مستقبل العالم كما يراه د. جمال السويدي: «عصبيات افتراضية» وعصر أميركي طويل

  • 4 مايو 2014

بقلم: خالد عمر بن ققة

في مطلع العام الماضي (يناير 2013) نشر الدكتور جمال سند السويدي -مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية كتاباً، حمل عنوان “وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية: من القبيلة إلى الفيسبوك” في نسختين بالعربية والإنجليزية، وقد حظي الكتاب باهتمام كبير وشغل حيزا واسعا في وسائل الإعلام، ورأى فيه كثير من المهتمين مرجعا بحثيا يمكن التعويل عليه من طرف الباحثين والدارسين والمنشغلين بالإعلام الجديد بشكل عام.

غير أن الكتاب السابق، لم يأخذ حظه الكامل من التناول رغم العروض المنشورة في الجرائد والمجلات والمواقع الإلكترونية، لسببين: أولها: أن تلك العروض اتَّخذت -في الغالب- من الطرح الخبري مدخلاً ومخرجاً، أي إن المقالات اكتفت بعرض أهم ما جاء في الكتاب بشكل موجز، وكانت أقرب للتحليل السياسي منها للبحث أو حتى أدبيات التناول العلمي ودروسه.. وباختصار فقد أولت أهمية للكتاب وهي تستحضر في الذاكرة الدكتور جمال سند السويدي مدير عام مركز الإمارات للدراسات أكثر مما استحضرت أفكاره المطروحة في هذا الكتاب.

والسبب الثاني أن جمال سند السويدي فاجأ الباحثين والقراء بكتاب جديد نشره في نهاية يناير الماضي، حمل عنوان “آفاق العصر الأميركي.. السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد” باللغتين العربية والإنجليزية، مما جعل وسائل الإعلام والمراكز البحثية والجامعات تولي اهتماماً خاصاً للكتاب الجديد مما أثر سلباً على الكتاب الأول الخاص بوسائل التواصل الاجتماعي لجهة الاهتمام به، وإن كان قد أثر إيجاباً على المنجز العلمي للمؤلف.

وبناء على سبق فقد ارتأيت -إثراء للبحث وللإعلام- أن أتناول الدكتور جمال سند السويدي باعتباره مفكراً من خلال ما جاء في كتابيه، وقد اخترت لذلك عنوان “مفكر بين كتابين”.

من الصفحات الأولى لكتابه “وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية من القبيلة إلى الفيسبوك – 157 صفحة”، يحاول د.جمال سند السويدي إدخالنا في الزمن بأبعاده الثلاثة -الحاضر والماضي والمستقبل- عبر فكرة أساسية تختصر في الطموح البشري لجعل الغد دائماً أفضل من الحاضر، بغض النظر عن تحقيق أحلام الإنسانية من عدمها، وإن كان الكاتب لم يتطرق هنا لكيفية التراجع الذي يحدث للأمم والحضارات.

الطموح البشري

المهم أن الطموح البشري عبر الأحلام المتراكمة والمتجددة تُحقِّقُه في وقتنا الراهن -وقد بدأ ذلك منذ عقود- “التكنولوجيا الرقمية، التي أرست قواعد ثقافية إلكترونية عالمية امتدت عبر الزمان والمكان” (ص9)، الأمر الذي اهتم به مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية منذ عام 1997، وناقشه في مؤتمره الذي حمل عنوان “ثورة المعلومات والاتصالات وتأثيرها في المجتمع والدولة في العالم العربي” (ص 10)، وتلك الثورة هي التي أوصلتنا اليوم إلى التفاعل الواسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتحول من القبيلة إلى الفيسبوك على اعتبار أن “تلك الوسائل تعتبر “عصبيات افتراضية”، وهي سمة البنية الاجتماعية الجديدة في المجتمع الكوني الكبير كما ذكر الكاتب (ص11).

