آفاق أزمة منطقة اليورو عام 2012

  • 9 يناير 2012

لم يجلب العام الجديد كثيراً من التفاؤل أو الأمل إلى أوروبا فيما يتعلق بتجاوز أزمتها الاقتصادية. وحتى التهاني الرسمية من الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية جاءت ممتزجة بتحذيرات من أن أزمة منطقة اليورو يمكن أن تصبح أشد وطأة في العام 2012؛ فقد وصفتها المستشارة أنجيلا ميركل بأنها "الاختبار الأقسى لأوروبا منذ عقود". وعلى الرغم من مرور ثلاثة أعوام على الأقل منذ بداية الأزمة، فما تزال الحكومات، وكذلك الاقتصاديون، غير متأكدين من سبل معالجة الوضع الآخذ في التدهور.

وعلى الرغم من أن خبراء الاقتصاد يتفقون إلى حدٍ كبير على أن تفكك منطقة اليورو هو سيناريو مستبعد جداً وغير مرغوب فيه، فإن ثمة اتفاقاً واسعاً على أن هذا التكتل الاقتصادي قد يدخل في مرحلة من الركود خلال العام 2012. ولعل الدليل الأكثر وضوحاً في هذا الصدد هو مؤشر مديري المشتريات (PMI) الذي صدر مؤخراً، والذي يبيّن أن الناتج الصناعي انخفض في جميع أنحاء منطقة اليورو للشهر الخامس على التوالي في ديسمبر 2011. وقد شهدت إيطاليا واليونان وإسبانيا أكبر انخفاض في الإنتاج نهاية العام المنصرم؛ حيث انخفض حجم الناتج والأعمال الجديدة في كافة مجالات الاقتصاد. وعلى نحو مماثل، يمكن ملاحظة الاختلاف بين أداء ما يسمى بـ دول "المركز" الأوروبي ودول "المحيط". ففي حين انخفض معدل البطالة في ألمانيا إلى مستوى لم يشهده منذ عام 1991، ارتفع إلى مستويات قياسية في إسبانيا حيث بلغ نحو 23%. وينطبق الوضع ذاته على فوائض الحساب الجاري في دول شمالي أوروبا، والذي يتناقض بشكل صارخ مع العجز في الحسابات الجارية في بعض الدول الجنوبية المضطربة اقتصادياً.

وفي الحقيقة، فإن احتمال حدوث ركود هو أمر مزعج للغاية؛ ذلك أن اقتصادات منطقة اليورو المثقلة بالديون ستواجه عندئذ انخفاضاً في عائدات الضرائب، وزيادة إضافية في عجز الميزانية. وهذا يمكن أن يؤدي بدوره إلى ارتفاع عبء الديون؛ ما قد يقود إلى حلقة مفرغة من الركود والتقشف. إضافة إلى ذلك، هناك مخاوف من ارتفاع معدل البطالة وخفض الإنفاق في اقتصادات منطقة اليورو في القطاعين العام والخاص. ومن المحتمل أن يفضي ذلك إلى ظهور اضطرابات اجتماعية وسياسية.

أما المشكلة الأخرى التي تواجهها الدول والبنوك الأوروبية خلال عام 2012، فتتصل بأن احتياجات إعادة التمويل ضخمة، في حين أن رأس المال المتوافر قليل جداً. وعلى الرغم من أن البنك المركزي الأوروبي (ECB) وفّر قروضاً مدتها ثلاث سنوات للبنوك التجارية في أوروبا بأسعار فائدة منخفضة للغاية في ديسمبر الماضي، فإن الاقتصاديين يشعرون بأن هذه المصارف ستبقى تواجه صعوبة في إعادة تمويل ديونها؛ لأنها تتنافس الآن مع حكومات منطقة اليورو لاستقطاب المستثمرين.

وعلاوة على ذلك، فإن منطقة اليورو عليها أن تتعامل مع العديد من المشكلات الفورية هذا العام. ففي شهر يناير الحالي (2012)، ستقيم إيطاليا وإسبانيا مزادات ضخمة على السندات من أجل الوفاء بالتزاماتها من الديون. وإذا لم تتم هذه المزادات على ما يرام، فسوف تتصاعد المخاوف من العجز عن سداد الديون السيادية وتعثر البنوك. وحتى إذا جرت هذه المزادات بسلاسة، فمن المرجح أن يفرض الاتحاد الأوروبي ضغوطاً على الحكومات المتعثرة لاتخاذ تدابير تقشف صارمة؛ من أجل خفض العجز في ميزانياتها والمساهمة في إنقاذ النظام المصرفي والبنك المركزي الأوروبي.

