هدم المدرسة العربية

  • 6 نوفمبر 2016

بقلم : د. خليفة علي السويدي

أزعم أني باحث في مجال التربية والتعليم منذ أكثر من ثلاثين سنة، وقرأت الكثير من الدراسات والأبحاث، وشاركت في الكثير من المؤتمرات آخرها مؤتمر مركز الإمارات للدراسات حيث تبلورت لدي هذه الفكرة. كما زرت أفضل الممارسات التربوية في العالم، وشهدت الكثير من التغيرات التي مرت بمجال التربية، وأدرك بتجربتي وخبرتي أن التغيير في التعليم من أصعب التحديات التي واجهتها الدول.

دعوني أقرب إليكم الصورة، عندما يسكن الإنسان في منزل متهالك مضى عليه الزمن، يسعى كل شهر وسنة إلى إدخال تحسينات عليه، فيخصص لتلك الصيانة ميزانية متواضعة اعتقاداً منه أنه بهذا سيعيش أحسن من غيره، لأن عنده بيت يسكنه، وتبدأ مشاكل هذا المنزل في التفاقم، لكنه في لحظة يقظة عقلية يدرك أن المنزل ليس بحاجة إلى صيانة أو حلول ترقيعية، لكن الوقت قد حان لهدمه وإعادة بنائه وفق أحدث المعايير الدولية.

التعليم العربي في تصوري قد وصل إلى هذه المرحلة، لكن تنقصنا الشجاعة الفكرية والخطوات العملية لاتخاذ هذا القرار، وللفرار منه نلجأ كل عام إلى الصيانة باستحداث مناهج أو إضافة مقررات، وكثيراً ما نسمع في العالم العربي عن خطط إصلاح وتطوير التعليم، لكننا ندور في حلقة مفرغة، والنتيجة أن خطط تطوير المجتمع، قد جاوزت المدرسة حتى أصبح السؤال المحرج، الذي لا نستطيع الإجابة عنه عندما يسألنا إياه أحد التلاميذ، لماذا أذهب إلى المدرسة؟ ولماذا أدرس هذا العدد من المقررات؟

الإمارات العربية المتحدة لديها مقومات خوض هذه التجربة، وابتداع مدرسة عربية جديدة تماماً تقوم على أنقاض المدرسة التقليدية. لقد كسرت الإمارات عرف الرتابة العربية في كل شيء، حتى أصبحت نموذجاً يُحتذى وأمنية كل عربي أن يرى ما تحقق في الإمارات يستنسخ في وطنه، هنا أمن وأمان وحقوق للإنسان، حركة بناء لا تعرف السكون بشقيها المادي والمعنوي، إلا التعليم فما زال لم يراوح مكانه. وبدلاً من أن نسعى إلى تطوير فكر المدرسة الإماراتية، قررنا في لحظة من تاريخنا المعاصر، فتح الباب أمام استيراد تجارب العالم، حتى أصبحت التربية والتعليم في الإمارات مزيجاً غير متجانس من الممارسات، فلدينا مدارس أميركية المناهج وأخرى بريطانية النظام، وثالثة عالمية المحتوى وحولها مناهج وطنية في حقيقتها تلخص المدرسة العربية.. فهل نستطيع أن نفكر خارج الصندوق للبدء بمدرسة إماراتية تُرضي أبناءنا وتحقق أمنياتنا، وعندما ننجح في تجربتنا تستطيع الدول العربية تعلمها منا واستنساخ تجربتنا في مجتمعاتهم.

ما الذي يؤهل الإمارات للقيام بهذه المهمة الحضارية؟ سؤال من السهل الإجابة عنه، فللإمارات قيادة غير تقليدية نجحت في تطوير هذا المجتمع حتى وصلت الإمارات إلى تحقيق الرقم الأول في جل القطاعات، وهذه القيادة الملهمة بإمكانها تحقيق حلم المدرسة الإماراتية المستقبلية، الأمر الثاني هو الميزانية الضخمة التي تم رصدها للتعليم، ففي آخر قرارات مجلس الوزراء الموقر تم تخصيص 20٪ من الميزانية الاتحادية للتعليم بواقع 10 مليارات درهم، ولو أضفنا إلى هذا الرقم ما تخصصه إمارة أبوظبي للتعليم لتضاعفت الميزانية، وأنا أدرك أن من أسباب عجز المدرسة العربية عن التطوير هي العقبة المالية التي ليست لدينا، المقوم الثالث لنجاح التجربة الإماراتية أننا بلد منفتح على تجارب العالم، ونعرفها عن قرب لأن جلها مطبق في الإمارات، فما الذي يمنعنا من بناء المدرسة الإماراتية التي نحلم بها؟ في تصوري أنه الخوف من الفشل، فمن السهل على الإنسان أن يستمر في صيانة الموجود لديه بدلاً من هدمه والبدء من جديد، فهل يتبنى مركز الإمارات للدراسات هذه الفكرة ونرى تلك المدرسة؟

 

رابط الخبر 

Share