وبعيدا عن القبول أو الرفض لطرح السويدي القائم هنا على المقارنة بين القبيلة ووسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى الدخول في نقاش حول هذه القضية قد ينتهي بنا إلى نتائج مختلفة، كالقول إن الخلق مرتبط بالتعارف وبالانتهاء إلى أن الكرامة البشرية مرتبطة بالتقوى وليس بالمعرفة فقط، وأيضاً رفض القول بمطابقة أو حتى تقارب مجتمع الميديا الجديدة مع مجتمع القبيلة، فإن هناك جملة من الأسئلة تطرح هنا قد تمثل مدخلاً لإثراء النقاش حول دور العصبيات الافتراضية، منها: هل يمكن لها أن تتحول إلى قوة عسكرة في المستقبل؟، وكيف ستكون علاقة المواطن بالدولة في الخليج خاصة وفي المنطقة العربية عامة؟، وما العمل لمواجهة التحديات التي تواجه الحكومات والمواطنين؟، وما موقع العرب من التغيرات التي تشهدها أمم الفيسبوك؟، وما تأثير الدعم الخارجي للجماعات على مصير الدول العربية التي دخلت مرحلة التغيير الشامل؟.. الخ.

بشر «إنترنتيون»

يقدم السويدي إجابات لتلك الأسئلة وغيرها على طول فصول الكتاب، ويُبَيِّنُها بشكل أوضح وبمزيد من الشرح في الحوار، الذي يتكئ أساسا على أهم القضايا التي طرحها في كِتابَيْه، وهو في كل ذلك يحول تقديم رؤية استشرافية تستند إلى وقائع وأرقام ونتائج بحثية حدودها العالم، منها ما يشكل هاجسا وخوفا ليس للحكومات فقط -حين يتعلق الأمر بحرية ديمقراطية على مستوى المواقع عجزت السلطات الرقابية عن مراقبتها أو حتى متابعتها لكثرتها وتعددها وتنوعها- ولكنه أيضا يمثل خطرا داهما لأصحابها أنفسهم بعد أن تحولوا إلى “أناس إنترنيين”، وأصبح سؤالهم: ماذا سيحصل؟ بدل السؤال التقليدي: ماذا نفعل؟، (ص 60)، وهو نفس السؤال الذي وجهناه للدكتور السويدي، وقدم له إجابة تتعلق بالتغيير في العالم كما سيأتي لاحقاً.

غير أن السويدي لا يقف مبهوراً بتلك العصبيات الافتراضية -“بالرغم من أن بعض الباحثين يميل إلى وصف المدونين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بأنهم مؤرخو العصر” (ص 61)- إنما يُشخّص ببصيرة الجوانب السلبية فيها، وهي متعلقة بحياة البشر اليوم وآفاقهم المستقبلية، من ذلك عبء “الوفرة الاتصالية” على الإنسان، وما سببته من انعزالية وعدم اكتراث واغتراب، وضعف وتراجع قوة العلاقات الاجتماعية التقليدية ما بين الأفراد لصالح العلاقات الافتراضية، والتأثير في مكونات المنظومة التعليمية، وتعميق الفجوة الثقافية والحوار بين الأجيال، والتمكين للمرأة، وتغير القيم والعلاقات الأسرية، وأيضا تغير منظومة القيم الاجتماعية.

“العربية”.. ومصير اللغات

ونختم عرضنا لهذا الكتاب بالإشارة إلى واحدة من أهم القضايا التي طرحها الكاتب، وهي تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على اللغات، ومنها اللغة العربية، فالسويدي يرى “أن حالة التحول العالمية نحو الخيار الرقمي تسهم بالضرورة في تشكيل مستقبل اللغات.. وبات الحديث يتردد بين بعض الباحثين عن لغة دولية تتشكل من التشابه الكبير الذي يتوالد من الذهنيات والأجيال والثقافات فيربط المدركات والعقول وأدوات التغيير في “تنبؤات” لها تداعياتها الكبرى على الخصوصيات الثقافية واللغوية، ومن ثم يجد العالم نفسه أمام محاولات جادة تستهدف الاتفاق على لغة دولية تفرض نفسها على جميع الشعوب والعقول، وعلى الخلفية السابقة تطرح تساؤلات حول مستقبل اللغة العربية” (ص64).

