دور محكمة العدل الدولية في العالم المعاصر

دور محكمة العدل الدولية في العالم المعاصر

  • 11 يونيو 2008

تعد محكمة العدل الدولية الجهاز القضائي الرئيسي والدائم التابع للأمم المتحدة، وكانت قد أُسِّست في أعقاب الحرب العالمية الثانية، قبل 62 عاماً، خلفاً للمحكمة الدائمة للعدالة الدولية، وبصفتها هذه، فهي تشاطر الأمم المتحدة المقاصد التي وردت في المادة الأولى من ميثاق المنظمة الدولية، وهي صون السلم والأمن الدوليين.

ويُمَثَّل دور محكمة العدل الدولية بحسم النزاعات القانونية التي تحيلها إليها دول العالم، وذلك وفقاً لأحكام القانون الدولي، وتقديم آراء استشارية في المسائل التي تحيلها عليها أجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، ولعل من بين الأسئلة التي لم تجد لها جواباً، السؤال: هل يجوز للمحكمة فعلياً إعادة النظر في قرارات اتخذتها أجهزة أخرى تابعة للأمم المتحدة أوْ لا؟ وهذه مسألة مابرحت معلقة، وفي تقدير المحكمة، فهي إنما تعمل جنباً إلى جنب مع مجلس الأمن الدولي. لقد شهد العالم تغيراً هائلاً على مدى العقود الستة الفائتة، وثمة بلدان جديدة عدة قد ظهرت على المسرح العالمي؛ ففي عقد السبعينيات، حصلت دول الخليج العربية – مثلاً – على استقلالها، وهناك من المنظمات والشركات ما بات يدخل الآن في عداد القوى الفاعلة على المسرح الدولي، وامتدت سلطة القانون الدولي لتغطي نواحي جديدة، وتعاظم الاهتمام كثيراً بالتسويات التي يتقدم بها أطراف آخرون. وفي وقتنا هذا هناك محاكم لحقوق الإنسان، قد تم إنشاؤها لشتى المناطق، إضافة إلى هيئات قانونية تتخذ قراراتها إزاء ما يتعلق بالقضايا التجارية وغيرها. وقد شهدنا أيضاً، إنشاء محاكم متخصصة بالإبادة الجماعية. ومن المحاكم التي تخصصت في القانون الجنائي الدولي المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة، إلى جانب تلك الخاصة برواندا وسيراليون وكمبوديا، وآخرها المحكمة الخاصة بلبنان التي يتوقع تشكيلها في وقت قريب.

وكل هذه المحاكم تعد أجهزة فرعية مؤقتة تقع خارج منظومة الأمم المتحدة. تتولى محكمة العدل الدولية، بصورة متميزة، معالجة الكثير من القضايا البالغة التعقيد والنزاعات التي تنشب بين الدول، وتحديد مسؤولياتها، لا مسؤوليات أشخاص محددين. وهي تؤدي مهماتها على أرض عالم حقيقي، ولا ريب في أن التحولات الكثيرة التي طرأت على المسرح الدولي كان لها تأثيرها في عمل المحكمة. وقد شهدنا في السنوات الأخيرة تزايد عدد الدول التي لجأت إلى المحكمة، وشاركت في أعمالها، فبلغ تسعاً وسبعين دولة حتى الآن، بينما بلغ عدد الأحكام التي أصدرتها خمسة وتسعين قراراً، ثلثها أُصدِر في غضون العقد الفائت وحده. وكان عام 2007 هو الأكثر إنتاجية منذ إنشاء المحكمة، وبات ممكناً ضمان سير عمل المحكمة بفضل تدابير الكفاءة المتطورة التي اتخذتها.

وترد القضايا الخلافية إلى المحكمة من كل أرجاء العالم، وقد اتخذ هذا العام طابعاً دولياً إلى حد بعيد. وفي الوقت الحاضر، فإن التوزيع الإقليمي للقضايا المعروضة على المحكمة هو كالآتي: أربع قضايا من أمريكا اللاتينية، واثنتان من أفريقيا، وواحدة من آسيا، واثنتان تعودان إلى أكثر من قارة. ويبدو أن آسيا وأفريقيا قد وضعتا ثقة كبرى بمحكمة العدل الدولية خلال العقود الأخيرة، وهو ما يؤكد أنها باتت بحق محكمة للأمم المتحدة بأسرها، وهو أمر مهم بالنسبة إلى المحكمة. ويمكن دول العالم أن تتقدم بقضاياها إلى المحكمة بطرائق وأساليب مختلفة ومتعددة. والدول الأعضاء في الأمم المتحدة يحق لها الاستفادة من المحكمة، ولكن عليها إبداء موافقتها؛ بغية عرض القضية ذات الصلة على المحكمة، وكان عدد من الدول قد سلك هذا السبيل. ومن المؤكد أن هناك القليل من التحفظات التي أبدتها الدول حيال أحكام المحكمة خلال السنوات الماضية، كما يحق لهذه الدول أن تسمح للمحكمة بحل المشكلة المحالة إليها. ويمكن دولة ما أيضاً، أن تعرض على المحكمة قضية ضد دولة أخرى، ونحن نشهد الآن اهتماماً أكبر بالتسوية القضائية للصراعات الناشبة. وهذا الأسلوب متاح، أمام دولة الإمارات العربية المتحدة- على سبيل المثال- إن هي رغبت في ذلك. والقضايا المحالة إلينا لا ترد من كل مناطق العالم فحسب، بل إن المحكمة تعالج أيضاً، كل أنواع المشكلات.

