دور التحكيم في فض النزاعات بين الدول

دور التحكيم في فض النزاعات بين الدول

  • 21 فبراير 2007

نظراً لتزايد المنازعات التي يشهدها عالم اليوم، فإن من الضروري أن يكون بين يدي الحكومات طرائق موثوقة لحل مثل هذه المنازعات، وعلى الأطراف المتنازعة البحث عن وسائل سلمية لحل خلافاتهم. وهناك الآن طائفة واسعة من مثل هذه الآليات والوسائل. وكوسيلة لحل المنازعات، نجد الكثير من القواسم المشتركة بين التسوية التحكيمية والقضائية. وأهم صفة مشتركة بينهما هي أن قرارات المحاكم التحكيمية والقضائية قطعية، وملزمة، ولا تخضع للاستئناف.

تعتمد محكمة التحكيم الدائمة على العديد من الإجراءات المختلفة، ومن بينها التحكيم، والمصالحة؛ وتقصّي الحقائق في المنازعات التي يكون عدد من الدول، أو الأشخاص غير الرسميين، أو المنظمات الحكومية الدولية، طرفاً فيها. وقد عالجت محكمة التحكيم الدائمة في السنوات الخمس الأخيرة عدداً متزايداً من القضايا. وهناك طريقتان رئيسيتان يمكن للدول اللجوء بهما إلى التحكيم عبر محكمة التحكيم الدائمة؛ الأولى أنه يمكن للدول الطلب من المحكمة القيام بالتحكيم في المنازعات التي تخص معاهدات قائمة. وفي الواقع، يتم بشكل عام اختيار التحكيم كطريقة للتعامل مع المنازعات التي تكون المعاهدات سبباً لها. وكمثال على ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الذي يعالج الحقوق المتعلقة بالبيئة البحرية، الذي صدّقت عليه 130 دولة. كما يتم الرجوع إلى محكمة التحكيم الدائمة أيضاً في معاهدة ميثاق الطاقة، التي تحدد مبادئ التجارة والاستثمار في مجالات الطاقة. وتقوم المحكمة أيضاً بمعالجة المعاهدات المتعلقة بالاستثمار الدولي على نحو متزايد. أما الطريقة الثانية فهي إمكانية قيام الدول بالطلب من محكمة التحكيم الدائمة العمل على حل الخلافات المتعلقة بمسائل السيادة الوطنية، أو الحقوق البيئية، أو غيرها.

لقد تم حلّ العديد من المنازعات عبر التحكيم. وكان العديد من القضايا التي شهدتها المحكمة يتعلق بالحقوق في الموارد الطبيعية، والمناطق الإقليمية البحرية والتلوث. وللتحكيم منافع كثيرة تجعله آلية تلقائية جذابة في ظل الاتفاقيات الدولية. ويتم في التحكيم تعيين محكّم يمتلك من المعارف والخبرات ما يقرّ به الطرفان المعنيان. ولكل طرف الحق في تعيين محكّم واحد على الأقل. ويوافق كلا الطرفين أيضاً على اختيار ثلاثة أعضاء إضافيين للتحكيم. كما يحق للدول أن تشارك في تشكيل هيئة المحكمة بشكل مباشر، لا بل ويحق لها تعيين مواطنيها في هذه الهيئة. ويتم الاتفاق على الزمان بين الأطراف والمحكّمين. وتعدّ عملية التحكيم مجدية من الناحية الاقتصادية نظراً لسرعتها. والحق يقال، إن الكفاءة متأصلة في التحكيم المؤسساتي.

بوسع محكمة التحكيم الدائمة الاستفادة من مجموع خبراتها التحكيمية التي تراكمت عبر الزمن. ويتألف فريقها من طاقم قانوني وإداري ينتمي إلى جنسيات مختلفة. وقد طوّرت المحكمة مجموعة من الخبرات القانونية من ضمنها سوابق قضائية سيثبت الزمن قيمتها التي لا تقدر بثمن. وتقوم محكمة التحكيم الدائمة بصياغة مسوّدات لقوانين وقواعد إجرائية. وتعد المرونة التي تتصف بها إجراءات المحكم ميزة تحكيمية لها جاذبيتها الخاصة. وتتم إجراءات التحكيم في مكان تختاره الأطراف المعنية، وكذلك الأمر بالنسبة للّغة التي سيتم استخدامها في التحكيم. وتُعدّ محكمة لاهاي مثالية لإجراء التحكيم، لكن التحكيم أجري أيضاً في عدد من المحاكم الأخرى. وللسرية أهمية كبرى تحتّم على الأطراف جميعاً الالتزام بها.

ويمكن القول إن أهمية محكمة التحكيم الدائمة لا تنبع من كونها محكمة تتألف من قضاة وحسب، بل وإطار عمل دائم هدفه معالجة المنازعات عبر التحكيم. وتلعب محكمة التحكيم الدائمة دور قناة الاتصال بين المحكمة والأطراف المتنازعة. وتحتفظ محكمة التحكيم الدائمة بقائمة من الخبراء الذي يمكنهم القيام بدور المحكّمين. وعلى طرفي النزاع الامتثال للمحكمة على أساس القبول المتبادل.

ولكي نوضح عمل محكمة التحكيم الدائمة، يمكننا ذكر العديد من الأمثلة، كقضية باربادوس ضد ترينيداد وتوباجو المتعلقة بتحديد منطقة اقتصادية خاصة. وصدر قرار التحكيم النهائي بالإجماع في أقل من عامين. وتضمنت القضية نفسها مسائل متعددة، بما فيها حماية حقوق صيادي السمك الباربادوسيين، والتحكّم بالمصادر الطبيعية والنفط والغاز. وقد تمت معالجة كل هذه المسائل في أثناء التحكيم.

ومن بين الأمور التي تعالجها محكمة التحكيم الدائمة أيضاً التحكيم بين الدول التي تنشب بينها المنازعات دون أن يكون بينها معاهدات. والمثال على ذلك النزاع بين بلجيكا وهولندا على خط السكة الحديدية الذي تم تقديمه إلى طرف ثالث. وقررت المحكمة المؤلفة من خمسة محكّمين أن خطط بلجيكا الرامية إلى إعادة تنشيط سكتها الحديدية يقيّدها قانون البيئة الهولندي، لكن لبلجيكا الحق في النقل. كما قررت المحكمة أن تتقاسم الدولتان تكاليف إعادة تنشيط السكة الحديدية. ويعد قرار المحكمة في هذه القضية بالتحديد مثالاً على تحقيق التوازن بين حقوق دولة ما وسيادة الدولة الثانية.

وثمة مثال آخر على المنازعة الإقليمية، كالتي جرت بين اليمن وإريتريا على عدد من الجزر في البحر الأحمر وما إليها من موارد طبيعية. فقد اكتشفت دوريات إريترية وجوداً يمنياً على إحدى الجزر. وحين استولت القوات الإريترية على إحدى الجزر، قامت القوات اليمنية بالسيطرة على أخرى. وأفادت إريتريا أنها ورثت الجزر من أثيوبيا. وزعمت اليمن أنها ورثت الجزر من العصور الوسطى في الفترة التي سبقت الاحتلال العثماني. وقدم الطرفان وسائل إثبات شاملة إلى محكمة التحكيم. وحكمت المحكمة التحكيمية بأن لإريتريا السيادة على جزيرتين ولليمن السيادة على عدد من الجزر الأخرى. وقررت المحكمة أيضاً الحدود البحرية المناسبة لكل منهما. كما قدمت المحكمة إطار عمل يمكّن الدولتين من استخدام وتقاسم أي مصادر طبيعية تُكتشف في المنطقة. وشاركت المملكة العربية السعودية في إجراءات التحكيم بأن طالبت المحكمة بأن تختص القرارات الصادرة باليمن وإريتريا فقط، وألا تكون هذه القرارات ملزمة للملكة العربية السعودية.

ومن أهم القضايا المعروضة على محكمة التحكيم الدائمة تلك المتعلقة بالحرب بين إريتريا وأثيوبيا. فقد تسببت تلك الحرب بدمار هائل، وأدت إلى وفاة مليون إنسان. وأصدرت لجنة الحدود بين إريتريا وأثيوبيا قرارها المتعلق بتعيين الحدود بين البلدين. كما أصدرت لجنة المطالبات الخاصة بإريتريا وأثيوبيا عدة قرارات تحكيمية تخص الآثار التي نتجت من الحرب بين البلدين.

وخلاصة القول إن محكمة التحكيم الدائمة خرجت إلى حيز الوجود منذ عام 1899. ويمثل تأسيسها نقلة نوعية من هيئات يتم إنشاؤها لغرض خاص، إلى محكمة دائمة تقوم بأعمال التحكيم وحلّ المنازعات. وبوجود 106 دول أعضاء فيها، تعكس محكمة التحكيم الدائمة مدى الحاجة إلى مثل هذا المنبر في عالم حفت به العولمة والتعقيد من كل جانب، وفي وقت أصبحت فيه المنازعات أكثر عدداً وأشد تعقيداً. والتحكيم هو الحلّ الناجع في مثل هذه البيئة المعقدة.

Share

المحاضر

يَوم الأربعاء 21 فبراير 2007

-

يَوم الأربعاء 21 فبراير 2007

-