الوطن في الإسلام.. بين الشريعة ومزاعم المتطرفين

الوطن في الإسلام.. بين الشريعة ومزاعم المتطرفين

  • 23 يونيو 2015

الأمسية الرمضانية الأولى:
الوطن في الإسلام ..  بين الشريعة ومزاعم المتطرفين

أ. د. حسن محمد عبدالله المرزوقي

من الناحية العقدية الإيمانية، فإن الإسلام هو دين الله الواحد الذي أوحاه إلى رسله وأنبيائه، وليس الإسلام بمعناه الاصطلاحي الذي يفهم بصورته الحالية أو أنه ليس مقتصراً على ما جاء به النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، من العقائد والأحكام والشرائع.

أما الوطن فهو المنزل الذي يمثل موطن الإنسان ومحله، كما أشار إليه صاحب «لسان العرب»، وقد يعبّر عن الوطن بلفظ أو مصطلح «الدار والبلاد» وعليه جعل الله لهذه الدار أو البلد أو الوطن مكانة خاصة دلّت عليها النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. وإذا نظرنا ودققنا النظر في المعاجم اللغوية العربية نرى أن اللغويين لا يتوقفون عند التعريف اللغوي بل يشيرون إلى فطرة الوطنية، كما في قول الزمخشري: «وكل يحب وطنه وأوطانه ومواطنه». إن الإنسان له تعلُّق بالوطن، سواء أكانت علاقته به عرقية أم جغرافية، والإسلام كونه منهجاً شاملاً لمملكة السماء وعالم الغيب والعمران البشري وسياسة وتدبير عالم الشهادة، فإنه يؤكد ضرورة الوطن لإقامة دنيا الإسلام وعمرانه ولضرورة أن يكون الانتماء الوطني -أو الوطنية- درجة من درجات سلم انتماء المسلم إلى الإسلام، ولا يزال حب الوطن والحنين إليه دأب الشرفاء وديدن المخلصين.

وهذه النظرات والرؤى لأمر الوطن تتفق مع الفهم السليم لديننا الإسلامي الحنيف، وهي بالتالي بعيدة عن فهم أولئك المتطرفين الذين يتجاوزون الأوطان ولا يعترفون بها، والذين أساؤوا إلى الدين الحق أكثر مما ظنوا أنهم قد أحسنوا الفهم، ولكن جاؤوا بفهم مشوّه لمبادئ الإسلام وقيمه، وبذلك فقد أضاعوا كثيراً من الخير وزرعوا الفتنة والأهواء وضلوا السبيل.

أ. د. نصر محمد عارف

من أهم الإشكاليات التي واجهها المفكرون المسلمون في مرحلة ما بعد الاستعمار إشكالية الحكم والسياسة والتنظيمات المنبثقة عنهما، فقد وجد المسلمون أنفسهم في عالم جديد، غير معهود بصورته الحالية مع ما في خيالهم الرومانسي عن التراث والتاريخ الإسلاميَّيْن، ولذلك افترضوا المخالفة المطلقة بين الإسلام وتاريخه وشريعته، وبين الواقع الذي لم يشاركوا في صنعه، وإنما ورثوه عن المستعمر الغربي، وقادهم ذلك إلى أنماط مرتبكة من التفكير تبدأ من نظرية المؤامرة الغربية على الإسلام والمسلمين في كتابات أنور الجندي ومحمد عمارة، وتنتهي بتكفير الواقع وكل من يقع فيه مع سيد قطب ومن تبعه من الإخوان المسلمين وجماعات الجهاد الوظيفي.

في ظل هذه الحالة الفكرية المرتبكة كان أكثر المفاهيم اضطراباً في عقولهم، وإرباكاً للمجتمعات المسلمة هو مفهوم الوطن بمعناه المعاصر الذي يشتمل على حدود واضحة وجنسية وولاء وقسم وقانون وسيادة،… إلخ، فهم لم يعرفوا إلا ذلك المفهوم المعنوي الذي لم يشهد تجسيداً قانونياً وسياسياً وهو مفهوم الأمة، ولم يتعمقوا في قراءة الفقه أو التاريخ السياسي والقانوني للمجتمعات المسلمة؛ ليدركوا أن مفهوم الأمة لم يكن في يوم من الأيام إطاراً قانونياً لحركة الفرد والجماعة، وإنما كان، ولا يزال، رابطة معنوية تجمع مشاعر المسلمين وعواطفهم.

لقد وضع الفقهاء والمفكرون المسلمون أطُراً واضحة لمفهوم الوطن بمعناه القانوني، وقد كان هذا مبكراً جداً في نهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني مع الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، الذي أرسى مبدأ إقليمية القانون، وارتباطه بمفهوم الوطن، وتوالت بعد ذلك ممارسات في الأمة الإسلامية ترسّخ مفهوم الوطن وتعتمده إطاراً قانونياً وسياسياً ينظّم حياة الفرد والمجتمع.

فيديو المحاضرة

Share

المحاضرون

يَوم الثلاثاء 23 يونيو 2015

-

يَوم الثلاثاء 23 يونيو 2015

-