الأزمة المالية العالمية: الدروس المستفادة والفرص المتاحة

بحضور سمو الشيخ ذياب بن زايد آل نهيان، رئيس مجلس إدارة “هيئة مياه وكهرباء أبوظبي”، وسعادة الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام “مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية”، تحدّث معالي الدكتور مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا الأسبق، الرئيس الفخري لمؤسسة “بيردانا للقيادة”، عن “الأزمة المالية العالمية: الدروس المستفادة والفرص المتاحة”، في محاضرة خاصة وسط حضور كبير ومميز من المسؤولين وأعضاء السلك الدبلوماسي والباحثين في الدولة.

وبعد أن أثنى معاليه على دعوته لزيارة الدولة و”مركز الإمارات”، أعرب الدكتور مهاتير محمد في مستهلّ حديثه عن بالغ إعجابه بالتجربة الثريّة لدولة الإمارات العربية المتحدة في البناء والتقدّم، وبالتطوّرات الكبيرة التي تحقّقت على الصُّعد كافة.

وأكد معاليه أن “الأزمة المالية” التي شهدها العالم مؤخراً ما كانت لتحدث لو أن السياسيين والاقتصاديين والباحثين على اختلاف دولهم، بحثوا في أسباب “الأزمة المالية” التي عصفت بالبلدان الآسيوية ومنها ماليزيا في التسعينيات من القرن الماضي، واستلهموا الدروس والعبر منها.

وأشار إلى أن من أبرز أسباب الأزمة نأي الحكومات عن التدخل في السوق. وهذا يعدّ في حد ذاته من الأخطاء الفادحة؛ فالسوق يجب ألا تترك لأولئك الذين لا يهمهم الرفاه الاقتصادي للمجتمع، بقدر ما يتسابقون إلى جني الأرباح الضخمة، ولو من خلال سوء استخدام قوانين السوق المالية والنقدية.

ومن ثم، شدّد المحاضر على ضرورة أن تتدخّل جميع الحكومات في التشريعات والقوانين والآليات التي تتعلّق بالسياسات النقدية والمالية، وفي المقدمة منها صندوق النقد الدولي. وكشف أن عدداً من البلدان الآسيوية خلال “الأزمة المالية” في التسعينيات من القرن الماضي راحت تطبق نصائح البنك وصندوق النقد الدوليين، ولكن لم تنجح أي منها في تجاوز الأزمة، باستثناء ماليزيا، التي تركت هذه النصائح جانباً، وشرعت في اتباع سياسات اقتصادية تدخلية.

وبين د. مهاتير أن المعضلة الكبرى في هذه الأزمة نجمت عن عدم وجود شفافية كافية لدى المؤسسات المالية؛ لأسباب عديدة، من أبرزها التهرب من دفع الضرائب، وممارسة كثير من الأمور من أجل كسب مزيد من الأرباح.

وأكد أن الوقت قد حان لأن نعيد التفكير جميعاً في سوء استخدام القوانين والتشريعات الخاصة بالنظم المالية والنقدية، وفي قوانين التجارة العالمية الحرة، التي كشفت عن أن الدول الفقيرة تتضرر دائماً وبشكل أكثر بكثير من البلدان الغنية، مشيراً إلى أن كثيراً من الغش والمضاربة يتمّ باسم هذه القوانين وباسم المنافسة، وباسم “دع السوق تعمل”.

وأخيراً، دعا الدكتور مهاتير محمد الدول إلى التفكير جدياً في ضرورة الاعتماد على الذهب في تحديد صرف العملات وفق معايير أسعار الصرف للذهب، بدلاً من العملات المعروفة في العالم، مثل الدولار واليورو، التي تتزايد مخاطر التعامل بها أكثر فأكثر. كما دعا الحكومات الوطنية إلى أن تولي اهتماماً خاصاً بأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ودعمها من دون تردّد.

فيديو المحاضرة

Share

خطاب فخامة الرئيس جورج دبليو بوش

السادة الوزراء، السادة أعضاء السلك الدبلوماسي، السادة الضيوف الكرام.. إنه لشرف عظيم لي أن تتاح لي فرصة الوقوف على أرض عربية كي أتحدث إلى شعب هذا البلد وإلى هذه المنطقة.

