكي بأمن الخليج على خلفية الصراع المتفجّر في اليمن. أما لماذا كانت سوريا حاضرة فلأن الجانبين متفقان ضمنياً على أن ما يجري هو صراع بالوكالة بين دول الخليج وايران، ولأن الدور الإقليمي في سوريا كما في العراق واليمن يؤجج التوتر ويعرّض الأمن الإقليمي للخطر.

وفيما أشار البيان الختامي لقمة كامب ديفيد إلى توافق أمريكي- خليجي على مبادئ عامة ثلاثة لمعالجة النزاعات الأهلية في الشرق الأوسط، فإنه وضع أيضاً أسساً "متوافقاً" عليها لحل الأزمة السورية. ونصت المبادئ على: 1) احترام سيادة الدول، و2) لا حلّ عسكرياً لأي نزاع وإنما حلول بوسائل سياسية وسلمية، و3) حكومات ذات تمثيل شامل تحترم حقوق الأقليات وتحميها كما تحترم حقوق الإنسان. أما أسس الحل فتضمّنت: 1) بشار الأسد فقد كامل شرعيته ولا دور له في مستقبل سوريا، 2) تصميم على العمل لمرحلة ما بعد الأسد من خلال حكومة مستقلة وشاملة تحترم حقوق الأقليات، 3) زيادة الدعم للمعارضة المعتدلة، 4) تصعيد الجهود في محاربة المجموعات المتطرّفة بقطع التمويل الخاص عن تنظيمات مثل "داعش" و"جبهة النصرة" ووضع حدٍّ لتدفق الإرهابيين الأجانب للقتال في صفوفها، 5) حضّ الأسرة الدولية على المساهمة في الإعمار في مرحلة ما بعد الأسد، 6) دعم دول الجوار في تحمّلها لعبء النازحين من سوريا.

عشية هذه القمة كان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قد وصل إلى منتجع سوتشي في روسيا للتحادث مع الرئيس فلاديمير بوتين. لم تكن هناك مقدّمات إعلامية أو سياسية معلنة لهذه الزيارة، خصوصاً أن الدولتين الكبريين في شبه قطيعة منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية وإقدام روسيا على ضم شبه جزيرة القرم إلى أراضيها في مارس 2014. ويبدو أن واشنطن أرادت هذا الاتصال تحديداً لأن ثمة ملفات دولية وإقليمية يتطلب حلّها توافق الدولتين، ومنها على الأخص سوريا. ولعل الأمريكيين لمسوا أنهم لا يستطيعون صنع حل في سوريا من دون التفاهم مع روسيا، وأن الأخيرة ليست مقتنعة بإمكان إيجاد تسوية تضمن مصالحها في سوريا بالاستناد فقط إلى تنسيق مع ايران. يُضاف إلى ذلك أن واشنطن أرادت استباق أي تفاوض مع ايران بشأن سوريا – بعد توقيع الاتفاق النووي – من دون أن تكون متفاهمة مسبقاً مع روسيا من جهة ودول الخليج وتركيا من جهة أخرى. وبعد أسبوع على زيارة كيري كان المبعوث الأمريكي الخاص بسوريا دانيال روبنشتاين يجري محادثات وُصفت بأنها "منفتحة وواقعية" مع دبلوماسيين روس في موسكو، ما يعني أن الجانبين يمهّدان لاستئناف إشرافهما على جهود حل الأزمة سياسياً.

بموازاة هذه التطورات كان المبعوث الأممي دي ميستورا يتابع اجتماعاته المبرمجة في جنيف مع مختلف الأطراف السورية، ويُعتقد بأن تقريره المتوقع في نهاية يونيو المقبل قد يُتخذ منطلقاً لطرح صيغة جديدة أُطلق عليها مسبقاً اسم "جنيف 3"، بما يعني أنها قد تتضمّن اقتراحات لتعديل صيغتي "جنيف 1 و2"، وذلك بهدف كسر الجمود ووضع آليات عمل تساعد في تجاوز عقدتيّ "تنحّي الأسد" و"المرحلة انتقالية" اللتين رفض النظام أي بحث فيهما. لكن الواقع الميداني – السياسي بدأ يفرض نفسه، بدليل أن كل الاتصالات الحالية تُجرى على أساس أن مرحلة "ما بعد الأسد" اقتربت  ولا بد من تسريع الاستعدادات لها.

إذاً، أصبح الوضع السوري كلياً رهن الإرادات الخارجية. والجديد غير المعترف به من جانب روسيا وايران أن تمسكهما بالأسد لم يعد مجدياً، وأن تمسّكهما بـ "النظام" بات يفرض عليهما استبدال الشخص كوسيلة وحيدة لضمان مصالحهما ودوريهما وكذلك رأييهما في ترتيبات المرحلة الانتقالية. الجديد الآخر أن الدول الإقليمية المعنية بسوريا باتت تقبل ولو على مضض بالمحددات التي وضعتها الولايات المتحدة لمعالجة الأزمة، وأهمها عدم إسقاط الأسد عسكرياً وإمكان المحافظة على بعض هياكل النظام في المرحلة الأولى، فضلاً عن المحافظة على الدولة والمؤسسات وحماية الأقليات وضرورة التزام المعارضة السورية انضباطاً كاملاً في حال ترتيب سقوط سياسي للأسد.

يتداول العديد من المراجع والمراقبين مواعيد تفيد بأن الشهور المقبلة ستشهد تغييراً في معطيات الأزمة السورية وإنْ لم تشهد حلاً ينهي القتال ويعيد الاستقرار. فالتفاوض بين القوى الخارجية سيستغرق وقتاً قبل التوصل إلى تفاهمات يتبنّاها الثنائي الأمريكي – الروسي لتشكل أساس الحل أو نواته. وثمة إجماع على وجود صعوبات شديدة تتعلّق بسيناريوهات البدايتين السياسية التي تفترض عدم إقدام أي طرف على التخريب، والأمنية التي قد تتطلّب انتداب قوات دولية لحفظ السلام منعاً للانتقامات والمجازر وأي تداعيات أخرى متوقعة. ولا أحد يعتقد بأن إعادة اللحمة إلى الجيش أو إلى فئات الشعب ستكون سهلة، لكن تضامن القوى الدولية في الإصرار على بقاء الدولة والمؤسسات والاستناد إليها يمكن أن يكون حاسماً في إبعاد شبح التقسيم الذي يفرض نفسه من خلال خريطة القتال الحالية إلا أن ترجمته إلى وضع دائم ومستقر لا يبدو ممكناً. واذا كان النظام استطاع، بمساعدة إيران، السيطرة على ما يسمّى "سوريا المفيدة"، مستحوذاً على مناطق ذات الموارد، فإن هذا لا يسهّل أي مشروع عملي للتقسيم إذا كانت خرائطه ترمي إلى إنشاء "دويلات" حائزة على موارد كافية للعيش والاستقرار.

يبقى أن السبيل الوحيد لإبقاء سوريا موحّدة أن تدار بحكومة مركزية تتمثّل فيها جميع الفئات وتحظى بدعم دولي لا تحاول فيه أي دولة اختراق النظام الجديد على غرار ما حصل في العراق.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات