من وحي «السراب»: مستقبل الجماعات الدينية السياسية

  • 16 ديسمبر 2016

بقلم : محمد ولد المنى

خلال المراحل النهائية من عمله في كتابه «آفاق العصر الأميركي.. السيادة والنفوذ»، توصل الدكتور جمال سند السويدي، المفكر والكاتب والخبير الاستراتيجي الإماراتي ومدير عام «مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية»، إلى قناعة مفادها أن فهم المشهد الراهن للعلاقات الدولية وتأثيراته على العالمين العربي والإسلامي، يتطلب أيضاً اكتشاف المعوقات التي تحول دون تفاعل كثير من الدول العربية والإسلامية مع الواقع العالمي الراهن، وفي مقدمة هذه المعوقات ارتهان تلك الدول ومجتمعاتها لأيديولوجية الجماعات الدينية السياسية التي باتت تمثل إحدى عقبات التنمية والتطور والحداثة فيها. وهذا ما ناقشه بتعمق في كتابه «السراب»، حيث أوضح أن حال الملايين من شعوب الدول العربية والإسلامية ممن ظنوا في الجماعات الدينية والسياسية خيراً، واعتقدوا بامتلاكها مقدرة على إصلاح الأوضاع وتحقيق طموحاتهم التنموية والعبور بمجتمعاتهم إلى بر الحداثة والتطور.. هو حالٌ أقرب إلى حال من خُدع بظاهرة السراب التي يخيل للناظر أنها شيء وهي ليست بشيء. كما فنّد، في الكتاب ذاته، فكر تلك الجماعات وكشف بطلان دعاواها وشعاراتها وطروحاتها الزائفة، وسعيها الدائم إلى تنويم الشعوب من خلال توظيف مصطلحات دينية تلعب على العاطفة والفطرة الطيبة لأغلبية الشعوب المسلمة التي تعاني الأمية والجهل، وتنساق لكل خطاب باسم الله والرسول.

أما في كتابه الصادر مؤخراً، «مستقبل الجماعات الدينية السياسية.. من وحي كتاب السراب»، والذي نعرضه هنا بإيجاز، فيناقش الدكتور جمال سند خمسة محاور تتعلق بالجماعات الدينية السياسية، وهي التجربة الفاشلة لهذه الجماعات في الحكم، وطبيعة فكرها المتطرف، ومستقبل نشاطها السياسي والمجتمعي، وما يجب فعله في مواجهتها، وأخيراً تجربة الإمارات الثرية في مواجهة الفكر المتطرف.

وفي المحور الأول يبين المؤلف كيف بدا من الواضح لدى وصول جماعة «الإخوان المسلمين» إلى السلطة، في الدول التي شهدت أحداثَ ما يسمى «الربيع العربي»، تهافت الأطروحات التي ترفعها هذه الجماعة، وأنها لا تعدو أن تكون مجرد شعارات براقة، بعيدة عن الواقع الذي تعيشه الشعوب، ولهذا فشل «الإخوان» في اختبار الحكم وإدارة الدولة، لأن جماعتهم لم تكن تمتلك الخبرات ولا الكوادر المؤهلة للتعامل مع المشكلات الحقيقية التي تعانيها الشعوب العربية، كما لم تكن تمتلك المشروع المجتمعي ولا البرنامج الواضح للنهوض بالمجتمع تنموياً. وإلى ذلك فإنه في الوقت الذي كانت تدعي فيه هذه الجماعة الدينية أنها مؤمنة بالديموقراطية والشورى والتشاركية في إدارة الحكم، إذا بها تنقلب على شركائها وتظهِر وجهها الحقيقي، وذلك بعد وصولها إلى الحكم، لتظهر في صورة من الدكتاتورية والاستبداد، غير عابئة سوى باحتكار السلطة والسيطرة على مفاصل الدولة، ضمن ما يعرف بـ«الأخونة»، حيث عملت على تهميش معارضيها وإقصائهم من الحياة السياسية، كما ضربت عرض الحائط بمفاهيم أساسية مثل: المواطنة والمساواة والمشاركة في إدارة شؤون الدولة وتحمل مسؤولياتها. ومن هنا، يقول المؤلف، فقد كشفت تجربة «الإخوان المسلمين» في مصر وحزب «حركة النهضة» في تونس، عن حقيقة مهمة، ألا وهي أن الجماعات الدينية السياسية لم تستوعب أولويات مجتمعاتها، كما لم تتفطن إلى مغزى التدين الفطري الذي تتسم به هذه المجتمعات، وأن الأولوية الرئيسة للشعوب هي تحقيق مطالبها في العيش الكريم من خلال برامج وخطط تنموية حقيقية، بعيداً عن الخطاب الديني البرّاق الذي لا يستوعب مفردات العصر، ولا يستطيع مواكبة تجارب التنمية والتحديث والتطور. ومن هنا يؤكد الدكتور جمال سند أن هذه التجربة القصيرة للجماعات الدينية السياسية في الحكم، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن هذه الجماعات تمثل الخطر الحقيقي على وحدة المجتمعات العربية وأمنها واستقرارها، علاوة على كونها تقدِّم صورة مشوّهة عن الدين الإسلامي الحنيف، وتخدم أعداءه المتربصين به.