لقد لعبت الأراضي التي تعتبرها الأمة العربية وطنا لها على امتداد التاريخ دورا مركزيا في الشؤون العالمية. وتقع هذه الأرض على مفترق ثلاث قارات كبيرة هي أوروبا وآسيا وإفريقيا. وقد ولدت على هذه الأرض ثلاثة من أديان العالم السماوية العظمى، وشهدت ارتقاء وانحدار حضارات عظيمة. وها هي هذه الأرض في القرن الحادي والعشرين تلعب دورا مركزيا في الحضارة الإنسانية.

إن حقبة عظيمة لعهد جديد تتكشف أمامنا. ويقوم هذا العهد الجديد على أساس من المساواة بين جميع الشعوب أمام الله. ويقوم بناء هذه الحقبة الجديدة على مفهوم أن السلطة أمانة يجب أن يمارسها الحاكم بموافقة المحكومين، وأن تتحقق المساواة في العدالة بموجب القانون. وتوفر هذه الحقبة الجديدة أملا للملايين التي تتوق في الشرق الأوسط إلى مستقبل يعمه السلام والتقدم وتتاح فيه الفرص.

وهنا في أبو ظبي نرى بوضوح خطوط معالم هذا المستقبل. الذي بدأ ببنائه الأب المؤسس لهذا البلد، الشيخ زايد، لقد نجحتم في بناء مجتمع مزدهر في الصحراء، وفتحتم أبوابكم على اقتصاد العالم، وشجعتم المرأة على الإسهام في تطور بلدكم فاحتلت بعض أعلى المناصب الوزارية عندكم. وقد أجريتم انتخابات تاريخية للمجلس الاتحادي الوطني، وقدمتم للعالم نموذجاً للدولة الإسلامية المتسامحة تجاه أصحاب الديانات الأخرى. ولذا فأنا فخور أن أقف في بلد تتاح فيه الفرصة لأبناء الشعب كي يبني مستقبلا أفضل لنفسه ولعائلاته. وأشكركم على حسن ضيافتكم.

نحن في بلدي نتحدث عن هذه التطورات كتقدم للحرية، وقد يسميها الآخرون تقدم العدالة. غير أنه مهما كانت التسمية التي نستخدمها فإن المثال واحد. ففي المجتمع الحر العادل يُعامل كل فرد بكرامة، وفي المجتمع الحر العادل يكون القادة مسؤولين أمام أولئك الذين يخضعون لحكمهم. وفي المجتمع الحر العادل يرتفع الأفراد ويرتقون إلى أعلى ما تمكنهم مواهبهم ويوصلهم عملهم الجاد.

لقد ظلت شعوب هذه المنطقة تشهد على مدى عقود من الزمن حرمانها من الرغبة في الحرية والعدل في أوطانها واستبعدت في الخارج باسم الاستقرار. واليوم تتعرض أمانيكم للخطر من قبل متطرفين عنيفين يقتلون الأبرياء في سعيهم إلى السلطة. لقد اختطف هؤلاء المتطرفون الدين الإسلامي الكريم، وهم يسعون إلى فرض عقيدتهم الشمولية الاستبدادية على الملايين، فهم يبغضون الحرية ويكرهون الديمقراطية لأنها تتبنى التسامح الديني وتسمح للناس بأن يخطّوا مستقبلهم الخاص بهم. وهم يكرهون حكومتكم لأنها لا تشاركهم رؤيتهم المظلمة، وهم يكرهون الولايات المتحدة لأنهم يعلمون أننا نقف إلى جانبكم في التصدي لمطامعهم الوحشية. وهم أينما ذهبوا عمدوا إلى القتل والتخويف تحريضا على عدم الاستقرار وتحقيقا لأغراضهم.

