التحديات التي تواجه السياسة الخارجية الأوروبية

التحديات التي تواجه السياسة الخارجية الأوروبية

  • 5 فبراير 2007

بدأت المستشارة الدكتورة آنجيلا ميركل محاضرتها بتوجيه الشكر إلى مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية لدعوتها لتقديم المحاضرة. وقد عبرت عن إعجابها بالمركز وأنشطته، وقالت إن المركز معروف ويحظى بالاحترام للجودة العالية للمؤتمرات الاستراتيجية ومؤتمرات الطاقة التي يعقدها سنوياً.

وقالت إن دولة الإمارات العربية المتحدة تشترك مع ألمانيا في علاقة وثيقة. وفي عام 2004 نشأت شراكة استراتيجية بين الدولتين، وتعد دولة الإمارات العربية المتحدة في الوقت الراهن أهم شريك تجاري بالنسبة إلى ألمانيا في منطقة الخليج العربي. ولذا تظل ألمانيا ملتزمة بقدر كبير بتعزيز التعاون الاقتصادي، وهناك مصلحة للشركات الألمانية في تعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية مع نظيراتها في دولة الإمارات العربية المتحدة. وقالت خلال هذه الزيارة للدولة: لقد تم توقيع العديد من العقود المهمة بين الدولتين. ومن بين عقود أخرى، وقعت جامعة أبوظبي اتفاقيات مع كل من جامعة ميونيخ الفنية ومستشفى بون الجامعي. وينبغي أن يتم المزيد من التوسع في الفرص في حقل التعليم، وينبغي لكلتا الدولتين مواصلة العمل من أجل توسيع مجال التعاون الوثيق القائم.

وباعتبارها رئيسة حالية للاتحاد الأوروبي، تدرك ألمانيا جيداً مسؤولياتها في الاتحاد الأوروبي، وهي ترى الحاجة إلى الإسهام بقوة في استمرار قصة نجاح أوروبا، فمن جيل إلى آخر تواصلت الحروب في أوروبا، والحرب العالمية الثانية لم تحدث منذ وقت طويل. وفي نهاية القرن العشرين، على أي حال، استطاع الأوروبيون أن يكسروا الحلقة الجهنمية للعنف. وأخيراً، بعد حرب طويلة ودمار ومعاناة تعلمت الدول الأوروبية بصورة فردية دروس الماضي. لقد تعلمت الجهر بالقول دون اللجوء إلى العنف، لقد طورت هذه الدول احتراماً لكرامة كل فرد، وللمساواة في الحقوق للرجال والنساء، وبمرور الوقت أدت هذه الرؤى إلى تحقيق الازدهار. وعندما أنظر إلى دول الشرق الأوسط اليوم، فإنني أجد أن أمامها طريقاً طويلاً قبل الوصول إلى هذه المرحلة.

إن دول الاتحاد الأوروبي، على أي حال، لا يمكن أن تقنع فحسب بإنجازاتها، وهي تواجه تحديات صعبة في المستقبل. ولكن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي تبلغ 27 دولة يجب أن تقف سوياً لتعزز الأهداف المشتركة للاتحاد الأوروبي. والاتحاد الأوروبي يواجه أيضاً تحديات جديدة في الخارج، بعضها تتسبب فيه التغيرات السريعة في ميدان التقنية. إن الاتحاد الأوروبي يرتبط في شراكة استراتيجية بروسيا، ويدرك جيداً أهمية الدول الناشئة مثل الصين والهند، وتلك التي في الشرق الأوسط أيضاً. إن ما نسميه العولمة يتطلب طريقة تفكير وعمل جديدة، إذا كانت السياسة سوف تشكل توقعات الناس والأحداث وتجد القبول عندهم.

لقد تعزَّزت فاعلية الاتحاد الأوروبي في ضوء حقيقة أن دوله قد اتفقت على أن تصوغ سياسة خارجية وأمنية مشتركة. وتناقش دول الاتحاد الأوروبي هذه القضية فيما بينها وهي فخورة بما حققته من نجاح في هذا المجال. لقد واجه الاتحاد الأوروبي صعوبات جمة في يوغسلافيا السابقة، غير أن التجربة بحدِّ ذاتها كانت مفيدة؛ مما جعل الاتحاد الأوروبي يعتمد منهجية أكثر فاعلية في مقدونيا وكوسوفا. كما أرسل الاتحاد الأوروبي قوات لحماية الانتخابات في الكونغو، بينما حققت الكتيبة الأوروبية في ذلك البلد المهمة المرجوَّة منها.