يرى السويدي أن اللغة العربية الفصحى لا تواجه تهديداً من انتشار اللغة الإنجليزية فقط، بل يمكن القول أن انتشار العامية العربية أو اللغات الدارجة هو التهديد الأخطر أو الآني عليها، ذلك لأن اللغة العربية العامية انتزعت سلطة الممارسة الفعلية بل إنها تتطور وتستمد شرعيتها وقوتها تدريجيا من كثرة استخدامها في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام التقليدي، ونجاحها في استقطاب اللسان العربي. ويطرح السويدي مخاوفه من خلال “ما عبر عنه بعض الباحثين من أن تواجه اللغة العربية الفصحى ولغات أخرى عديدة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي مصير اللغة اللاتينية، حيث تبقى بصفتها لغة مكتوبة تعيش مفرداتها وقواعدها إلى الأبد، لكنها في الوقت ذاته تبقى خارج الاستعمال” (ص65)، غير أنه يحاول تبديدها بإسهام معرفي وعملي مؤسسي في مؤتمر القلم العربي الذي سينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في شهر نوفمبر المقبل هذا أولا، وثانيا بتقديم قراءته الخاصة لواقع اللغة العربية مستقبلا في الحوار الذي سيتبع هذا العرض.

النظام العالمي الجديد

حين ينتهي القارئ من مطالعة كتاب “آفاق العصر الأمريكي – السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد ” للدكتور جمال سند السويدي، الصادر في شهر يناير المنصرم، يكون قد وصل إلى تأسيس قراءة مرجعية، تحرّك الأبستمولوجيا فيها مسار التساؤلات لمجموع الإشكاليات المطروحة في الكتاب. عملياً، يقوم الكتاب -الذي يقع في 856 صفحة- في مجمله على نظرة موضوعية تحليلية معمقة تتكئ على الإحصائيات والبيانات والمعلومات، كما اعتمد مؤلفه على مجموعة كبيرة جداً من المراجع العلمية المتخصصة يبلغ عددها نحو 500 مرجع، ودعًّم أطروحته بدراسة ميدانية أجريت بدولة الإمارات العربية المتحدة على عينة كبيرة من مختلف الجنسيات قوامها 1500 شخص، محاولا تقديم خلاصة خبرته وتجربته في مجال البحث العلمي لفترة امتدت على مدار نحو ربع قرن. ومن البداية لا يضع السويدي نفسه في موقع من يرسم المستقبل ويخطط له، كما أنه لا يرسم خريطة طريق استشرافية، لكنه يقدم أطروحة مركزية تكمن في أن الولايات المتحدة الأميركية هي القطب المهيمن على النظام العالمي الجديد، وأن العالم لا يزال يعيش آفاق العصر الأميركي الذي سيستمر -في رأيه- إلى مدى بعيد، قدّره بحوالي خمسة عقود على الأقل (ص44). هنا، لا ينطلق السويدي من فراغ، ولكنه يحشد من الأدلة والبراهين ما يدعم أطروحته تلك، وفي مقدمتها أن هيكل القوة في النظام العالمي الجديد الأحادي القطبية يميل إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية، وأن معايير القوة والنفوذ في المجالات العسكرية والاقتصادية والثقافية والتعليمية وموارد الطاقة والنقل، تقدم ما يكفي من الأدلة على ذلك، وإن كان السويدي يحتاط لذلك -بحذر- بقوله: “إن المتغير الوحيد القادر على نفي هذه الأطروحة أو إثباتها هو مسارات تطور النظام العالمي الجديد خلال المديين القريب والمتوسط”.