إن واحدا من أسباب عدم الاستقرار وجود المتطرفين الذين يدعمهم ويحتضنهم النظام الجالس في طهران. فإيران اليوم في طليعة دول العالم التي ترعى الإرهاب. فهي ترسل مئات ملايين الدولارات إلى المتطرفين في مختلف أنحاء العالم، بينما يعاني شعبها القمع والمصاعب الاقتصادية في بلده. وهي تقوض آمال اللبنانيين بالسلام بتسليحها ومساعدتها جماعة حزب الله الإرهابية. وهي تخرب الآمال بالسلام في أجزاء أخرى من المنطقة بتمويلها الجماعات الإرهابية من أمثال جماعتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني، وترسل السلاح إلى طالبان في أفغانستان وإلى الشيعة في العراق. وهي تسعى إلى تخويف جيرانها بالصواريخ البالستية وخطابها المشاكس. وأخيرا فهي تتحدى الأمم المتحدة وتعمل على تقويض استقرار المنطقة برفضها أن تكون منفتحة وشفافة بالنسبة لبرامجها وطموحاتها النووية. فأفعال إيران تهدد أمن الدول في كل مكان. ولذا فإن الولايات المتحدة تعمل على تعزيز التزاماتها الأمنية الطويلة الأمد مع أصدقائنا في الخليج، ونعمل على حشد أصدقائنا حول العالم للتصدي لهذا الخطر قبل فوات الأوان.

والسبب الرئيسي الآخر لعدم الاستقرار هم المتطرفون الذين تحتضنهم القاعدة وشركاؤها. ففي 11 أيلول/سبتمبر 2001 قتلت القاعدة نحو 3,000 شخص على أرض الوطن الأمريكي. وكان بعض ضحايا ذلك اليوم من المسلمين الأبرياء. ومنذ ذلك الحين قتلت القاعدة وحلفاؤها كثيراً من المسلمين هنا في الشرق الأوسط، بمن فيهم النساء والأطفال.

وفي أفغانستان تحت حكم طالبان، وفي محافظة الأنبار بالعراق سيطروا بالتخويف والقتل، وهدفهم هو فرض الحكم المظلم ذاته على الشرق الأوسط كله. ولذا فهم يسعون إلى الإطاحة بحكوماتكم وإلى امتلاك أسلحة التدمير الشامل وإلى دق إسفين بين شعب الولايات المتحدة وشعوب الشرق الأوسط، لكنهم سيفشلون. فالولايات المتحدة تشارككم التزامكم بحرية المنطقة وأمنها، ولن نتخلى عنكم للمتطرفين والإرهابيين.

إن الحرب ضد قوى التطرف هي الكفاح الإيديولوجي العقائدي الكبير في زماننا. وتملك بلادنا في هذه الحرب سلاحا أشد قوة من القنابل أو الرصاص. إنه الرغبة في الحرية والعدل اللذين أدخلهما الله القدير في قلوبنا ولن يستطيع انتزاعهما أي إرهابي أو طاغية. ونحن نشهد هذه الرغبة عند 12 مليون عراقي غمسوا أصابعهم بالحبر الأرجواني عندما أدلوا بأصواتهم متحدين القاعدة. ونحن نرى تلك الرغبة عند الفلسطينيين الذين انتخبوا رئيسا ملتزما بالسلام والمصالحة. ونرى هذه الرغبة عند آلاف اللبنانيين الذين أدت احتجاجاتهم إلى تخليص بلدهم من محتل أجنبي. ونشهد هذه الرغبة عند المنشقين والصحفيين الشجعان الذين يجرؤون على المجاهرة بآرائهم ضد الإرهاب والقمع والظلم. ونرى هذه الرغبة عند الناس العاديين عبر الشرق الأوسط الذين ملّوا العنف وملوا الفساد وسئموا الوعود الجوفاء واختاروا مستقبلا حرا أينما لاحت لهم فرصة.

