مبررات فكرية لحركات المعارضة الإيرانية

  • 22 أبريل 2010

يحاول الباحث سلطان محمد النعيمي في دراسته للفكر السياسي الإيراني الإجابة عن عدد من الأسئلة الهامة التي تتعلق بطبيعة هذا الفكر ومحددات تكوينه ودور الفكر السياسي الشيعي بشقيه الإخباري والعقلاني في تطور هذا الفكر بصورة عامة ومراحل تطوره ومدى تأثير الروافد الفكرية الحديثة فيه، إضافة إلى السؤال الهام والأساسي عن الأسباب التي جعلت التيار الديني صاحب نظرية ولاية الفقيه يصل إلى أعلى درجات السلطة في إيران ويشكل الحكومة الإسلامية فيها. ومنذ بداية بحثه ينطلق في فهمه لحقيقة هذا الفكر من العلاقة الطردية التي تربط بينه وبين المكان والزمان والبيئة الاجتماعية والسياسية التي ظهرت فيها تلك الأفكار.

يستخدم الباحث في دراسته المنهج التاريخي التحليلي فيخصص الفصل الأول لدراسة هذا الفكر من مرحلة الغيبة الكبرى وحتى قيام الدولة الصفوية في إيران ومنذ البداية يشير إلى مسألة هامة تتمثل في أن النظام في إيران على الرغم من تحوله إلى نظام جمهوري إسلامي ظل يكتنفه الكثير من الغموض ما يجعله مستعصيا نسبيا أمام الباحث في الشؤون الإيرانية نظرا لكون هذا النظام ينطوي على جوانب مغايرة للأنظمة التعارف عليها في العالم.

ولعل أهمية هذه الدراسة تكمن في اعتمادها بصورة أساسية على المصادر والمراجع الفارسية في تناولها للفكر السياسي الإيراني في العقد الثاني من عمر الثورة. بينما يهتم الفصل الثاني بتتبع الفكر السياسي منذ مرحلة انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وذلك من خلال دراسة ماهية النظام السياسي بعد الثورة وواقع المؤسسات الحكومية ونظرية ولاية الفقيه التي شكلت أساس هذا النظام، وهامش الحريات المتاح، إلى جانب دراسة موقف التيارات السياسية من بعضها البعض لاسيما في مرحلة ما بعد الثورة، إذ احتدم الخلاف بين التيارات الدينية والليبرالية واليسارية حول تسمية الثورة، ما يدفع به لتحليل طبيعة الرؤية السياسية عند تلك التيارات بعد الثورة بدءا من التيار السياسي الديني ممثلا بفكر آية الله الخميني وبعض نخب التيار حول ماهية السلطة.

بنية النظام

ومن تناول طبيعة هذا الفكر بأشكاله وأطروحاته المختلفة ينتقل إلى تبيان أثر هذا الفكر على بنية النظام والممارسة السياسية لاسيما بعد أن نجح آية الله الخميني في تجييش المشاعر الدينية لصالح قيام الجمهورية الإسلامية حيث أخذ التيار الديني بتهيئة المؤسسات كي تتماشى مع فكره السياسي وتحويله إلى نظرية سياسية متكاملة شكل نظام ولاية الفقيه حجر الأساس فيها، الأمر الذي جعل شرعية المؤسسات لا تتحقق إلا من خلاله. وقد عمل النظام على خلق المؤسسات التي تعمل على تكريس هذا النهج مثل مجلس الخبراء ومجلس صيانة الدستور حيث يشرح دور كل منهما في تعزيز هذا النهج، إضافة إلى دور السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية أيضا. وبعد تثبيت النظام لدعائمه يتناول الباحث مرحلة تمتد حتى عام 1989 حيث ساد التباين في المواقف السياسية بين التيارات السياسية وبصورة خاصة من ولاية الفقيه المطبقة إذ رفضت بعض تلك التيارات ولاية الفقهاء رفضا كاملا بينما رفضت تيارات أخرى للصورة التي سادت فيها تلك الولاية في إيران في حين أيدها تيار آخر مما أدى لظهور تيارات مختلفة داخل التيار السياسي الديني مثل منظمة مجاهدي الثورة وحزب الجمهورية الإسلامية. بالمقابل يعرض للفكر السياسي اليساري والفكر السياسي اليميني حيث يكشف عن أهم التوجهات السياسية والدينية لكل منهما سواء بالنسبة لولاية الفقيه أو الاقتصاد والعمل السياسي الديني.

المرحلة الثالثة التي يتناولها بالتحليل من تاريخ هذا الفكر تمتد من 1989 وحتى عام 2000 وقد جاء هذا التحديد بناء على ما شهدته تلك المرحلة من ظهور توجهات جديدة أشبه ما تكون بتحولات جذرية داخل الفكر السياسي اليساري الديني واليمين الديني انعكست على النخب الدينية داخل هذين التيارين بدءا من مرحلة انتهاء الحرب العراقية الإيرانية ووفاة الإمام الخميني. لكنه يبين عدم الدقة في استخدام هذين المصطلحين نظرا لوجود قوى داخل كل تيار وتباين المواقف من القضايا المطروحة على الساحة الإيرانية. إن ظهور التيار اليساري الديني ومن ثم ابتعاده عن السلطة إثر انتهاء رئاسة الرئيس خاتمي قد جعلت هذا التيار يزداد اقترابا من التيار اليميني المعتدل والوسطية مما أفرز طبقة سياسية جديدة عملت على معالجة الإشكاليات والمتغيرات وطرح الحلول المناسبة لها.

نظريات بديلة

وقد جاء تزامن ظهور هذا التيار في العقد الثاني من عمر الثورة حيث بدا بطرح نظريات بديلة عن نظرية ولاية الفقيه المطلقة، تقوم على جملة من المبادئ التي يعرض لها في متن البحث من خلال الكتابات التي دونها عدد من الآيات الممثلين لهذا الاتجاه. أما التيار الليبرالي الذي يعرض لمواقفه وأطروحاته حيال الواقع الإيراني فهو التيار الليبرالي والوطني الديني الذي كان يمثله بني صدر في رئاسة الجمهورية الإيرانية. وتتركز مواقف هذا التيار حول مفهوم الحكومة وأسسها والنظام الديمقراطي الذي يرى بأنه أفضل الأنظمة الموجودة حاليا في العالم أو وحول المشاركة الشعبية والدستور. وعلى الرغم من الاختلاف في الرؤية والمواقف بين تلك التيارات الثلاثة يرى الباحث الدور المركزي الذي لعبه الدين في تشكيل أفكار وتوجهات تلك التيارات إذ بقيت شرعية السلطة مستمدة من نائب الإمام الغائب بحيث جعلها جميعا تعمل على تطويع فكرها لكي يتماشى مع تلك الشرعية. وينوه في النهاية بالإشكالية التي تنطوي عليها دراسة كل اتجاه للفكر السياسي في إيران وتوظيفه للفكر السياسي في دعم الرؤى السياسية الخاصة به نظرا للدور الكبير الذي يلعبه الدين في حياة المجتمع الإيراني . ويحتوي الكتاب على مجموعة من الملاحق الخاصة بمراحل تطور الفكر السياسي الإيراني ومختارات من أهم تصريحات نخب الاتجاهات السياسية الثلاث.

رابـــط المقال

Share