اللغة العربية وسؤال المصير

اللغة العربية وسؤال المصير

  • 13 فبراير 2013

يفترق الناس “هذه الأيام”، في أمر اللغة العربية على موقفين متقابلين؛ يعتصم أصحاب الموقف الأول، بأن اللغة العربية محفوظة حفظ الذكر الحكيم بإطلاق، وأن لها فرادة بين اللغات كافة؛ بما هي وعاء تراث ممتد على الزمان، من دون انقطاع طوال سبعة عشر قرناً، وأنها لسان التواصل بالضرورة وبالفعل، في فضاء المكان العربي، من الخليج إلى المحيط، ورأس مقومات الأمة، وعنوان الهوية، وتحقيق الذات في مواجهة الآخر. أما الفريق الآخر فيذهب مذهباً مغايراً تماماً؛ إذ يرى أن اللغة العربية تتآكل، وأنها ستنحسر بعد بضعة عقود؛ منزاحة إلى دائرة التعبد، فالحفظ إنما يتوجه للذكر الحكيم فقط، وأما أنها لسان التراث، فتلك مزية يُقصر الاحتفاء بها على دوائر محدودة من الناس وأهل الاختصاص، كما أن علاقتها بالهوية متغيرة، وهي تتراجع الآن، في ظل تنامي النزعات الجهوية، وتغليب اللهجات المحكية، في فضاء الخطاب الفضائي.

فإذا تمثلنا العربية في حضورها المشخص، بتجلياتها في وسائل الإعلام، وهي كتابها المفتوح على المشهد العربي، وجدناها تمثل بمستويات أو أنماط متباينة؛ كأنها برج بابل، تتقاطع فيها مرجعيات متباينة شتى:
– فهي العربية الفصحى في أداء التنزيل العزيز، والشعر الفصيح، وبعض الدراما التاريخية، بمرجع المقدس والتراث.
– وهي العربية الفصيحة ببعض التجوز، في نشرات الأخبار والبرامج الوثائقية، بمرجع الامتداد في الفضاء العربي.
– وهي الفصيحة بالقوة، وهي العربية المكتوبة؛ (ذلك أنها لا تكون فصيحة بالفعل إلا عند النطق بها)، كما في ترجمات البرامج والأفلام الناطقة بغير العربية، بمرجع العرف في رسم العربية.
– وشبه الفصيحة، وهي عربية طورها بعض مراسلي الفضائيات بمقتضى تقريبها من مستوى لغة النشرة، وبمرجع الحافز المهني والجدوى الاقتصادية لدى المراسل.
– والعربية الوسطى، عربية المتعلمين المحكية التي هي مزاج من الفصيحة المتعلمة والعامية المكتسبة، بمرجع الاقتصاد في الجهد.
– والعاميات العربية القُطرية المتباينة، وهي خطاب المشافهة لدى العامة بأمر المكتسب بالسليقة، وفي المسلسلات الدرامية العربية المستفيضة، بمرجع الواقعية أو النزعة الجهوية.
– العاميات العربية المحكية أو المكتوبة على غير نظام، أو بالحرف اللاتيني في لغة الإعلان خاصة، بمرجع المصلحة الضيقة، أو استهواء الآخر وغياب السياسة اللغوية.
– العاميات المهجنة بالإنجليزية أو الفرنسية، بمرجع التباهي وتقليد الآخر.
– العاميات المهجنة بالأوردية، بمرجع الحاجة الضرورية إلى التواصل.

أما مصير العربية في مشتبك هذه المرجعيات والأحوال، فيمثل بتفكيك منظومة من القيم والقوى تتمثل في مشتجر من العلاقات: علاقة العربية بالنصّ المقدس، وعلاقتها بالتراث، وعلاقتها بالهوية، وعلاقتها بالتعليم والاقتصاد والثنائية والعلوم والعولمة، وهي تؤول في نهاية التحليل إلى الجدل الثقافي والاقتصادي.

Share

المحاضر

يَوم الأربعاء 13 فبراير 2013

-

يَوم الأربعاء 13 فبراير 2013

-