آثار الاتفاق النووي على صادرات النفط الإيرانية

د. وليد خدوري: آثار الاتفاق النووي على صادرات النفط الإيرانية

  • 5 أغسطس 2015

حصلت إيران على مكاسب اقتصادية عدة نتيجة توقيع الاتفاق النووي في يوليو الماضي مع الدول الخمس الكبرى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وألمانيا. ومن ضمن هذه المكاسب، رفع الحصار الأممي (الأمم المتحدة) والأوروبي والأمريكي عن صناعتها النفطية، بالذات الصادرات منها، بالإضافة إلى الإفراج عن عشرات المليارات من الدولارات المجمدة في المصارف الغربية.

يُتوقع بعد انتهاء تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية في منتصف شهر ديسمبر 2015، وبعد مراجعة التقرير من قبل الدول الكبرى وموافقتها عليه، في حال تبيانه التزام إيران تنفيذ تعهداتها، أن تبدأ ايران تصدير نفطها. وهذا يعني أن العقوبات على صادرات النفط الإيراني ستستمر حتى النصف الأول من عام 2016 في حال عدم بروز اعتراضات أو عقبات تشكك في الالتزام بالتعهدات الإيرانية.

يتزامن انتهاء العقوبات مع الارتفاع الحالي للإمدادات النفطية العالمية، هذه الزيادة التي أدت إلى تدهور الأسعار مرتين خلال عامي 2014 و2015، حيث يتراوح معدل سعر نفط برنت خلال منتصف شهر أغسطس 2015 ما بين 47 و50 دولاراً للبرميل.

وستتكون صادرات النفط الإيرانية في بادئ الأمر من المخزون في الناقلات البحرية الإيرانية، البالغ مجموعه نحو 30 مليون برميل، والمتكون أكثر من نصفه من المكثفات، والبقية من النفط المتوسط النوعية. وتشكل هذه الصادرات الأولية زيادة نحو 100 ألف برميل يومياً في مجمل معدل الصادرات الإيرانية. وستجد إيران بعض الصعوبة في تسويق هذه النفوط، بالذات المكثفات. والسبب هو وفرة المكثفات في الأسواق الآسيوية خلال هذه الفترة، وهي الأسواق الرئيسية للنفوط الإيرانية. لكن من الممكن تلافي هذه الصعوبة في حال منح إيران الحسومات وتسهيل وسائل وفترات الدفع. ومن ثم، بالإمكان أن يبدأ تصدير النفط المخزون في أوائل شهر يناير 2016، أو أن يتأخر إلى ربيع عام 2016. وسيعتمد توقيت تصدير المخزون على تسهيلات الدفع والحسومات، وأيضاً، بناء على سرعة وشمولية رفع العقوبات. والتجارب هنا متفاوتة إذ قد تأخذ وقتاً أطول مما كان متصوراً في البداية، فقد تأخذ الإجراءات التشريعية لرفع العقوبات وقتاً طويلاً؛ نظراً إلى جدول أعمال المؤسسات البرلمانية، أو نظراً إلى وجود وجهات نظر متباينة حول الأمر، كما هو واضح في الخلاف ما بين الكونجرس والرئيس الأمريكي.

وتشير مؤسسات بحوث الطاقة أن لدى ايران إمكانية زيادة طاقتها الإنتاجية نحو 600 ألف برميل يومياً بحلول نهاية عام 2016. وسيعتمد الوصول إلى هذا الهدف على مدى إمكانية إيران الاستفادة بسرعة من قوانين الحصار التي سيتم إلغاؤها، ومدى سرعة تجاوب الشركات النفطية الإيرانية في زيادة إنتاجها والنجاح في تسويق الإمدادات الإضافية. وتدل تجارب رفع الحصار السابقة، أن الوقت الأمثل، في حال عدم بروز عراقيل سياسية داخلية أو خارجية، هو النصف الثاني من عام 2016؛ نظراً إلى العراقيل التي تبرز عادة في هذه الأحوال، التي من الصعب تفاديها.

ومن المتوقع أن تبدأ الأسعار بالانخفاض حال إعلان إعطاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية الضوء الأخضر بأن إيران قد التزمت بتعهداتها. والسبب هو زيادة معدلات ومستوى المضاربات في الأسواق العالمية التي تنتهز فرص التكهنات وعدم اليقين، لجني الأرباح السريعة. وفي هذه الحال، من المتوقع أن ينطلق عنان المضاربات المتوقعة جراء زيادة الإنتاج بسرعة وعلى أعلى مستوياته، في حال صدور تقرير "الوكالة". هذا بالذات في حال عدم موافقة بقية الدول المنتجة الكبرى في منظمة "أوبك" على تخفيض الإنتاج لاستيعاب إمدادات النفوط الإيرانية الجديدة.

إلا أن استمرار انخفاض معدلات أسعار النفط العالمية خلال سنتين متتاليتين، سيؤدي بدوره إلى انخفاض معدلات الإنتاج من الأقطار غير الأعضاء في منظمة "أوبك"؛ نظراً إلى ارتفاع كلفة إنتاج النفوط غير التقليدية (النفط الصخري والنفط المحصور ونفوط أعماق البحار) التي تتراوح كلفة إنتاجها ما بين 40 و70 دولاراً للبرميل. في الوقت نفسه، من المتوقع زيادة معدلات الاستهلاك؛ نظراً إلى انخفاض معدل الأسعار لفترة طويلة نسبياً.

إن الانعكاسات المهمة لهذه التطورات، بالذات زيادة معدلات الإنتاج وانخفاض الأسعار، ستتبين أكثر وبصورة أوضح، بعد عام 2016. إذ إن الشركات النفطية ستخفض من استثماراتها في تطوير حقول جديدة (وقد بدأت القيام بذلك فعلاً منذ الآن)، ما يعني انخفاضاً أكثر في معدلات الإنتاج من الأقطار غير الأعضاء في منظمة "أوبك" عما هو حاصل حالياً.

وستحاول إيران بحلول عام 2020، بحسب تصريحات المسؤولين النفطيين، تطوير 50 مشروعاً للنفط والغاز، بقيمة 185 مليار دولار. وبرغم أن إيران لديها ثاني أكبر احتياطي غازي في العالم، وتصنف في قائمة الدول الخمس الأكبر للاحتياطي النفطي العالمي، فإنها كغيرها من الدول ستواجه عقبات وتأخيراً في تنفيذ برنامجها الطموح هذا. فهناك المفاوضات الصعبة والطويلة مع الشركات النفطية وشركات الخدمة، كما أن هناك ردود الفعل السلبية المتوقعة من شركات الحرس الثوري التي تطور حالياً الحقول الإيرانية، والتي ستخسر عقودها ومصالحها مع ولوج الشركات العالمية مرة أخرى مجال الصناعة النفطية الإيرانية.

أخيراً، ينص الاتفاق النووي على الإفراج عن الأرصدة المالية الإيرانية المحتجَزَة في المصارف العالمية، البالغ مقدارها نحو 150 مليار دولار. ويتوقع حاكم المصرف المركزي الإيراني أن تحصل إيران على هذه الأموال بعد فترة ستة أشهر من تنفيذ الاتفاق؛ أي منتصف عام 2016. ويشكل حصول إيران على هذه الأموال دفعة واحدة احتمال حدوث حالة من التضخم الاقتصادي، بالذات مع تزامن عودة هذه الأموال مع زيادة مستوى الصادرات النفطية. وهناك تخوف أيضاً من أن عودة هذه الأموال، مع الممارسات الاقتصادية والسياسية الحالية، ستزيد من ممارسات الفساد المنتشرة في البلاد.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات