الاستخدامات السلمية للطاقة النووية: مساهمة الوكالة الدولية للطاقة الذرية

  • 15 ديسمبر 2002

أسهمت الأحداث الأخيرة في تسليط الضوء في وسائل الإعلام على ما يعرف بدور “المراقب” الذي تقوم به الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مجال التحقق النووي، ولاسيما فيما يتعلق باستئناف عمليات التفتيش في العراق.

منذ تأسيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1957 تمثلت مهمتها بصورة عامة في إنجاز وتعزيز رؤية “الذرة من أجل السلام”. وتشتمل هذه المهمة من جهة على منع انتشار الأسلحة النووية بهدف إزالتها في نهاية الأمر، ومن جهة أخرى على المشاركة في التقنيات النووية السلمية والمأمونة في التطبيقات السلمية التي تعود بالفائدة على البشرية. وبذلك يقع نطاق عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ثلاثة مجالات هي: التقنية النووية، والسلامة والأمن النوويان، والتحقق النووي.

يركز المجال الأول لنشاط الوكالة ـ وهو التقنية النووية وبرامج التعاون التقني ـ على تطبيق العلوم المتقدمة لتلبية احتياجات الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة النووية في المجالات الأساسية؛ مثل الصحة البشرية ، والإنتاجية الزراعية، وإدارة موارد المياه، والإصلاح البيئي، والطاقة. أما المجال الثاني للوكالة فيتضمن السلامة والأمن النووي والإشعاعي. ويشمل ذلك سلامة المحطات النووية وأمنها من أجل توليد الطاقة، ومنشآت دورة الوقود من جهة، والسلامة والأمن في استخدام المواد النووية ومصادر الإشعاع من جهة أخرى. وقد حظي المجال الثالث لنشاط الوكالة – وهو مجال التحقق النووي – بأهمية متزايدة في الشهور الأخيرة، وبالتالي سيحظى باهتمام أكبر في المحاضرة.

إن صلاحيات التحقق والضمانات التي تتمتع بها الوكالة ـ وهي أحد الأركان الثلاثة لعملها ـ تتعلق بالتحقق من التزامات عدم انتشار الأسلحة النووية التي تعهدت بها الدول الأعضاء في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية واتفاقيات عدم الانتشار الدولية الأخرى الملزمة قانونياً. وعلى الرغم من انتهاء الحرب الباردة فما تزال التحديات المرتبطة بمنع الانتشار ونزع السلاح ماثلة في سائر أصناف أسلحة الدمار الشامل: النووية والبيولوجية والكيماوية. والواقع المؤسف اليوم هو أن هناك ثماني دول على الأقل يعتقد أنها تمتلك أسلحة نووية، وهناك عدد من الدول التي تمتلك أو يشتبه في أنها تمتلك أسلحة بيولوجية و/أو كيماوية. ويبقى الهدف المتمثل في جعل العالم خالياً من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى أمراً باعثاً على الحيرة. وأكدت المحاضرة أنه لكي ندرك السبيل الأفضل للسير قدماً نحو الأمام لابد من استقصاء – ليس الأعراض فحسب – بل الأسباب الكامنة أو الدوافع الحافزة على انتشار الأسلحة النووية.

لقد تركزت المساعي الدبلوماسية المكثفة في الأشهر القليلة الماضية على استئناف أعمال التفتيش في العراق. وقد تكللت هذه المساعي بقبول العراق غير المشروط لاستئناف أعمال التفتيش وقرار مجلس الأمن رقم 1441 في الثامن من نوفمبر 2002. وبتبني هذا القرار لم يعد خيار استخدام القوة يحتل المرتبة الأولى، ولكن ينظر إليه على أنه الملاذ الأخير، ويعد هذا تطوراً إيجابياً.

إن قرار مجلس الأمن الجديد يؤكد مع غيره تصميم جميع أعضاء مجلس الأمن على الدعم الكامل لعملية التفتيش. وهو يمنح صلاحيات إضافية في عدد من المجالات لهيئات التفتيش المتمثلة في لجنة المراقبة والتحقق والتفتيش (أنموفيك) المسؤولة عن التحقق من حالة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والصواريخ البالستية في العراق، والوكالة الدولية للطاقة الذرية المسؤولة عن التحقق من حالة برنامج الأسلحة النووية العراقي. وتشمل هذه الصلاحيات حرية الوصول الفوري إلى جميع المواقع في العراق من دون معوقات، وحق تقرير الإجراءات والمواقع لمقابلة الأشخاص المعنيين، والقدرة على تجميد الأنشطة أثناء تفتيش أي موقع من المواقع.

بدأت عمليات التفتيش الأولى من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأنموفيك في السابع والعشرين من نوفمبر الماضي وبتعاون من العراق. وفي السابع من ديسمبر الجاري قدم العراق إلى الوكالة الدولية وأنموفيك الإعلان المطلوب بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1441 والذي يبين جميع أوجه برامجه المتعلقة بتطوير أسلحة الدمار الشامل وأنظمة إطلاقها، هذا إضافة إلى جميع البرامج الكيماوية والبيولوجية والنووية الأخرى غير المرتبطة بإنتاج الأسلحة أو المواد الخاصة بها. وتقوم هيئتا التفتيش حالياً بتقييم هذه الوثيقة المهمة، كل ضمن صلاحياته، للتأكد من أنها دقيقة وكاملة. ومايزال الوقت مبكراً للتوصل إلى استنتاج، وقد تستغرق هذه العملية بعض الوقت، لكن إذا كان بالإمكان استغلال عملية التفتيش للتوصل إلى حل سلمي لهذه القضية فلن نضيع هذه الفرصة.

وقد عبرت المحاضرة عن الأمل والثقة بأن التعاون الكامل من طرف العراق سيؤدي إلى تفادي استعمال القوة، وسيمهد الطريق أمام تعليق العقوبات التي عاناها الشعب العراقي للأسف مدة طويلة ومن ثم إلغاؤها في نهاية الأمر. أما إذا لم يكن هناك تعاون كامل فمن الواضح أن العواقب ستكون وخيمة كما نص على ذلك قرار مجلس الأمن بصراحة. وتشير المحاضرة إلى أن من المهم في هذا السياق أن تمارس جميع الدول في المنطقة تأثيرها لإفهام العراق أن التعاون التام والدائم هو شرط مسبق ومطلق لتجنيب المنطقة حرباً لا يعلم عواقبها إلا الله. وكما صرح الرئيس الفرنسي جاك شيراك مؤخراً بأن “الحرب هي دائماً الحل الأسوأ”.

واختتمت المحاضرة بالتأكيد على أن مساعي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لضبط انتشار أسلحة الدمار الشامل في سائر أنحاء العالم هي عمل جار على جبهات عديدة. ويتمثل التحدي الأهم في تطوير طرق بديلة لتحقيق الأمن الإقليمي والدولي بحيث لا تتضمن أسلحة نووية أو غيرها من أسلحة الدمار الشامل كجزء من الملف الأمني؛ وبحيث تكون هذه الطرق فاعلة ويمكن الاعتماد عليها، وتنشر الثقة لدى دول العالم قاطبة.

Share

المحاضر

يَوم الأحَد 15 ديسمبر 2002

-

يَوم الأحَد 15 ديسمبر 2002

-