القوة العسكرية.. والابتكار

وفي تأكيده لأطروحته تلك يورد كثيراً من الحقائق -مسنودة أو مدعمة بالأرقام- منها: القوة المادية وخاصة العسكرية، ويضرب لنا مثلا بميزانية الدفاع والتسليح في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تفوق مجموع ميزانيات الدفاع لدى القوى الست التي تليها في ترتيب مجموع القوى في النظام العالمي الجديد وهي: الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا واليابان والهند والبرازيل، وذلك في الإنفاق العسكري لعام 2012.

هنا، يطرح السؤال التالي: هل تعتبر ميزانية الدفاع هي المؤشر على هيمنة أميركا على النظام العالمي الجديد؟ ربما تكون الإجابة في ما جاء به السويدي دعماً لأطروحته، حين ذكر أن الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة عام 2012 وهو (15.685) تريليون دولار، يبلغ أكثر من ثمانية أضعاف الناتج المحلي الإجمالي في الهند، ونحو سبعة أضعاف الناتج المحلي في بريطانيا، وخمسة أضعاف الناتج المحلي في ألمانيا، وثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي في اليابان، وأكثر من ضعف الناتج المحلي الإجمالي للصين.

يضاف إلى ذلك أن مؤشرات الإبداع والابتكار، فالولايات المتحدة لا تزال متفوقة على أي دولة تأتي في المرتبة التالية في ما يتعلق بمؤشرات الابتكار، وكذلك التنافسية التجارية، التي تضعها في المرتبة الأولى، كما تتمتع بمزايا عدة تتفوق بها على منافسيها على المدى القريب وفي مقدمتها الدولار، حيث إنه العملة الأولى في مجال الاحتياطات النقدية، والمتوقع أن يبقى هكذا كعملة عالمية رائدة لسنوات عدة مقبلة، ومن عوامل تميزها أيضا، تركيبتها السكانية لجهة أنها تعتبر من أكثر دول العالم انفتاحاً أمام الهجرة والاستفادة منها، وكذلك وفرة العمالة، ومرونة سوق العمل، وذلك اعتماداً على ما ذهب إلى خبير الاقتصاد الأميركي أيه. جاري شلينج (ص46).

لغة الصين.. وإعلامها

لا يراود السويدي شك في أن الولايات المتحدة، كما ذكر آنفاً، ستبقى مسيطرة على النظام العالمي لخمسة عقود أخرى، انطلاقاً من وجود سمات عدة تشمل الخصائص والصفات التي تسهم في صياغة النظام العالمي الجديد وبنيته، التي تنفرد الولايات المتحدة بقيادتها، ومن أهمها:

1 ــ أن الولايات المتحدة ستبقى قوة مسيطرة على صعد متعددة، فهي متفوقة عالمياً في التعليم والثقافة والتقنية والاقتصاد والقوة العسكرية والنقل، وإن كانت ستدرك الفارق الحاسم بين التفوق والسلطة المطلقة.

2 ــ يظل الاتحاد الأوروبي (28 دولة) في مرحلة استعادة وضعه الطبيعي المتمثل في دول عدة متنافسة.

3 ــ ستعاود روسيا الظهور من خلال إنعاش اقتصادها واستعادة بناء قدراتها العسكرية.

4 ــ سيزداد انشغال الصين بإدارة موقعها الاقتصادي العالمي والحفاظ على ازدهارها الاقتصادي، وستظل فاعلاً كونياً أكثر منها قوة عظمى، وذلك لافتقادها القوى الناعمة، نتيجة لعدم فهم العالم للغة الصينية من جانب، واعتماد وسائل الإعلام الصينية على مفردات وشعارات قديمة لا يفهمها العالم المعاصر الآن، ولا يهتم بها من جانب آخر.

