آثار تدهور أسعار النفط في الطاقة الإنتاجية البترولية في أمريكا الشمالية

وليد خدوري: آثار تدهور أسعار النفط في الطاقة الإنتاجية البترولية في أمريكا الشمالية

  • 10 مارس 2015

أصبح من الواضح الآن، أن السبب الرئيسي للحرب السعرية منذ النصف الثاني من عام 2014 حتى الآن، هو المنافسة على الحصص في الأسواق ما بين المنتجين التقليديين الكبار والمنتجين للنفط والغاز الصخري (البترول غير التقليدي)، في أمريكا الشمالية. ويكمن الهدف الرئيسي من هذه المنافسة، في محاولة وضع سقف إنتاجي للنفط غير التقليدي، من خلال تقليص الاستثمارات في الصناعة، بالإضافة إلى تنشيط الطلب العالمي على النفط الخام من خلال تخفيض معدلات الأسعار.

ومن الطبيعي، أن الصناعة النفطية العالمية بحجمها الضخم، وبفعل الكثير من العوامل مجتمعة؛ مثل: أحجام الاحتياطيات، والطاقة الإنتاجية المتوافرة، وتوافر الاستثمارات، وكمية كلٍّ من المخزون التجاري والاستراتيجي في الدول الصناعية المستهلكة، ونمو معدلات الاستهلاك، وصحة الاقتصاد العالمي، والعوامل الجيوسياسية، تلعب أدواراً مهمة في تطوير الصناعة أو الحدّ من توسعها.

والسؤال هو: ما تأثير تدهور الأسعار الأخير في سرعة صناعة البترول الصخري وحجم نموها في أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا)، خاصة؟ وما التأثير في المدى المتوسط، حتى عام 2035، مثلاً؟

لقد بادرت شركة بريتش بتروليوم (بي بي)، بتحديث تقريرها عن صناعة النفط والغاز في أمريكا الشمالية حتى عام 2035، آخذة في الاعتبار، التدهور الحاصل في الأسعار ومدى تأثيره في صناعة البترول غير التقليدي. وقد استنتجت الدراسة أنه برغم انخفاض الأسعار، ومن ثم تقلص حجم الاستثمارات، وانخفاض عدد الحفارات العاملة في أمريكا الشمالية في الوقت الراهن، فإن التوقعات تدل على زيادة الإنتاج بنحو 14% بحلول عام 2035، عن التقديرات في عام 2014، قبل بدء مسلسل تدهور الأسعار.

ويتوقع التقرير المذكور، الذي صدر في لندن في 17 فبراير الماضي، أن يزداد إنتاج النفط الصخري ليصل إلى نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً خلال الفترة 2013-2035؛ بسبب الحجم الضخم من الاستثمارات التي تدفقت إلى هذا المجال خلال السنوات القليلة الماضية، بالإضافة إلى "التقدم التقني السريع".

لكن التقرير توقع، في الوقت نفسه، أن ينخفض، أو ألا يزداد معدل إنتاج النفط المحصور، (ومنه النفط الصخري)، خلال السنوات القليلة المقبلة. أما بالنسبة إلى إنتاج الغاز الصخري، فالتوقعات تشير إلى استمرار زيادة إنتاج الغاز غير التقليدي حتى عام 2035، بمعدل نمو سنوي يبلغ نحو 4.5% سنوياً.

كما يتوقع التقرير أيضاً، أن يؤدي إنتاج النفط الصخري في أمريكا الشمالية، خلال الفترة 2013-2035، إلى استنزاف نحو 50% من الاحتياطي النفطي الصخري الممكن إنتاجه بالتقنية المتوافرة حالياً، ونحو 30% من احتياطي الغاز الصخري.

