رقم (649)

التسامح

  • 13 فبراير 2019

إن مفهوم التسامح يعني التجاوز عن أخطاء الآخرين، ومقابلة الإساءة بالصفح والعفو وحب الخير؛ لذلك يُعد التسامح من الأخلاق التي تحتاج إلى إيمانٍ حقيقي وصادق، وهو من الأخلاق الإسلامية التي يتصف بها مَن كان قلبه عامراً بالإيمان، والإسلام جاء ليتمِّم مكارم الأخلاق؛ فحث على التزام هذه السمة والقيم العليا من أجل بناء مجتمع قوي متماسك. وفي القرآن الكريم هناك أكثر من آية تدعو إلى اللين والسلم ونبذ العنف والبطش، كما عكست السنة النبوية، وسـيرة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، قيم التسامح والمحبة، إضافة إلى أن جميع الأديان السماوية تحث على التسامح وحب الآخر واحترام الإنسانية. كما يزيد التسامح ترابط أبناء المجتمع الواحد، وينشـر المحبة والألفة فيما بينهم؛ ما ينتج مجتمعاً قوياً ومتماسكاً لا يمكن النَّيل من نسـيجه، كما يمنح التسامح صاحبه الطمأنينة والسكينة، علاوة على شحن صاحبه بطاقة إيجابية تجعله قادراً على الإنتاج والتفكير والإبداع.

وهناك أشكال عدَّة من التسامح؛ فهناك التسامح الثقافي، الذي يتبلور من عدم التعصُّب للأفكار والثقافة الشخصـية للفرد، والتحلِّي بآداب الحوار. وهناك التسامح الديني الذي يعني التسامح في حرية ممارسة الشعائر الدينية، والتخلي عن التعصب والتمييز العنصـري الديني. والتسامح الأخلاقي الذي يأتي في طريقة التعامل مع الأفراد الذين نختلف معهم. والتسامح الاجتماعي الذي يعني العيش بأمان مع الآخرين، وتقبُّل أفكارهم وممارساتهم التي قد يختلف الفرد معها.

ومن البديهي القول إن ثقافة التسامح والاعتدال في دولة الإمارات العربية المتحدة شائعة بل متأصِّلة؛ فهناك أبناء أكثر من 200 جنسـية يعيشون على أرضها، وينعمون بالحياة الكريمة والاحترام والمساواة فيها. كما تُعَدُّ دولة الإمارات العربية المتحدة حاضنة لقيم التسامح والاعتدال؛ حيث كفلت قوانينها العدل والاحترام والمساواة للجميع، وجرَّمت الكراهية والعصبية، وأسباب الاختلاف؛ لتصبح عاصمة عالمية تلتقي فيها حضارات الشـرق والغرب؛ لتعزيز السلام والتقارب بين الشعوب كافة، وجاءت دولة الإمارات العربية المتحدة في المركز الأول في مؤتمر التسامح لعامي 2017 و2018.

وقد جسَّدت دولة الإمارات العربية المتحدة، منذ تأسـيسها، نموذجاً متفرِّداً في تكريس قيم التعددية واحترام الآخر، وشكلت منصة مهمة لإطلاق المبادرات الرامية إلى نشـر قيم التسامح التي ترسخت على يد المغفور له، بإذن الله تعالى، الشـيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وإخوانه من الآباء المؤسسـين. لقد كان الحرص الإماراتي على تعزيز قيم التعايش، والانفتاح على الآخر، وتغليب لغة الحوار والتواصل الفكري، جزءاً من استراتيجية العمل التي قامت عليها ركائز الدولة؛ فباتت بحكم سـياساتها، القائمة على الوسطية والاعتدال واحترام حقوق الإنسان، منارة للتسامح، ونموذجاً حياً يحتذى به عالمياً.

وقد اتخذت دولة الإمارات العربية المتحدة مجموعة من القرارات والخطوات لترسـيخ التسامح بصفته مكوِّناً أساسـياً لاستقرار الدولة وازدهارها إلى جانب نمط العيش الذي تنتهجه منذ قيامها، فتمَّ سن تشـريعات وقوانين، وإطلاق مبادرات وبرامج محلية وإقليمية وعالمية، وإصدار قانون التعاون القضائي الدولي في المسائل الجنائية في عام 2006، وتشكيل اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب في عام 2009، وإصدار قانون مكافحة التمييز والكراهية، في خطوة استثنائية لإشاعة قيم الاعتدال والتسامح، فيما جاء تأسـيس وزارة للتسامح إيماناً من القيادة بأن التسامح هو الفضـيلة التي تيسـر قيام السلام وإحلال ثقافته، وكذلك إنشاء “المعهد الدولي للتسامح”، وجائزة محمد بن راشد آل مكتوم للتسامح.

ومن الأمثلة العملية لروح التسامح، التي تتمتع بها دولة الإمارات العربية المتحدة، توجيه صاحب السمو الشـيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بإطلاق اسم مريم أم عيسـى “عليهما السلام” على مسجد الشـيخ محمد بن زايد في منطقه المشـرف؛ وذلك ترسـيخاً للصلات الإنسانية بين أتباع الديانات.

وفي 15 ديسمبر 2018 أعلن صاحب السمو الشـيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عام 2019 في دولة الإمارات عاماً للتسامح؛ بهدف إبراز دولة الإمارات عاصمة عالمية للتسامح. وأخيراً فإن الزيارة التاريخية لقداسة البابا فرنسـيس لدولة الإمارات العربية المتحدة، أكبر دليل على تجسـيد الدولة مفاهيم التسامح، وقد رأس خلالها قداسة البابا قداساً تاريخياً، كما شهد توقيع وثيقة “الأخوَّة الإنسانية” مع فخامة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر في “دار زايد”، لتسجل بذلك دولة الإمارات العربية المتحدة بصمة جديدة في تعزير الحوار بين الأديان.

Share

المحاضر

يَوم الأربعاء 13 فبراير 2019

-

يَوم الأربعاء 13 فبراير 2019

-