5 – ينافس عدد كبير من الدول، مثل دول أميركا الجنوبية -خاصة البرازيل- والهند وجنوب أفريقيا وبعض دول جنوب شرق آسيا، الصين في كونها مركز الأجور المنخفضة والنمو المرتفع عالمياً.

6 ــ تراجع دور هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية عن القيام بوظيفتها التحكيمية، لتصبح وظائفها أقرب إلى تأدية مهام تخدم مصلحة القوى العظمى المهيمنة، وهي الولايات المتحدة الأميركية.

وإذا كانت السمات السابقة تدعم بحقائق مؤسسة، فإنها لا تخلو من طرح أسئلة جوهرية من أهمها:

ـ من أين توقع الكاتب أن الولايات المتحدة ستدرك ذلك الفارق الحاسم بين التفوق والسلطة المطلقة، وجميع المعطيات الراهنة تشير إلى أنها تتجه نحو مزيد من التدخل في مصير الدول والشعوب، وأنها تراقب أمنياً خصوصيات الأفراد بدءاً من زعماء العالم وقادته، وانتهاء بعامة الناس؟

ــ كيف للولايات المتحدة أن تستمر في صياغة النظام العالمي بانفراد كامل في المستقبل بناء على وقائع الحاضر، وقد سبق للكاتب أن أشار إلى تغير هذا إذا حدث تطور في مسارات النظام العالمي الجديد؟

ـ كيف لنا أن نسلم بما ذهب إليه الكاتب من أن الصين ستكون قوة كونية فاعلة، لكنها لن تصبح قوة عظمى بسبب لغتها من جهة وإعلامها من جهة أخرى، وهو الذي يقول في نهاية الكتاب: “يجب أن أشير إلى أن الترتيب الهرمي للنظام العالمي الجديد والمتمثل في هيمنة الولايات المتحدة الأميركية على قمة هذا النظام وعدم استطاعة الصين اللحاق بها خلال المدى المنظور على أقل التقديرات، يمكن أن يتأثر -إلى درجة ما- بثلاثة أمور وفق ما يراه عدد من الباحثين وعلى النحو الوارد في فصول الكتاب، وهي استمرار الصين في تحقيق النمو الاقتصادي المتميز مع تفادي أي أزمات مالية واقتصادية رئيسية، ونجاحها في اللحاق بالولايات المتحدة في سباق الابتكار والتقنيات المتقدمة حيث تتحول من مرحلة التقليد إلى مرحلة الابتكار، وأخيراً فشل الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي في تدعيم علاقتهما الاقتصادية والتجارية والمالية، وفي استبعاد الصين من هذا الإطار التعاوني الدولي” (ص601)؟

ــ أنَّى لنا القبول باعتقاد الكاتب أن الولايات المتحدة ستظل متفوقة خلال الخمسة عقود المقبلة، مع أنه يذهب إلى القول: إن إحدى الخلاصات المهمة في نهاية هذا الكتاب ترتبط بالسيادة الأميركية على النظام المالي العالمي، وهو ما يلقي بانعكاساته على بقية العالم، سواء من الدول أو التكتلات الإقليمية الدولية، ولاسيما الانعكاسات الناجمة عن تطور أوضاع المديونة الحكومية -الأمريكية- التي تزيد على 17 تريليون دولار؟ (ص 593).