ونحن نشهد أيضا قادة في المنطقة بدؤوا يستجيبون لرغبات شعوبهم ويتخذون خطوات لتعزيز استقرار بلادهم ورخائها. وتمثل انتخابات مجلسكم الاتحادي الوطني الجزء الأول من إصلاح أوسع يهدف إلى جعل حكومتكم أكثر عصرية وأكثر تمثيلا. والجزائر أجرت أول انتخابات تنافسية على الرئاسة، وأجرت الكويت انتخابات سمحت فيها للمرأة بالتصويت وبأن تحتل منصبا رسميا لأول مرة. وأدلى المواطنون بأصواتهم في انتخابات بلدية في السعودية وفي الانتخابات البرلمانية التنافسية في الأردن والمغرب والبحرين وفي انتخابات رئاسية متعددة الأحزاب في اليمن. وفي مختلف أنحاء العالم تعيش غالبية الشعوب الإسلامية في مجتمعات حرة ديمقراطية، وينبغي لشعوب الشرق الأوسط أن تستمر في العمل في سبيل اليوم الذي يصدق فيه ذلك أيضا على الأرض التي اعتبرها الإسلام وطنه أولا.

ومع تقدم الحرية والعدل في هذا الجزء من العالم، فإن الانتخابات هامة، لكنها بداية. فالمجتمعات الحرة العادلة تتطلب وجود مؤسسات مدنية متينة مثل دور العبادة والجامعات والجمعيات المهنية والحكومات المحلية ومنظمات المجتمع. وتتطلب المجتمعات الحرة العادلة وجود مثابرة من الحكم الذاتي تساهم في حكم القانون. وتعتمد المجتمعات الحرة العادلة في نهاية المطاف على ظهور جمهور يشعر المواطنون فيه بأن لهم مصلحة حقيقية في مستقبل بلدهم. فكل هذه التطورات تسهم في تحقيق اللّحمة الرابطة بين الحاكم والمحكوم، وبين الشعب وبلده.

المجتمعات الحرة العادلة توجد أيضا الفرص لمواطنيها. وتبدأ تلك الفرص بالنمو الاقتصادي. فأعظم مورد في أي مجتمع ليس النفط الذي في الأرض ولا المعادن الموجودة تحت التربة، بل هي مهارات الشعب ومواهبه. أو كما سماها اقتصادي حائز على جائزة نوبل برأس المال البشري. وهنا عندكم فيض كبير من رأس المال البشري في هذه المنطقة من رجال ونساء مواطنين. وإنكم بتعزيز نظمكم التعليمية وفتح اقتصادكم تطلقون طاقاتهم وتخلقون مجتمعات نشطة تجارية وتبدؤون حقبة جديدة تكون عند الناس فيها الثقة بأن الغد سيأتي بفرص أكثر مما يتيح اليوم.

لقد حققت بلدان المنطقة خلال السنوات القلية الماضية تقدماً كبيراً؛ إذ يقول تقرير للبنك الدولي إن النمو الاقتصادي قوي وفي تصاعد. وقد انضمت المملكة العربية السعودية إلى منظمة التجارة العالمية، ووقع الأردن والبحرين وعمان والمغرب اتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحدة. وتجتذب بلدانكم مزيدا من الاستثمارات الأجنبية، فيما يشكل النفط عاملا رئيسيا في النمو الاقتصادي هنا. لكن بلدان الشرق الأوسط تستثمر الآن في الشعوب وتبني بنيتها الأساسية وتفتح الباب أمام التجارة والاستثمار الخارجيين. وأمريكا تؤيدكم في كل هذه الجهود. فنحن نعتقد أن التجارة والاستثمار هما مفتاح المستقبل المفعم بالأمل والمليء بالفرص. ونحن نعتقد أيضا بأنكم ستفتحون، كما نطالب نحن، أسواقكم لنا كما يجب أن نفتح نحن أسواقنا لكم. ونحن نجد في التحرك نحو الحرية الاقتصادية التي نراها في الشرق الأوسط عامة ما يشجعنا على ذلك.

غير أنه من المؤسف أننا شهدنا في خضم التقدم إلى الأمام في هذا المنطقة بعض النكسات أيضا. فلا يمكن بناء الثقة عندما تجري انتخابات حيث يجد مرشحو المعارضة أنفسهم معرضين للمضايقة أو في السجون. ولا يمكن أن نتوقع من الناس أن يصدقوا الوعود بمستقبل أفضل عندما يسجنون لمجرد أنهم يتقدمون إلى حكومتهم بمطالبهم سلميا. ولا يمكن أن نقيم دولة عصرية واثقة عندما لا يسمح للناس بأن يعبروا عن انتقاداتهم المشروعة.

