محنة غياب الحكمة!

  • 20 أبريل 2016

بقلم : د. عبدالحق عزوزي

بدعوة كريمة من مركز الإمارات للدراسات، ألقيت مؤخراً محاضرة بعنوان: «رواد الإصلاح الديني في الوطن العربي والإسلامي: رؤى من كتاب السراب» والكتاب الذي حصل عن جدارة على جائزة الشيخ زايد للكتاب، أحيى بالحجة والدليل روح العقل وروح الحداثة ببصيرة وبعد نظر من خلال الرجوع إلى الأصول التي لا غبار عليها والالتزام بروح الحداثة التي تبني وتشيد، ونبذ التقليد والجمود اللذين يخربان الدول والشعوب. وقدمت نبذة عن نماذج من الإصلاح، وأبرزت تجلياتها في التجربة الغربية التي لا تعني البتة بالضرورة نسخها في المسيرة الحضارية العربية، وأكدت على ضرورة تبني عاصفة فكرية تنهض بالعقل العربي المستقيل، فلا نهضة ولا إصلاح ولا تجديد بدون عقل ناهض. واستدللت بكلام بعض الباحثين الذين توقفوا في مسيرتهم الحافلة بالتنظير عند شروط الإصلاح كمحمد عابد الجابري وطه عبدالرحمن. وتحدثت عما اعوجّ في مسيرتنا الفكرية والمرجعية، وعن أزمة الرؤية عندنا في العلوم الإسلامية، واعتمدت على أفكار العديد من المتنوّرين من العلماء، وبينت في المحاضرة خطورة بعض المناحي الفكرية الإقصائية التي يمكن أن تقتل وتهدم، ولعل أبا حامد الغزالي منذ أزيد من تسعة قرون قد حذر معاصريه ومن سيتبعهم قروناً فيما بعد، من خطورة الوصول إلى غيابات التكفير، وتوقفت عند بعض مقولاته الخالدة، وتطرقت في الأخير إلى التفكير في الإصلاح في الزمن الحاضر استيعاباً وتجديداً.

ولكن إذا صح لنا أن نخرج بخلاصة واحدة، سواء من خلال تناولنا لأفكار أصحاب التقدم والتنوير في تاريخ الغرب، أو من خلال رواد الفكر والإصلاح الديني والسياسي في الوطن العربي والإسلامي، أو من خلال التفكير في الإصلاح في تاريخنا المعاصر انطلاقاً من المشهد الراهن ومآلاته، فهي ضرورة الالتزام بالحكمة في بناء الدول والمؤسسات، وفي تمثل الفكر والخطاب الديني والسياسي، فالحكمة هي أصل كل شيء. وأنا كمختص في مجال العلوم السياسية على يقين من دقة توصيف مؤلف كتاب «السراب»، وهو مفكر ممن لهم باع علمي واسع في هذا المجال، وكتابه يستند إلى مقاربات شاملة في قواعد العلوم السياسية المقارنة. ونحن على يقين أن الحكمة هي التي تسقي جذور الإصلاح، وهي التي تبني المجال السياسي العام على أصول لا تحور ولا تبور، وهي التي تجعل من العقل عقلًا ناهضاً، ومن المجتمع مجتمعاً سويّاً، ومن النظام السياسي والأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية مؤسسات تبني وتتكيف مع الواقع والمستقبل.

وغاية الموضوع الذي عهد إليّ الحديث عنه ليس مجرد سرد أقوال الرواد وعرض مسيرتهم وكتبهم، فالمئات من الكتب تزخر بآرائهم وأفكارهم، ولكن تبين الخلاصة التي نستقيها من حديثهم وتأصيلهم للإصلاح والتجديد الديني والتحديث السياسي. فهي كلها في نظري تجتمع على نبذ التقليد الأعمى وما اعوجّ في صيرورة مجتمعاتنا من تخلف وتقهقر، وهذه الحكمة هي روح الحداثة، وهي تتكيف مع الواقع والمعاش، وخصائص كل دولة على حدة، فليبيا بتنوع مكوناتها ليست الأردن، ومصر ليست السعودية، والمغرب ليست تونس، كما أن فرنسا ليست بريطانيا ولا ألمانيا، كما أن هذه الأخيرة ليست الولايات المتحدة، فلكل دولة خصائصها، ولكن ثبت أن النظام المعقول هو المبني على حكم الشعب بالشعب وعليه مدار الأمم التي حققت لشعوبها التنمية والرخاء، وأنه في أوطاننا يجب أن يكون الدين للجميع، ولا يمكن لأحد أن يكون وصياً عليه بإدخاله في تجاذبات السياسة المتغيرة والمبنية على إدارة الاختلاف. كما أن صناديق الاقتراع تنجح في أوطان وتفشل في أخرى لغياب الحكمة، فخذ مثال تونس بن علي وخد مثال عراق صدام وسوريا بشار الأسد، فهؤلاء قوم غابت عنهم الحكمة، ولو رزقوها لبسط لهم التاريخ بساطاً أحمر في سجلاته ولما ظهرت «داعش» وأخواتها.

ثم لماذا لم تتطور العلوم الإسلامية ليجنح بعض المختصين فيها إلى التقليد؟ لأن الحكمة غابت عنهم، فالمشكلة هي مشكلة رؤية وليست أزمة تنزيل. وعندما تفشت ضروب من التبعية تحت دعوة القداسة في بعض الأحيان فلغياب الحكمة أيضاً، وعندما تمارس على الإنسان العربي والمسلم الضغوط غير الملائمة فلغياب الحكمة كذلك، وعندما تدعي بعض الأحزاب الإسلامية أنها على ملة السلف في العقيدة والمنهاج وأن ما عداها ضلال أو كفر فلغياب الحكمة دون شك، والله سبحانه وتعالى (يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً).

رابـــط المقـــال

Share