صراع العرب.. وملء الفراغ

لا ينسى الكاتب أن يشير إلى مدى تأثر الدول العربية بما يدور حولها من تفاعلات النظام العالمي الجديد، ويرى أن المنطقة العربية هي ساحة رئيسية للأحداث وبؤرة صراع تتركز فيها كثير من الملفات الاستراتيجية ذات الصلة الوثيقة بآفاق العصر الأميركي، والمثال الأبرز على ذلك تطورات الأحداث في بعض الدول العربية، التي شهدت في السنوات الأخيرة تغيرات أطاحت أنظمة سياسية، تسبق قيام النظام العالمي الجديد، كما هي حال مصر وليبيا واليمن وتونس (ص589). ويرى الكاتب أنه على الرغم من اندماج أنظمة الدول العربية، سابقة الذكر، أو دمجها ضمن الخطط الأمريكية للسيطرة أو الهيمنة على العالم، وأداء بعضها دوراً حيوياً في تمكين الولايات المتحدة الأميركية من إحكام سيطرتها على مفاصل النظام العالمي الجديد وفرض سيطرتها وقوتها الشاملة عالمياً كما حدث في حرب تحرير الكويت فبراير 1991، فإن منظومة القيم التي اعتبرت جزءاً لا يتجزأ من هيكل النظام العالمي الجديد قد أسهمت بشكل بارز في إطاحة هذه الأنظمة، ولعبت دوراً حيوياً في بناء الموقف الأميركي واتخاذ قرار حاسم بالتخلي عن حلفاء استراتيجيين، مثل: الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، والرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي. ويضيف الكاتب أن الولايات المتحدة لعبت الدور الأبرز في تغذية حركات الاحتجاج الشبابية ضد الأنظمة سابقة الذكر، تمهيداً لإطاحتها بعد انتهاء مفعولها السياسي، وفقاً لحسابات المصالح والرؤية الاستراتيجية لمستقبل الشرق الأوسط. وينتهي السويدي فيما يخص موقع الدول العربية في النظام العالمي الجديد مستقبلاً إلى النتائج التالية:

1 ــ في ضوء ما يعانيه كثير من الدول العربية من واقع تنموي صعب في المجالات كافة، يصعب القول أن المدى المنظور سيفرز وضعاً أفضل لهذه الدول، ولاسيما في ظل تفاقم الأزمات الداخلية في دول عربية رئيسية مثل: مصر وسوريا والعراق.

2 ــ سيكون التمدد الاستراتيجي لقوى إقليمية غير عربية لملء الفراغ الناجم عن تراجع الدور الإقليمي للقوة العربية التقليدية.

3 ــ تدعيم مكانة تركيا، وإيران، وإسرائيل التي باتت في وضع استراتيجي منذ نشأتها من حيث غياب أي مصدر تهديد حقيقي لها من الدول العربية، وانشغال الدول المجاورة بمعالجة أزماتها الداخلية أو باحتواء مصادر الخطر والتهديد الخارجي.

4 ــ أن القوة المتزايدة للنفوذ الأميركي في النظام العالمي الجديد تنعكس إيجابياً على مكانة إسرائيل ووضعها ومكانتها.

5 ــ أن التغيرات التي أطاحت أنظمة عربية عدة في السنوات الأخيرة، قد كشفت كذلك عن نهاية حقبة القومية العربية وصعود مؤشرات وعوامل أخرى في الوضع الإقليمي، مثل: الهوية العرقية والدينية والمذهبية والطائفية، وهذا انعكس بدوره على قضية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

والمحصلة النهائية في كل هذا بالنسبة للكاتب، هي أن ما تشهده المنطقة العربية من تحولات استراتيجية هائلة سيسهم من دون شك في رسم حدود قوة الولايات المتحدة، ومدى سيطرتها على مناطق نفوذها التقليدية.

العربية بين خطرين

يرى السويدي أن اللغة العربية الفصحى لا تواجه تهديداً من انتشار اللغة الإنجليزية فقط، بل يمكن القول إن انتشار العامية العربية أو اللغات الدارجة هو التهديد الأخطر.

التفوق الأميركي

الولايات المتحدة ستظل متفوقة خلال الخمسة عقود المقبلة، فلا تزال المهمة لديها السيادة على النظام المالي العالمي، وهو ما يلقي بانعكاساته على بقية العالم، سواء من الدول أو التكتلات الإقليمية الدولية، لاسيما الانعكاسات الناجمة عن تطور أوضاع المديونة الحكومية الأميركية التي تزيد على 17 تريليون دولار.

رابــط المقــال

Share