إن الولايات المتحدة تدرك أن التقدم الديمقراطي يتطلب اتخاذ خيارات صعبة. وتاريخنا يعلمنا أن الطريق إلى الحرية لا يكون دائما سهلا ومن دون عقبات، وأن الديمقراطية لا تتحقق بين عشية وضحاها. ومع ذلك نحن نعلم أيضا أنه على الرغم من جميع الصعوبات فإن مجتمعا قائما على الحرية يستحق التضحية. ونحن نعلم أن الديمقراطية هي الشكل الوحيد للحكومة الذي يعامل الأفراد بالكرامة والمساواة اللتين هما حق لهم. ونعلم من التجربة أن الديمقراطية هي نظام الحكم الوحيد الذي يقود إلى سلام واستقرار دائمين. ففي النظام الديمقراطي، يعتمد القادة على شعوبهم، ومعظم الناس لا يريدون الحرب وإراقة الدماء والعنف. ومعظم الشعوب تريد حياة سلام وفرص. وعليه فإن سياسة الولايات المتحدة المعلنة هي دعم هؤلاء الناس الذين يطالبون بحريتهم كقضية حق طبيعي ومصلحة وطنية معا.

أنا أعترف بأن بعض الناس، بمن فيهم بعض الناس في بلدي، يعتقدون أن من الخطأ دعم الحرية الديمقراطية في الشرق الأوسط. إنهم يقولون إن الشعوب العربية ليست “جاهزة” للديمقراطية. وطبعا، ذلك بالضبط ما قاله بعضهم عن اليابانيين بعد الحرب العالمية الثانية. وقالوا إن وجود إمبراطور لا يتمشى مع الديمقراطية، وقال بعضهم إن الديانة اليابانية لا تتمشى مع الديمقراطية. وقال بعضهم إن الدفع بقضية الحرية إلى الأمام في اليابان والمحيط الهادي أمر غير حكيم، لأن مصالحنا تكمن في دعم قادة مؤيدين لأمريكا، أيا كانت الطريقة التي يحكمون بها شعبهم.

ولحسن الحظ أن أمريكا رفضت هذا الخيار، وظلت مؤمنة بقضية الحرية، ووقفت مع شعوب آسيا. وقد ظهرت النتائج الآن. فاليوم، لدى الشعب الياباني ديمقراطية عاملة فضلا عن إمبراطور يقوم حكمه على الوراثة. لقد حافظوا على ممارستهم الدينية التقليدية بينما تسامحوا مع معتقدات الآخرين. وهم محاطون بديمقراطيات عديدة تعكس التنوع الكامل للمنطقة. وبعض هذه الديمقراطيات لديها ملكيات دستورية، وبعضها لديها برلمانات، وبعضها لديها رؤساء. وبعض هذه الديمقراطيات لديها أغلبية مسيحية، وبعضها لديها أغلبية إسلامية، وبعضها لديها أغلبية هندوسية أو بوذية. ومع ذلك ورغم جميع الاختلافات، فإن دول آسيا الحرة تستمد جميعها سلطتها من موافقة المحكومين، وجميعها تنعم بالاستقرار الدائم الذي يمكن للحرية فقط أن تجلبه.

وهذا التحول ما كان ليحدث لولا وجود أمريكا ومثابرتها عبر عقود عديدة. وتماما مثلما ساعد التزامنا لآسيا الشعوب هناك على تأمين حريتها وازدهارها، سيساعدكم التزامنا بالشرق الأوسط على تأمين حريتكم وازدهاركم. وبوسعكم أن تعلموا من سجلنا في آسيا أن التزامنا حقيقي، وهو قوي، وهو دائم.