ولكن، ما الدروس التي يمكن أن يستمدَّها الاتحاد الأوروبي من المبادئ المشتركة التي تقود الدول الأعضاء في الاتحاد؟ تودُّ ألمانيا في عام 2007 أن ترى أوروبا وهي تحقق ما تصبو إليه عبر الجهود الجماعية. إن الفهم الشامل يساعد الاتحاد الأوروبي على المضي قدماً في تحقيق أهدافه، غير أنه لن ينجح في مساعيه ما لم تقترن قوته العسكرية بجهوده المدنية؛ إذ إننا بحاجة حقيقية كل ذلك معاً؛ من أجل التغلب على الصراعات الحالية. أما في الكونغو، فقد ناقش الاتحاد الأوروبي مطولاً سبلَ إقامة مؤسسات فردية والوسائل الكفيلة بمساعدته على المضي قُدماً؛ إذ كان الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى القوة العسكرية هناك، ولكن لفترة وجيزة فقط. والأمر نفسه يُقال عن الصراعات الراهنة في الشرق الأوسط في دول مثل أفغانستان ولبنان.

لقد اعتمدت ألمانيا بوصفها رئيساً حالياً لمجموعة الدول الثماني هدفين رئيسيين لسياستها، وهما النمو والمسؤولية. وهناك انعكاسات واضحة لذلك في منطقة الشرق الأوسط؛ إذ إن العالم بحاجة إلى مجموعة من القوانين المُلْزمة لكافة دوله، بل التي تشعر الأطراف كافة بأنها ملتزمة إزاءها. ومن أجل توضيح ذلك فقد وافق الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، في بروتوكول كيوتو على الحد -بطريقة جوهرية- من انبعاثات الغازات الضارة.  إننا على دراية بأننا نقول هذا في دولة تملك موارد الطاقة، ولكن يتعين علينا جميعاً أن نبذلَ ما في وسعنا لنضمن استخدام الطاقة بطريقة أكثر فاعلية. إن التغيرات المناخية قد يكون لها عواقب وخيمة على العالم أجمع. وكل ما سبق ينمُّ عن أن العولمة قد جمعتنا في المركب نفسه وأننا نتحمل مسؤوليةً مشتركةً فيما يتعلق بسياسة الطاقة.

كما أن هناك حاجة واضحة إلى حوار مختلف تماماً بين الدول المنتجة والدول المستهلكة. إن الاتحاد الأوروبي مهتم بتنويع أسواق مصادر الطاقة، وهو يرحب حتماً بدور أكبر في أسواق مصادر الطاقة الجديدة نسبياً، مثل الغاز الطبيعي المُسال. أما فيما يتصل بأمن الطاقة، فإنه من المؤكد أن الاتحاد الأوروبي يود أن يرى استقراراً سياسياً واقتصادياً في الدول المنتجة للطاقة. ومن المؤكد أيضاً أن التعاون في مجال الطاقة من أهمِّ أوجه التعاون بين الاتحاد الأوروبي والدول الأخرى وأكثرها ديناميةً.

خلال رئاسة ألمانيا للاتحاد الأوروبي سيكون لسياسة الطاقة أهمية بالغة. وسنقدِّم خطة للتعامل مع قضايا الطاقة. وهذا يظهر بطبيعة الحال أن النمو الاقتصادي تتبعه مسؤولية اقتصادية لا في منطقة بعينها، بل في المناطق كافة. وخلال جولتي الحالية في الشرق الأوسط، ذُكِّرتُ باهتمامنا في إقامة علاقات اقتصادية وثيقة، وإبرام اتفاقيات تجارية، وتعزيز التبادلات مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وفي السنة الماضية، شهدنا أيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية في برلين، وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة في مقدِّمة الدول المشاركة. وقد حقق ذلك اللقاء نجاحاً لافتاً في جعل شعبنا على دراية بالأهمية العظيمة لمثل هذا التعاون في المستقبل.

إن الحديث عن المسؤولية المشتركة يجعلنا نفكر ملياً في قضية مركزية تهمُّ المنطقة بأسرها. إن تسوية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي تشكل أهميةً حاسمةً في تحقيق الاستقرار في المنطقة. وسيتعذر التوصل إلى تسوية للصراعات الأخرى في المنطقة ما لم تتم تسوية هذا الصراع أولاً. وهناك حاجة إلى رؤية مبنية على قيام دولتين. فبالنسبة إلى إسرائيل فإنها بحاجة إلى ألا تخشى على أمنها، وبالنسبة إلى الفلسطينيين فإنهم بحاجة إلى قيام دولة تضمن لهم رفاهيتهم. وبعد نكسات متعددة شهدتها جهود تسوية هذا الصراع، فإن كثيرين يرون أن علينا ألا نتحدث عن هذا الصراع بعد اليوم. لقد ترعرعت في ألمانيا الشرقية وكنت أفكر في أن جدار برلين لن يسقط أبداً. غير أن الجدار سقط في نهاية الأمر وتوحَّدت ألمانيا. ولم يكن هذا أمراً ممكناً لولا أن كثيرين في أوروبا كانوا يحلمون بذلك، وتصدوا للأمر، وحققوا ما كانوا يطمحون إليه. هذه التجربة التي عاشها ملايين الأوروبيين أبرزت التزاماً نحو الحاجة إلى تسوية كافة الصراعات الأخرى. وما حققناه مع نهاية الحرب الباردة علينا أن نحققه في مناطق أخرى من العالم وإلا فإن المعاناة ستقع علينا جميعاً.

