نفط قزوين: ثلاثة مشاريع متنافسة

  • 17 سبتمبر 2010

بقلم: محمد ولد المنى

كشف انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 الغطاء عن وجود ثاني أغنى إقليم جغرافي بالنفط والغاز بعد الخليج، ألا وهو حوض بحر قزوين الذي يصل احتياطيه المؤكد من النفط نحو 30 مليار برميل، بينما يقدر احتياطيه المحتمل بحوالي 144 مليار برميل. لكن استثمار الموارد النفطية لدول بحر قزوين حديثة الاستقلال (كازاخستان وتركمانستان وأذربيجان) واجه مشكلة جغرافية عويصة؛ كونها دولاً حبيسة لا تتصل بالبحار المفتوحة، مما تحتم معه الاعتماد على مد خطوط أنابيب لتصدير الثروات النفطية لهذه الدول عبر البحار والممرات المائية… ومن ثم برز السباق بين مشاريع أهمها: المشروع الروسي، والمشروع الأميركي -التركـي، والمشروع الإيراني.

“التنافس الدولي على مسارات أنابيب نقل النفط من بحر قزوين”، وهو عنوان الكتاب الذي نعرضه هنا، لمؤلفه الدكتور دياري صالح مجيد… أشعل حرباً باردة جديدة، لاسيما بين روسيا والولايات المتحدة، كما أعطى للجغرافيا السياسية الدور الأكثر تأثيراً في تحديد مسار كل مشروع من المشاريع المذكورة.

وكما يوضح الكتاب، فقد لعبت روسيا في السابق دوراً مهماً في عملية نقل النفط من بحر قزوين، ولا تزال تحاول لعب الدور نفسه عبر مشروعها لخط الأنابيب المؤلف من جزءين: أولهما يمتد من باكو إلى ميناء نوفورسيسك في جروزني على البحر الأسود، والثاني من تنجيز إلى نوفورسيسك مروراً بتيخوريستك. وقد سعت روسيا في ظل هذا المشروع إلى تحقيق العديد من المكاسب الجيوبوليتيكية في المنطقة، ما جعل استراتيجيي الكرملين يؤكدون مدى الأهمية التي تحظى بها منطقة قزوين -القوقاز؛ كونها النقطة الأساسية في اللعبة الجيوبوليتيكية الجديدة هناك. ومن الأهداف الرئيسية لذلك المشروع إعادة سيطرة روسيا على المنطقة كمجال حيوي لنفوذها، فضلاً عن تكريس السيطرة عبر شركاتها النفطية على صناعة النفط هناك، وتقويض التهديدات التي تواجهها وخاصة في القوقاز.

وفي مقابل المشروع الروسي برز شوق الولايات المتحدة الأميركية إلى لعب دور في خريطة مسارات أنابيب نفط قزوين، والسعي لملء الفراغ الجيوستراتيجي هناك. لهذا جاء مشروع باكو -جيهان بالتعاون مع تركيا وإسرائيل لتحقيق بعض المصالح والأهداف الجيوبوليتيكية الأميركية. وهو خط بطول 1073 كيلومتراً، ويمر عبر أذربيجان وجورجيا وتركيا، وتجاوزت كلفته الإجمالية ثلاثة مليارات دولار. وجاء اعتماد الولايات المتحدة في هذا المشروع على حليفتها الاستراتيجية تركيا في ضوء الموقع الجغرافي المهم لهذه الأخيرة من جهة، وفي ضوء روابطها التاريخية بدول المنطقة. وإلى ذلك فقد تصاعدت الأهمية الإجمالية للمنطقة، وبخاصة دولها النفطية حديثة الاستقلال، في الاستراتيجية الأميركية. وقد تم افتتاح خط الأنابيب باكو -جيهان في عام 2005 لربط دول قزوين بالاستراتيجية الأميركية الرامية إلى السيطرة على أهم حوضين للنفط في العالم، الخليج العربي وبحر قزوين. لذا يدافع الكتاب عن الفرضية الجيوبوليتيكية القائلة بأن النفط يمثل الأداة المحركة للاقتصاد الدولي، ومن يسيطر على الإقليم الجغرافي الأهم للنفط (الخليج وقزوين) سوف يسيطر على الاقتصاد الدولي، ومن يسيطر على الاقتصاد العالمي يسيطر على العالم.

أما إيران فقد سعت إلى استغلال موقعها الجغرافي وخطوط أنابيبها، لنقل النفط من بحر قزوين إلى موانئها على الخليج العربي، معتبرة أن مشروعها أفضل المشروعات، لأنه الأرخص سعراً والأسرع نقلا، وأنه لا يواجه عقبات جيوبوليتيكية كالتي تواجهها المشروعات الأخرى. وبذلك المشروع تحاول إيران تحقيق مصالح جيوبوليتيكية عبر تعزيز مكانتها في سوق الطاقة العالمية، وتدعيم نفوذها في منطقة قزوين والقوقاز. بيد أن المشروع لقي رفضاً أميركياً عنيفاً، بهدف إقصاء إيران عن عملية نقل نفط المنطقة. وذلك -كما يقول المؤلف- يرتبط بمعارضة واشنطن أي دور لقوة معادية في استغلال نفط بحر قزوين.

ولإظهار “التقارب” بين مشروعي روسيا وإيران، يقول المؤلف إنهما تسعيان إلى تقويض التوجه الأميركي التركي الإسرائيلي نحو المنطقة، عبر محاولتهما دعم الاضطرابات التي تمثلها المشكلات الأمنية الممتدة كقنابل موقوتة على طول مسار خط الأنابيب باكو -جيهان. لكن هل حقاً بقي ذلك التحالف بصيغته الثلاثية بعد كل ما جرى من مياه تحت جسر العلاقة بين أنقرة وتل آبيب؟!

رابط المقال

Share