لكن التقرير يضيف أن الاحتياطيات الصخرية موجودة بوفرة في أنحاء مختلفة من العالم، وتقدر الاحتياطيات النفطية الصخرية عالمياً بنحو 340 مليار برميل، والاحتياطيات الغازية الصخرية عالمياً بنحو 7500 تريليون قدم مكعبة. ويتوافر معظم الاحتياطيات في القارة الآسيوية (في الصين تحديداً). بيد أن التقرير يحذر قائلاً: "من الصعب تكرار تجربة النجاح الباهر، لنمو إنتاج البترول الصخري، خارج أمريكا الشمالية؛ نظراً إلى عدم توافر العوامل المساعدة نفسها في القارات الأخرى". ويعني التقرير بالعوامل المساعدة: توافر التسهيلات الائتمانية، ووفرة الأيدي العاملة الماهرة، والوجود الواسع للبنى التحتية من سكك حديدية لنقل البترول، وطاقة كهربائية، وقرب أسواق الاستهلاك الضخمة لمناطق الإنتاج في كل من الولايات المتحدة وكندا. وهذا يعني أنه برغم توافر احتياطيات ضخمة في أنحاء مختلفة من العالم، فإنه لا يتوقع سرعة نمو صناعة البترول غير التقليدي، بالسرعة نفسها التي حدثت في أمريكا الشمالية (فترة ثلاث أو أربع سنوات)، وبزيادة أكثر من مليون برميل سنوياً.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، مفاده: ما الاستنتاجات التي يمكن للمراقب أن يتوصل إليها، بناء على ما استعرضه هذا التقرير من معلومات، وفي ضوء تطورات الأسواق خلال الأشهر الماضية؟ الإجابة عن هذا السؤال الجوهري، يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

أولاً: إن المواجهة الأولى المهمة ما بين دول النفط التقليدي الضخمة وأقطار النفط غير التقليدي، قد صبّت في مصلحة الطرف الأول. والسبب في ذلك هو انخفاض كلفة إنتاج النفط التقليدي، بما يتراوح بين 5 و15 دولاراً للبرميل، مقابل كلفة إنتاج تتراوح ما بين 20 و90 دولاراً للنفط غير التقليدي.

ثانياً: تعتبر أهم الاستنتاجات التي تم التوصل إليها خلال الأشهر القليلة الماضية، في أثناء فترة تدهور الأسعار، سرعة تقلص حجم الاستثمارات المتوافرة للبترول الصخري، وسرعة زيادة استهلاك النفط ثانية (بسبب انخفاض الأسعار)، ومعنى هذا، أن من الأسباب الرئيسية للاستثمار، الأرباح العالية التي يمكن تحصيلها من صناعة النفط الصخري؛ ما دام سعر النفط عالياً جداً؛ أي (ما بين 100 و115 دولاراً للبرميل). وكذلك فإن أحد تحديات صناعة النفط العالمية، (بنوعيه التقليدي وغير التقليدي)، هو ارتفاع الأسعار. فقد انحسر الطلب على النفط؛ جراء هذه الأسعار العالية، ما وفّر تخمة في السوق، رافقت الزيادة الكبيرة في الإمدادات؛ ومن ثم، فإن أحد الاستنتاجات التي لا بد من أن دول النفط التقليدي قد توصلت إليها، بعد هذه التجربة، هو أهمية استقرار سعر النفط الخام على معدلات معقولة، تساعد في المحافظة على معدلات نمو الاستهلاك.

ثالثاً: لا بد من أخذ العبر اللازمة من تجربة تدهور الأسعار الأخيرة، ولاسيما بالنسبة إلى موازنات الدول النفطية، وعدم رسم الموازنات السنوية على أساس السعر الأعلى المتوقع حصوله، وتبني موازنات إنفاقية، على أساس أسعار متوسطة المعدل.

رابعاً: إن صناعة البترول الصخري مستمرة حتى إشعار آخر، ولكن ليس باستقرارية النفط التقليدي نفسها. وهذا الأمر ذاته يُعدّ أمراً إيجابياً لصناعة النفط العالمية؛ لأنه سيطيل زمن عصر النفط. ولكنه في الوقت نفسه سينتج عاملاً منافساً لصناعة النفط التقليدي. ونتوقع أن تزداد هذه المنافسة شدة، مع بدء تصدير النفط والغاز الصخري إلى الأسواق العالمية. فالإنتاج البترولي الصخري الحالي، أصبح يغطي حاجات السوق الأمريكية، الأكثر استهلاكاً واستيراداً في العالم. أما مع بدء التصدير من أمريكا الشمالية إلى الأسواق العالمية، فنجد أن هذا سيعني المنافسة على الأسواق الدولية، ما يعني مواجهة أخرى حول حصص السوق؛ الأمر الذي سيعني بدوره منافسة جديدة، ولربما حرب أسعار ثانية مع بداية العقد المقبل؛ حيث يتوقع أن تبدي السلطات الأمريكية الموافقة على تصدير النفط الخام، وحيث يتوقع أن يتم تشريع القوانين لتصدير الغاز المسال، والانتهاء من تشييد منشآت تسييل الغاز وإنشاء موانئ مجهزة لتصديره.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات