التحديات الداخلية في باكستان وتداعياتها الإقليمية

التحديات الداخلية في باكستان وتداعياتها الإقليمية

  • 9 نوفمبر 2009

تجتاز باكستان اليوم واحدة من أكثر المراحل اضطراباً وعنفاً في تاريخها؛ فهي الآن في “عين العاصفة”، على حد وصف الصحفي البريطاني المعروف أوين بنيت-جونز. ومنذ تأسيس باكستان قبل 62 عاماً، واجهت أزمات متكررة، وفترات من عدم الاستقرار، بتأثير عوامل داخلية وخارجية. ومازالت البلاد تعاني عدداً من المشكلات البنيوية الخطيرة، ازدادت تفاقماً بفعل الأسس الأيديولوجية التي قامت عليها؛ جراء وقوعها في منطقة معادية ومضطربة، وخصومة دائمة مع جارتها الكبرى والأقوى منها، وتدخلات قوى عالمية كبرى في البلدان المجاورة لها.

وتقف باكستان في مواجهة الهند المعادية لها التي تشاطرها الحدود شرقاً، حيث يخوض البلدان نزاعاً ملتهباً بشأن كشمير. وهناك أفغانستان التي تقع على امتداد حدودها الغربية، والتي تعيش أوضاعاً متقلبة ومضطربة. ومنذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، واجهت باكستان أيضاً علاقات غير مستقرة، ومتوترة أحياناً مع إيران، طالما ازدادت تدهوراً بفعل تنافس البلدين على تعزيز مصالحهما -المتعارضة غالباً- في أفغانستان.

وجاء الغزو السوفيتي لأفغانستان في كانون الأول/ديسمبر 1979 ليضع باكستان على خط المواجهة الأمامي، وليخلق لها مشكلات جديدة، بما في ذلك تدفق قرابة 3.5 ملايين لاجئ أفغاني إلى أراضيها، ما أوقع ضغوطاً حادة على مواردها الاقتصادية، وعلى النسيج الاجتماعي للمجتمع الباكستاني، بل إنه تسبب أيضاً في انتشار الأسلحة المهلكة في عموم أرجاء البلاد، واتساع نطاق المتاجرة بالمخدرات.

وما إن أمكن لباكستان أن تخفف بشق الأنفس وطأة الآثار التي ترتبت على الغزو السوفيتي، حتى جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والغزو الأمريكي لأفغانستان، لتوقع باكستان مرة أخرى في مستنقع سياسي جديد. وبسبب مشاركتها “في الحرب العالمية على الإرهاب” بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فقد تعرض الأمن الداخلي لباكستان لآثار عميقة وقوية، بتأثير تداعيات القتال الدائر في أفغانستان، ومشاعر التعاطف مع أبناء قبائل الباشتون الأفغان التي أبداها أقاربهم المقيمون في باكستان ممن ينتمون للعرق ذاته، وتعاظم المد المعادي للولايات المتحدة الأمريكية.

وازدادت هذه المشكلات حدة تحت تأثير الركود الاقتصادي العالمي، وسوء الإدارة الاقتصادية، وتفشي الفساد على نطاق واسع، وتزايد مظاهر انعدام النظام وسيادة القانون جراء أعمال العنف الإرهابية، وعجز القيادة عن بناء أسس الحكم الصالح والفعّال.

ولنا أن نضيف لهذا المزيج حقيقة مفادها أن باكستان دولة تمتلك أسلحة نووية. ومن جهة أخرى، فإن هذه التحديات الخطيرة التي تقف على طريق باكستان قد منحت منتقديها الكثير من الأسباب لإطلاق تكهناتهم بفشل هذه الدولة وانهيارها الوشيك.

وعلى أية حال، فإن باكستان بلد على درجة عالية من المرونة؛ وبحوزتها من القدرات والموارد ما يمكّنها من قهر معظم هذه المعضلات، كما فعلت في مناسبات كثيرة في الماضي، فقد استطاعت القوات المسلحة الباكستانية مؤخراً إلحاق هزيمة شاملة بحركة طالبان في وادي سوات؛ وتخوض في الوقت الحاضر قتالاً مريراً وضارياً في المناطق القبلية من مقاطعة وزيرستان الجنوبية (المعقل الرئيسي لطالبان/القاعدة) المتاخمة لأفغانستان. والصراع من أجل روح باكستان وجوهرها مقدر له أن يطول أمده ويزداد عنفاً، بيد أن مستقبل هذا البلد مرهون بنجاحه.

Share

المحاضر

يَوم الإثنين 9 نوفمبر 2009

-

يَوم الإثنين 9 نوفمبر 2009

-