إن أمريكا اليوم تستعمل نفوذها لرعاية السلام والمصالحة في الأرض المقدسة. لقد بنى الإسرائيليون مجتمعا حديثا مزدهرا من التربة الصخرية وهم يريدون أن يعيشوا بحرية وأمن في بلدهم وفي سلام مع جيرانهم. والشعب الفلسطيني يتطلع إلى بناء دولة خاصة به؛ حيث يستطيع أن يعيش في كرامة ويحقق أحلامه. واليوم يدرك كل من الإسرائيليين والفلسطينيين أن الطريق الوحيد لتحقيق أهدافهم يتمثل في مساعدة كل منهما الآخر. وبعبارة أخرى، فإن دولة فلسطينية مستقلة، قابلة للحياة، ديمقراطية ومسالمة، هي أكثر من حلم للفلسطينيين. إنها أيضا أفضل ضمانة للسلام لجميع جيرانها، والإسرائيليون يعلمون هذا. إن القادة في الجانبين ما زال أمامهم كثير من القرارات الصعبة، وسيكون عليهم أن يدعموا هذه القرارات بالتزامات حقيقية. لكن الوقت قد حان؛ لأن تكون هناك أرض مقدسة يعيش فيها الفلسطينيون والإسرائيليون معا في سلام.

إن أمريكا ستقوم بدورها. وفي أنابوليس في تشرين الثاني/نوفمبر، دعت الولايات المتحدة الإسرائيليين والفلسطينيين وأعضاء آخرين في المجتمع الدولي للمجيء إلى مؤتمر. وأنا أقدر حقيقة أن بلدكم أرسل مندوبا. كان أمرا باهرا أن نرى رئيسا فلسطينيا ورئيس وزراء إسرائيليا يخطبان في قاعة مليئة بقادة عرب معا. وكانت النتيجة أن أطلق الفلسطينيون والإسرائيليون مفاوضات من أجل إنشاء دولة فلسطينية وسلام أوسع.

المفاوضات ما زالت في بدايتها، وآمالنا عالية. وقد اجتمعت في مستهل رحلتي مع قادة إسرائيليين وفلسطينيين، وقد خلّف الاجتماع انطباعا قويا في نفسي بالتزامهم السير قدما. إننا بدعمنا التطلعات المشروعة للجانبين، سنشجع على المصالحة بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، ونرعى مصالحة بين الإسرائيليين والعرب، ونبني أساسا لسلام دائم يسهم في أمن كل دولة في الخليج.

وبينما تبنون شرق أوسط ينمو في سلام وازدهار، ستكون الولايات المتحدة شريكة لكم. وكما فعلنا في أماكن تمتد من آسيا لأوروبا، فقد أقمنا علاقات جديدة مع أصدقاء وحلفاء، وهي علاقات مصممة لمساعدتكم على حماية شعوبكم وحدودكم، وكما فعلنا في أماكن تمتد من آسيا لأوروبا، نحن نساعدكم على إدخال اقتصادكم إلى السوق العالمية. وكما فعلنا في أماكن تمتد من آسيا لأوروبا، أطلقنا برامج مصممة لمساعدتكم على ترويج إصلاح اقتصادي وفرص تعليمية ومشاركة سياسية.

الولايات المتحدة لا رغبة لديها في الحصول على الأرض. إننا ننشد أمننا المشترك في حريتكم. ونعتقد بأن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق إلا عبر شرق أوسط حر وعادل ? حيث يهمّش الإرهابيون من قبل أمهات وآباء يريدون أن تتاح لأطفالهم نفس الفرص المتاحة لأطفالنا.

وعليه أود اليوم أن أتحدث مباشرة إلى شعوب الشرق الأوسط.

للشعب الفلسطيني أقول: إن الكرامة والسيادة اللذين هما حق لكم هما في متناول أيديكم اليوم. لديكم الرئيس عباس، وهو زعيم يدرك بأن الطريق إلى الأمام يكمن عبر مفاوضات سلام. فساعدوه كي يتخذ القرارات الصعبة من أجل السلام. قاوموا المتطرفين والإرهابيين الذين يمثلون أكبر تهديد للدولة الفلسطينية. وستساعدكم الولايات المتحدة على بناء مؤسسات الديمقراطية والازدهار وتحقيق أحلامكم بإقامة دولتكم.