ولابد أن يتوصل الإسرائيليون والفلسطينيون إلى التسوية معاً بمساعدة دول أخرى منها دول الاتحاد الأوروبي. ولابد أن تكون لدينا فكرة واضحة عن السبيل الذي سنسلكه، ويمثل حلُّ الدولتين محوراً أساسياً في هذا السياق. لقد قبل إعلان بيروت الصادر عن قمة جامعة الدول العربية بحق إسرائيل في الوجود، وكان ذلك أمراً في غاية الأهمية. ويعمد الناس هنا إلى تذكيري، مراراً وتكراراً، بمسؤولية الاتحاد الأوروبي إزاء المنطقة، إننا نعمل مع المجموعة الرباعية لدفع جهود السلام نحو الأمام. وهناك فرصة سانحة لابد من اقتناصها. غير أن هناك قوى في هذه المنطقة وفي مناطق أخرى من العالم لا تريد أن ينجح الطرفان في التوصل إلى مثل هذه التسوية. كما يتعين علينا أن نتذكر أن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ليس أمراً نافعاً. وأودُّ أن أشير هنا إلى أن ألمانيا قد قررت عن قصد أن تشارك في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان.

أما فيما يتعلق بإيران، فإننا ننظر إلى البرنامج النووي الإيراني بقلق شديد، وأنا أعلم أننا متفقون وموحَّدون في هذا الصدد. لقد قدمت روسيا مقترحات مهمة إلى إيران تتيح للإيرانيين أن يعيشوا في رخاء دون الحاجة إلى دخول سباق للتسلح النووي في المنطقة. كما قبل المجتمع الدولي قراراً يفتح الباب أمام فرض عقوبات على إيران ما لم تتم تلبية متطلباته. وإذا لم تتعاون إيران فإن المجتمع الدولي سيفرض هذه العقوبات.

لقد قلنا منذ البداية: إننا مستعدون للتحدث إلى سوريا غير أن عرضنا لم يتم تبنيه من الطرف الآخر. وسيكون مفيداً إذا ما أقامت سوريا علاقات دبلوماسية مع لبنان؛ إذ إن لسوريا دوراً مهماً في تحقيق السلم في لبنان.

إن منطقتينا قريبتان من بعضهما بعضاً، ولابد من حل المشكلات العالمية بالتعاون بين الأطراف المعنية، غير أننا بحاجة إلى مؤسسات للاضطلاع بهذه المهمة، ولابد أن نوحِّد قيمنا المشتركة، وفي هذا السياق، فإنني أعتقد أن للأمم المتحدة، بوصفها منتدى دولياً، أهمية عظيمة في هذا المجال، وإن كانت المنظمة الدولية بحاجة إلى الارتقاء بفاعليتها؛ إذ من الصعب إلى حد ما العمل على التوصل إلى تسويات في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وانطلاقاً من تجربتنا في الاتحاد الأوروبي، فإنه من الصعب أن نتوصل إلى مثل هذه التسويات، غير أنها تظل مصدر شرعيتنا. ولابد أن تملك دول العالم فهماً مشتركاً للقوانين التي تحكم أفعالها. وعلينا أن نفهم أن العنف لن يحل الصراعات، غير أن الأمم المتحدة يجب أن تضفي الشرعية عند الضرورة من أجل اللجوء إلى القوة العسكرية.

إن حضاراتنا ودياناتنا مختلفة غير أننا نملك فهماً مشتركاً حول قبول الدين، ولابد من الابتعاد عن استغلال الدين لإضفاء الشرعية على استخدام القوة بل التنديد بمثل هذا الفعل. لقد اعتدنا في الاتحاد الأوروبي على منظور أوروبي طوال قرنين تقريباً. غير أن علينا أن نحافظ على انفتاحنا وفضولنا من أجل العمل مع الآخرين. وإن لدينا أصدقاء هنا في المنطقة يمكننا أن نشاركهم في هذا الأمر.

Share

المحاضر