تركيا: تحولات المجتمع ومتغيرات السياسة

تركيا: تحولات المجتمع ومتغيرات السياسة

  • 25 أغسطس 2014

ظلت تركيا، ولعقود طويلة، تمر بتحولات اجتماعية غاية في الأهمية؛ من حيث حجم تأثيراتها وعمقها، ونوعية انتقالاتها، وقبلة توجهاتها. ويدور السؤال اليوم حول إذا ما كانت هذه التحولات هي الباعث على المتغيرات السياسية، أم أن النتيجة التراكمية لأحداث الفعل السياسي هي التي أثرت في بُنى المجتمع ونُسق التفكير العام فيه. وبرغم أن متغيرات السياسة يمكن أخذها كمؤشر بالغ الدلالة إلى ما يعتري الحالة التركية من تبدلات مواقف النخب والهوية الثقافية للشعب، فإنه لا بد من الأخذ في الاعتبار أن الحوارات الحالية في تركيا لم تكن أبداً خارج سياق التطورات الاجتماعية، كما أنها لم تنفصل عن اتجاهات الرأي العام. لهذا، لم تكن مفاجئةً تماماً، لأنها تستند في رؤيتها على عدد من الحيثيات المهمة، وتستنجد في قراءتها للواقع الماثل بجملة من القرارات السياسية الصادرة تباعاً حول قضايا مفصلية تتعلق مقاصدها بإعادة الاكتشاف للانتماء والهوية الحضارية، والتي ظلت مثار جدل لا يهدأ في أوساط الشعب وبين النخب التركية.

إن المشكلات المعرفية العميقة في تركيا، والنظرة للحاضر والماضي والمستقبل، هي قضية منهج؛ تتعلق في جوهرها بالهوية الثقافية والإدراك الحضاري، وما يرافقهما من تحولات النخبة، أو محاولات العودة للتاريخ من باب الجغرافيا، وإعادة تفسير الزمان والمكان، ومراجعة حالة الانقطاع الكامل والحاسم مع الميراث الثقافي والديني التي مارسها الكماليون لثمانية عقود طويلة. فقد اتخذ الكماليون إجراءات صارمة لقطع الصلة بالإسلام، وهدموا البنى الثقافية للمجتمع، وبنوا على أنقاضها مؤسسات جديدة تنسجم مع الرؤية العلمانية للمجتمع.

إن بروز الإسلام في السياسة من جديد، ووصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، هو منتج لتحولات المجتمع التركي في دولة ذات أغلبية مسلمة، وكنتيجة حتمية للمزيد من الديمقراطية التي وسعت الخيارات السياسية للقوى الاجتماعية. وهذا أمر قد تختلف في قراءته النخب العربية والتركية بمقدار البعد والاقتراب العاطفي منه؛ ففي حين يرده الأتراك إلى تفاعلات داخلية طبيعية ومنحصرة في حدود التجربة المحلية، فإن كثيراً من العرب ينظرون عبر انشغالاتهم إلى موضع تركيا وتكيّفاتها الأيديولوجية والإقليمية قبل المحلية، ما يجعل تجليات الرهانات متفاوتة، وليست محكومة بميزان معرفي واحد، وتبدو وكأنها متعارضة بحسب رؤية كل طرف وتصوراته، ومن ثمّ فإن استخلاصاتها ليست متكافئة منهجياً؛ الأمر الذي يُصَعِّب المقارنة والمقاربة بينها، خاصة عند استصحاب هواجس التاريخ وعبء تفسيراته الحاضرة.

Share

المحاضر

يَوم الإثنين 25 أغسطس 2014

-

يَوم الإثنين 25 أغسطس 2014

-