ولشعب إسرائيل أقول: تعلمون أن السلام والمصالحة مع جيرانكم هما أفضل طريق لأمن طويل الأجل. نحن نعتقد بأن السلام ممكن، رغم أنه يتطلب قرارات صعبة. وستقف الولايات المتحدة دائما مع إسرائيل في وجه الإرهاب. وسندعمكم بينما تعملون لتوفير الأمن لشعبكم، وتجلبون السلام والمصالحة للأرض المقدسة.

وللشعب العراقي أقول: لقد جعلتم الديمقراطية خيارا لكم ووقفتم بثبات في وجه أعمال قتل رهيبة. لا يمكن للإرهابيين والمتطرفين أن يسودوا. إن ما يعذبهم هو رؤية رجل مسن يدلي بصوته، أو فتاة صغيرة تذهب إلى المدرسة؛ لأنهم يعلمون أن ديمقراطية ناجحة هي تهديد قاتل لمطامعهم. إن الولايات المتحدة تقاتل جنبا إلى جنب مع سنة، وشيعة وأكراد العراق لاستئصال الإرهابيين والمتطرفين. وقد سددنا ضربات خطيرة لهم. وستستمر الولايات المتحدة في دعمكم بينما تبنون مؤسسات المجتمع الحر. ومعا سنهزم أعداءنا المشتركين.

ولشعب إيران أقول: أنتم أغنياء بالثقافة والموهبة. إن لكم الحق بأن تعيشوا في ظل حكومة تصغي إلى رغباتكم، وتحترم مواهبكم، وتتيح لكم بناء حياة أفضل لعائلاتكم. ولكن لسوء الحظ، فإن حكومتكم تحرمكم من هذه الفرص، وتهدد سلام واستقرار جيرانكم. وعليه، نحن ندعو النظام في طهران أن يلتفت لإرادتكم، وأن يجعل نفسه موضع محاسبة من قبلكم. سيأتي اليوم الذي يكون فيه لشعب إيران حكومة تحتضن الحرية والعدالة، وتنضم إيران فيه إلى مجتمع الدول الحرة. وعندما يحل ذلك اليوم الخيّر، لن تجدوا صديقا لكم أفضل من الولايات المتحدة الأمريكية.

وللقادة عبر الشرق الأوسط الذين يقاتلون المتطرفين أقول: إن الولايات المتحدة ستقف معكم بينما تواجهون الإرهابيين والمتطرفين. ونحن نهيب بكم أن تنضموا إلينا في تخصيص الموارد لمساعدة الفلسطينيين على بناء مؤسسات مجتمع حر. ساعدوا مواطني لبنان للمحافظة على حكومتهم وسيادتهم في وجه ضغط خارجي من جيرانهم. أظهروا للعراقيين أنكم تدعمونهم في جهدهم لبناء دولة أكثر رخاء. وحين تقومون بهذه الأمور، فإن أفضل طريقة لهزم المتطرفين في أوساطكم هي بفتح مجتمعاتكم، والثقة بشعوبكم، وإعطائهم صوتا في بلادهم.

وأخيرا، لشعوب الشرق الأوسط أقول: إننا نسمع صرخاتكم من أجل العدالة. ونحن نشاطركم الرغبة بمستقبل حر ومزدهر. وبينما تكافحون من أجل إسماع صوتكم وشق طريقكم في العالم، فإن الولايات المتحدة ستقف معكم.

بالنسبة إلى معظم العالم ليس هناك من رمز لأمريكا أعظم من تمثال الحرية. لقد صممه رجل جال كثيرا في هذا الجزء من العالم، وتصور في الأصل زوجته تحمل مشعلا وهي تقف فوق قناة السويس. وفي النهاية نصب المشعل طبعا في ميناء نيويورك حيث كان ولا يزال ملهما لأجيال من المهاجرين. وأحد هؤلاء المهاجرين كان شاعرا وكاتبا اسمه أمين الريحاني. وهو إذ حدّق بمشعلها الذي ترفعه عاليا، تساءل عما إذا كان ممكنا أن ينتصب شقيقها في أرض أجداده العرب. وقد قال يومها: “متى ستديرين وجهك نحو الشرق، أيتها الحرية؟”

أصدقائي، إن مستقبلا من الحرية يقف أمامكم. إنه حقكم. وهو حلمكم. وهو قدركم.  ليبارككم الله”.