وحول الجذور الفكرية للجماعات الدينية المتطرفة، يوضح المؤلف أن الممارسات المتشددة للجماعات الدينية السياسية لا تمت إلى مبادئ الدين الإسلامي الحنيف بصلة، بل هي تطبيق فج لأفكار ورؤى متشددة وردت في كتب لأبي الأعلى المودودي، ولِمُنظِّر جماعة «الإخوان المسلمين»، سيد قطب، والذي يعد كتابه «معالم في الطريق» واحداً من أهم الأوعية الفكرية للتطرف والإرهاب، حيث نهلت منه وما تزال الجماعات الدينية السياسية المتشددة، ونمت وانتشرت بسببه ثقافة العنف والتطرف في العالمين العربي والإسلامي، بينما كان المودودي هو المرجع الذي استند إليه قطب في مفهوم «الحاكمية» الذي يصنف المجتمعات العربية والإسلامية على أنها مجتمعات جاهلية ولا سبيل لتقويمها وإعادتها إلى سبيل الرشاد إلا بتطبيق هذا المفهوم المتشدد، في نزوع تكفيري بيِّن وإطلاق القول بضلالة المجتمعات. وعلى ضوء ذلك يوضح المؤلف أن خبرة السنوات الماضية كشفت حقيقة الجماعات الدينية السياسية، وأكدت في الوقت ذاته أنها تقف وراء موجات التطرف والعنف والإرهاب التي يشهدها عدد من دول المنطقة والعالم من حولنا، مما يثبت أيضاً أن هذه الجماعات في تراجع وأفول مستمرين، وأنه لا مستقبل لها داخل المجتمعات العربية والإسلامية.

وفي المحور المتعلق بمستقبل الجماعات الدينية السياسية، يحذِّر الدكتور جمال سند السويدي من أن تراجع هذه الجماعات وانحسار نفوذها، لا يعني انهيارها بشكل كامل أو غيابها عن المشهد السياسي، قائلاً إنها تراقب الأوضاع والتطورات، وتراهن على فشل الحكومات في الاستجابة لمطالب الشعوب في الأمن والتنمية والاستقرار والتطور الاقتصادي، ولهذا فهو يعتقد أن مستقبل هذه الجماعات، وخاصة «الإخوان المسلمين»، يتوقف على البيئة المحيطة، ومدى قدرة الحكومات على توفير ظروف أفضل للشعوب، وقطع الطريق على جماعة «الإخوان» وغيرها للدخول من باب الأزمات المعيشية وغياب العدالة الاجتماعية، كما فعلت من قبل ونجحت في خداع الجماهير ووصلت إلى السلطة من خلال توفيرها بعض الاحتياجات وتقديم المساعدات لشرائح اجتماعية مختلفة. وفيما يتوقع البعض أن تستفيد الجماعات الدينية من تجربتها الفاشلة في السلطة، لإعادة تقويم مواقفها ورؤاها المختلفة، وخاصة فيما يتصل بإشكالية العلاقة بين الدين والسياسة، وأن تدرك أن خلطها بين الأمرين كان السبب وراء فشل مشروعها، يلاحظ المؤلف أن معظم هذه الجماعات لا يزال يصر على تسييس الدين وتديين السياسة، من خلال تبني شعارات ودعوات ظاهرها الدفاع عن «شرع الله» وباطنها السياسة وهدفها البحث عن السلطة والنفوذ.

لكن ما الذي يجب فعله أمام المحاولات المستمرة للزج بالدين في الصراعات السياسية؟ في هذا المحور يقول المؤلف إن الأمر يتطلب الآن، أكثر من أي وقت مضى، التحرك نحو مواجهة الجماعات الدينية السياسية من خلال استراتيجية شاملة تتحرك على مسارات متوازية، أولها دحض الأفكار الهدامة التي تحاول هذه الجماعات ترويجها بين فئات المجتمع، وهذه مهمة تقع على عواتق رجال الدين والوعاظ المعتدلين. وثانيها التحرك نحو تعزيز الوعي المجتمعي بالخطر الذي تمثله جماعات الإسلام السياسي وحركاته، لا على أمن الشعوب العربية والإسلامية واستقرارها فحسب، وإنما أيضاً على صورة الإسلام بوصفه ديناً حضارياً يؤمن بالوسطية والاعتدال. وثالثها التحرك نحو نشر ثقافة الوسطية والتعايش، لاسيما في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الأمتين العربية والإسلامية، حيث أصبح الدين مادة جدالية مثيرة للاختلافات بين فئات المجتمع، بسب الفكر الهدام الذي تقف وراءه هذه الجماعات.

ومن التجارب الرائدة في التصدي لذلك الفكر، يتوقف الدكتور جمال سند السويدي عند التجربة الثرية لدولة الإمارات العربية المتحدة في مواجهة الأفكار والتيارات المتطرفة، إذ علاوة على كونها من أولى الدول التي دعت لمواجهة الفكر الإرهابي، فقد اتخذت مبادرات حقيقية استهدفت مواجهة التطرف والإرهاب، منها إطلاق مركز «صواب»، في عام 2015، بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية وبهدف دعم جهود التحالف الدولي في حربه ضد تنظيم «داعش»، وكذلك تشكيل «مجلس حكماء المسلمين» الذي تم إطلاقه في أبوظبي في عام 2014، بهدف تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، والتصدي لأصحاب الأيديولوجيات المتطرفة، ثم إنشاء المركز الدولي للتميز لمكافحة التطرف العنيف «هداية»، الهادف إلى تنسيق الجهود الإقليمية والدولية من أجل بناء القدرات وتقديم برامج لمكافحة التطرف العنيف، وإلى ذلك فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تقدم نموذجاً ثقافياً ملهماً في إطار الحرب الفكرية على الإرهاب، قوامه قيم الاعتدال والوسطية والتسامح والانفتاح والتعايش.. وهذا بطبيعة الحال ما يعد السلاح الأقوى في مواجهة الجماعات الدينية السياسية.

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=92296

Share