وتسعى محكمة العدل الدولية في المقام الأول للحيلولة دون تدهور القضايا الخلافية. وغالباً ما تشتمل القضايا المعروضة على المحكمة – على سبيل المثال لا الحصر- على صراعات عنيفة، وانتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الدولي. ولا يعد دور المحكمة في حسم الصراعات ثانوياً، فضلاً عن أنها تعطي الأولوية القصوى لهذه العملية، ونحن نأمل في أن تسهم النتائج التفصيلية والموضوعية التي نتوصل إليها في إيجاد تسوية للقضايا المثارة في العالم. إن القضية البارزة التي أثارتها البوسنة والهرسك ضد جمهورية صربيا والجبل الأسود، تمثل أول قضية تتعلق بالإبادة الجماعية تقيمها دولة ضد أخرى. وفي هذا الشأن، أعلنت محكمة العدل الدولية أن أعمال تقتيل واسعة النطاق قد وقعت بالفعل، ولكنها لم تقع بنية ارتكاب إبادة جماعية. ومع ذلك، فقد خلصت المحكمة إلى أن جيش الجمهورية الصربية قد ارتكب إبادة جماعية لغرض محدد، هو القضاء على مجموعة من المسلمين في البوسنة والهرسك في سربينتشا، كما أن محكمة العدل الدولية قد أعلنت أن صربيا انتهكت اتفاقية الإبادة الجماعية من خلال إخفاقها في منع وقوع مثل هذه الإبادة في سربينتشا.

وقد كان يمكن صربيا، بل كان يجب عليها، التحرك لمنع وقوعها، ولكنها لم تفعل ذلك. كما أنها أخفقت أيضاً، في أن تتعاون بشكل تام والمحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة. وإضافة إلى معالجة الصراعات العنيفة، فإن محكمة العدل الدولية تتعامل وقضايا تشتمل على نزاعات إقليمية بحرية وحدودية، ويمكن المحكمة أن تساعد على منع حدوث تدهور أكبر في العلاقات بين الدول. والقضية المثارة ما بين دولة قطر ومملكة البحرين في شأن الحدود وجزر حوار تعكس هذه النقطة بصورة مثلى؛ فقد وجدت المحكمة أن مناطق زبارة، وجنان، وحد جنان، وفشت الدبل، هي بحق مناطق قطرية، بينما وجدت أن جزر حوار وقطعة جرادة هي مناطق بحرينية، بينما تم رسم حدود بحرية وفقاً لمبادئ قانونية. وهكذا، فقد استؤنفت العلاقات الودية بين البلدين، وفي جميع مناطق الخليج في سياق أوسع نطاقاً. وقد تُستفتى محكمة العدل الدولية أيضاً؛ أي يُطلب إليها إبداء الرأي القانوني في مسائل قانونية، ويمكن أي دولة من الدول أن تطلب مشورتها. وكانت الفتاوى الأخيرة هي التي أصدرتها المحكمة بخصوص قانونية التهديد باستخدام الأسلحة النووية. كما يمكن مجلس الأمن الدولي أن يستفتي المحكمة في مسألة قانونية معينة. وتعدّ الأحكام التي تصدرها محكمة العدل الدولية ملزمة، أما الفتاوى فغير ملزمة، على الرغم من أنها تعدّ بيانات رسمية؛ والمثال على ذلك قضية الجدار في فلسطين؛ فالحجة كانت أنه ليس في وسع محكمة العدل الدولية ممارسة اختصاصها؛ لأن إسرائيل لم توافق على ذلك، ولأن النظر إلى المسألة كان يتم بصفتها جزءاً من نزاع فلسطيني ـ إسرائيلي أشمل.

ولما كان الهدف من محكمة العدل الدولية التعامل والمشكلات الناشبة بين الدول، فقد شكّلت مسألة فلسطين، التي لما يتم الاعتراف بها بعد دولةً محددةً، مشكلة بالنسبة إلى محكمة العدل الدولية. لكننا، بشكل استثنائي، سمحنا للفلسطينيين بالمشاركة في الجلسات الشفهية؛ انطلاقاً من طبيعة الموقع الذي تشغله فلسطين حالياً في منظومة الأمم المتحدة. ونصت فتوى المحكمة أن الجدار الذي تبنيه إسرائيل يشكل انتهاكاً للقانون الدولي، ولا بدّ من تفكيكه، ولا بدّ أيضاً، من تقديم تعويضات للأطراف المتضررين. وتعدّ دولة الإمارات العربية المتحدة، وغيرها من دول الخليج العربي، مهمّة بالنسبة إلى محكمة العدل الدولية؛ فمنذ تأسيسها، لعبت دولة الإمارات العربية المتحدة دوراً حيوياً في شؤون المنطقة، كما أن سياستها الخارجية تركّز على توثيق العلاقات بشتى بلدان العالم، وإننا على أتم استعداد لمساعدة دول المنطقة ضمن صلاحيات المحكمة.

Share

المحاضر

يَوم الأربعاء 11 يونيو 2008

-

يَوم الأربعاء 11 يونيو 2008

-