Share

التحديات والفرص في منطقة الشرق الأوسط: المنظور الأمريكي

يقدم الشرق الأوسط اليوم الكثير من الفرص، منها: الانسحاب الإسرائيلي من غزة وأجزاء من الضفة الغربية، وبالتالي التحرك نحو التسوية الشاملة للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وتعزيز الديمقراطية والنظام في العراق بعد صدام، ولبنان بعد الانسحاب السوري، وتشجيع الإصلاح السياسي، والاجتماعي، والتعليمي، والاقتصادي في المنطقة كلها. وعلى أي حال، لن يكون تحقيق أي من هذه الفرص سهلاً، ولن يكون النجاح في أي حالة حتمياً. ولهذا السبب، فإن كل هذه الفرص يمكن أيضاً وصفها بدقة على أساس أنها تحديات.

هناك أيضاً تحديات يطرحها برنامج إيران النووي، ووجود الجماعات الإرهابية، وتنوع المجموعات السكانية بصفاتها المميزة وخصائصها الأساسية. وعلى الرغم من أن التقدم نحو تحقيق مجموعة واحدة من الفرص (أو مواجهة مجموعة واحدة من التحديات) يمكن أن يساعد في المجموعات الأخرى، فإن الصحيح أيضاً أن الانتكاسات في مجال واحد يمكن أن تؤدي إلى تعقيد محاولات تحقيق التقدم في المجالات الأخرى. وفي هذا الصدد، فإن سياسات الحكومات المحلية وسلوك الشعوب ستكون ذات أهمية حاسمة، ولكن هذا ينطبق أيضاً على السياسات والسلوك لدى الولايات المتحدة الأمريكية أقوى دولة في العالم وأكثرها نفوذاً. ومن ثم فإن مستقبل هذه المنطقة يظل غير مؤكد بالقدر نفسه الذي كان عليه دائماً.

Share

السياسة الأمريكية تجاه العراق عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001

على أثر الهجمات الإرهابية التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، قامت إدارة الرئيس جورج بوش بإعادة صياغة السياسة الخارجية الأمريكية في أنحاء العالم وتوجيهها نحو العمل على مكافحة الإرهاب. كان لعملية إعادة الصياغة هذه تأثيرات مهمة في السياسة الأمريكية نحو الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي على وجه الخصوص. إن جوهر المصالح الأمريكية في منطقة الخليج العربي ما يزال دون تغيير وهو المحافظة على الاستقرار الإقليمي والاستقرار في أسعار النفط العالمية. غير أن المدخل التكتيكي للإدارة الأمريكية نحو تحقيق هذه الأهداف قد تم تغييره بطرق معينة، ويتجلى ذلك في توجهات واشنطن نحو ثلاث دول رئيسية من دول الخليج العربي هي العراق وإيران والمملكة العربية السعودية. ومن الممكن أن تساعد هذه التغييرات على تكوين توجه أمريكي جديد للتعامل مع منطقة الخليج العربي عامة، اعتماداً على الكيفية التي ستتكشف بها الأحداث في المنطقة خلال العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة.

تركز هذه المحاضرة على موضوع السياسة الأمريكية تجاه العراق، فقد جاءت إدارة الرئيس بوش إلى الحكم ولديها رغبة قوية في القيام بشيء مختلف فيما يتعلق بالعراق، غير أنه لم يحدث اتفاق حول تحديد ما يجب أن يكون عليه هذا المسار العملي الجديد. ودرج المسؤولون المدنيون في وزارة الدفاع، بعد تركهم المنصب، على إبداء حماس وتأييد شديد لانتهاج سياسة عسكرية أكثر صرامة ضد نظام صدام حسين. ولكن وزير الخارجية الجديد، كولن باول، الذي أدرك أن نظام العقوبات الدولية أضحى غير قابل للدفاع عنه على نحو متزايد، قام بإدخال تغييرات في هذا النظام، وهذه واحدة من أولى مبادرات سياسته.

Share