وثمة قلق لدى الخبراء من ألا يكون مبلغ 500 مليار يورو، المخصص بموجب آلية الاستقرار الأوروبية الدائمة وصندوق النقد الدولي، كافياً لدعم احتياجات تمويل إيطاليا إذا فشلت إيطاليا بالاقتراض بمعدلات معقولة لخدمة ديونها. وقد أصبح الوضع عصيباً بدرجة أكبر؛ لأن الحل المقترح باستخدام "سندات اليورو" المضمونة بشكل مشترك لم يبصر النور بسبب معارضة ألمانيا. وبالتالي، فإن العدوى في منطقة اليورو قد تفاقمت وانتشرت من المحيط الخارجي للاتحاد الأوروبي نحو المركز، ما أوصل دولة مثل فرنسا إلى حافة فقدان تصنيفها الائتماني الممتاز (AAA).

وفي أعقاب هذه الأوضاع الخطيرة، كانت هناك ضغوط على البنك المركزي الأوروبي بأن يكون أكثر تساهلاً في قوانينه، بل والتصرف بصفة "ملاذ الإقراض الأخير" للحكومات، أسوة بنظام الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة. وفي هذا الصدد، بدأ البنك المركزي الأوروبي بشراء السندات السيادية، وقدم الائتمان الرخيص للبنوك. وتشير التكهنات إلى أن البنك المركزي الأوروبي قد يخفض أسعار الفائدة في المستقبل القريب لتوفير السيولة للنظام المالي. ومع ذلك، فإن البنك المركزي الأوروبي يبقى ملزماً بالقواعد واللوائح، إذ إن عليه أن يركز فقط على التضخم وتجنب تسييل الدين الحكومي. و لذلك، فإنه من غير المحتمل أن يغير من أسلوب عمله بشكل جذري وحاسم مثل المصارف المركزية الأخرى في أنحاء العالم.

وفي ضوء هذا التقييد على البنك المركزي الأوروبي، لجأ زعماء الاتحاد الأوروبي إلى الرهان الأخير، عندما وافقوا (باستثناء بريطانيا) على العمل على معاهدة جديدة تهدف إلى خلق اتحاد مالي جديد. ويرى مؤيدو هذه الخطوة أنه ما لم تتوصل أوروبا إلى اتحاد مالي، فإنه سيكون من الصعب احتواء عدوى أزمة منطقة اليورو من الانتشار، كما سيكون من الصعب فرض ضوابط على ميزانيات الدول الأعضاء المتعثرة. ويجزم هؤلاء أن البديل الوحيد للاتحاد المالي هو انفراط عقد اليورو. ومع ذلك، فإن هذا الحل المقترح لا يخلو من المشكلات. إذ يقول النقاد إنه على الرغم من اتفاق الحكومات في منطقة اليورو، فإنه سيكون من الصعب إقناع جمهور الناخبين بالتخلي عن سيادتهم المالية، وقبول سلطة البرلمان الأوروبي القضائية على شؤونهم الاقتصادية.

واقع الأمر، ثمّة عدد من السيناريوهات المحتملة التي يمكن أن تؤثر في مسار أزمة منطقة اليورو خلال هذا العام. ويتضمن السيناريو الأول إجبار اليونان على مغادرة منطقة اليورو، ما سيشكل سابقة للدول الأعضاء الأخرى. أما السيناريو الثاني، فيشير إلى انفجار فقاعة العقارات الصينية التي يمكن أن ترسل موجات صدمة تبدأ بالاقتصاد الصيني، وتنتقل منه إلى بقية العالم. والسيناريو الثالث يتعلق باحتمال وقوع أحداث جيوسياسية خطيرة؛ بما قد يترتب على ذلك من آثار وتداعيات. وفي هذا الصدد، يشير الاقتصاديون إلى زلزال اليابان الذي وقع العام الماضي كمثال على حدث غير متوقع، أو ما يسميه الخبير الاقتصادي نسيم طالب باسم "البجعة السوداء"، يمكن أن يقلب العديد من التوقعات الاقتصادية للمستقبل.

وأخيراً، فإن رأي الأغلبية الحالية بين الاقتصاديين في جميع أنحاء العالم هو أن الوضع في أوروبا قد يزداد سوءاً قبل أن يأخذ في التحسن. وتتوقع كبرى البنوك الأمريكية والأوروبية، مثل مورغان ستانلي وغولدمان ساكس ودويتشه بنك، حدوث ركود حاد لمدة قصيرة في ألمانيا وفرنسا وركود اقتصادي عميق في دول المحيط الأوروبية. ومع ذلك، فإن هذه البنوك لا تتوقع انهياراً وشيكاً للاتحاد النقدي الأوروبي، ولكنها تشعر أن الأزمة سوف تطول؛ لأن تدابير التخفيف التي يتبعها البنك المركزي الأوروبي من شأنها أن تمنع حدوث أزمة كبرى.

Share