مؤسس الولايات المتحدة الأميركيَّة

  • 1 ديسمبر 2015

بقلم: د. جمال سند السويدي

يُعَدُّ الرئيس الأميركي الأول في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية جورج واشنطن (عام 1732-1799)، نموذجاً للقادة الذين ترتبط أسماؤهم بمراحل تأسيس الدول بكلِّ ما في هذه المراحل من تحديات وصعوبات وعقبات، وبحوادث ووقائع فارقة في تاريخ بلادهم، ولذلك تظل شعوبهم تذكرهم، ويخلِّدهم تاريخ بلادهم والعالم، خاصة إذا أحسنوا وضع أسس البنيان، وأرسوا القواعد السليمة التي يسير عليها مَن بعدهم، فقد قاد جورج واشنطن حرب استقلال الولايات الأميركية عن الاستعمار البريطاني حتى جرى إعلان وثيقة الاستقلال في الرابع من يوليو عام 1776، واستطاع من خلال جيش بإمكانات بسيطة وعدد قليل من الجنود قال عنهم إنهم كانوا «شبه جوعى أحياناً، وفي أسمال بالية دائماً»، أن يتصدَّى لأحد أهم جيوش العالم وأقواها في ذلك الوقت، ليس بفضل قيادته وعبقريَّته العسكرية فقط، وإنما بإيمانه المطلق بقدرة شعبه على تحقيق أهدافه متى توافرت الإرادة والتصميم على بلوغ هذه الأهداف.

إن أهم ما يرتبط باسم جورج واشنطن، ويضعه في سجلِّ العظماء في التاريخَين الأميركي والعالمي، إضافة إلى قيادته حرب الاستقلال عن بريطانيا، هو التقاليد السياسية التي وضعها، والنظرة إلى منصب الرئيس التي رسَّخها، ورؤيته للولايات المتحدة الأميركية ودورها في العالم، فبعد انتهاء حرب الاستقلال التي قادها بتحقيقها أهدافها، لجأ واشنطن إلى التقاعد والابتعاد عن المشهد على الرَّغم من بعض التوقعات التي كانت تشير في حينها إلى أنه سوف يعمل للسيطرة على الحكم، مستنداً إلى إنجازاته العسكرية الكبيرة، ويقول المؤرخون إن واشنطن، بهذه الخطوة، وضع اللبِنة الأولى للحكم الديمقراطي في بلاده. وحينما رأى الفوضى تتصاعد في الولايات الأميركية، وأن مكاسب ثورة الاستقلال تتآكل، عاد مرة أخرى إلى الساحة السياسيَّة، ورأس المؤتمر الذي كتب المسوَّدة الأولى للدستور الأميركي، وهو الدستور الذي حققت في ظله الولايات المتحدة الأميركية كل ما حققته من تقدُّم على المستوى الداخلي، ونفوذ على المستوى الخارجي، واستطاعت بفضل نصوصه والقيم التي ينطوي عليها أن تصبح نموذجاً للتعايش بين الأعراق والأديان والثقافات المختلفة، ومصدراً للإلهام لدول العالم كافة. وقد كان جورج واشنطن شديد الحرص، خلال ولايتيه الرئاسيتين، على احترام الدستور، وتطبيق نصوصه بدقة، وعدم السماح بأيِّ تجاوز لهذه النصوص، وكان يقول إن «الدستور هو المرشد الذي لن أتخلَّى عنه أبداً».

وبعد انتهاء فترته الرئاسية الثانية رفض الترشح لولاية ثالثة، ومن ثمَّ وضع الأساس لتحديد مدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية بفترتين فقط، حيث قرر التخلِّي طواعيةً عن السلطة ليتولى الرئاسة من بعده نائبه جون آدامز، على الرَّغم من أنه الرئيس الأميركي الوحيد الذي انتخِب مرتين بالإجماع، وذلك عامي 1789 و1792، وكان هناك استعداد لمنحه فترة رئاسية ثالثة، بل كان هناك من طالب ببقائه رئيساً مدى الحياة، وهذا من أهم التقاليد التي وضعها. وللتقاليد أهميَّتها الكبرى في المراحل التأسيسية للدول والنظم السياسية. ولو وافق واشنطن على التمديد له لفترة ثالثة أو أكثر، ربما تغيَّر مسار الولايات المتحدة الأميركية كله، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.

ومن أهم التقاليد السياسية التي رسَّخها جورج واشنطن أيضاً احترامه العميق لقرارات الكونجرس الأميركي، فلم يسعَ إلى تجاوز صلاحيات الكونجرس الدستوريَّة، ومن ثم وضع الأساس القويَّ للفصل بين السلطات والتوازن بينها في النظام السياسي الأميركي، بشكل ضمن استقرار هذا النظام وفاعليَّته.

وقد نظر جورج واشنطن إلى منصب الرئيس الأميركي على أنه خادم للوطن والشعب، ولذلك فقد رفض الراتب الذي تم تخصيصه له بعد توليه الحكم، وأصر على ذلك، ولم يوافق على تسلمه إلا بعد ضغوط كبيرة عليه، وفاز بالقبول من جميع فئات المجتمع الأميركي التي رأت فيه قائداً للجميع، وليس لفئة دون أخرى، خاصَّةً أنه كان له موقف مضاد للعبوديَّة، وعمِل بكل قوة على القضاء عليها.

ويشيد المؤرخون برؤية واشنطن الواضحة لأمة أميركية عظيمة قوية، والأعمال التي قدَّمها لتحقيق ذلك، حيث عمل للحفاظ على الحرية، وتحسين البنية التحتية، والتجارة، وإيجاد عاصمة دائمة للولايات المتحدة الأميركية، وتعزيز روح القوميَّة الأميركيَّة، وفضلاً عن ذلك عمل واشنطن على تحييد بلاده، وعدم إقحامها في الصراع بين بريطانيا وفرنسا، ما أتاح لها التفرُّغ لبناء نفسها، ووضع الأسس القويَّة لنهضتها وتقدمها، ومن ثم تحولها إلى دولة عظمى استطاعت بعد ذلك إنقاذ أوروبا في الحرب العالمية الثانية.

وتؤكد تجربة الرئيس الأميركي الأول في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، جورج واشنطن، أن الشعوب لا تنسى عظماءها الذين يتفانون في خدمتها، ويضعون الأساس القويَّ لنهضتها، وإنما تظل تحتفظ بهم في ذاكرتها على الدوام، ولذلك يلقَّب واشنطن بـ«أبي الأميركيين»، و«الأب المؤسس»، وقد سُمِّيت العاصمة الأميركية واشنطن باسمه، تكريماً له وتقديراً لدوره، وينظر إليه الأميركيون بإجلال واحترام كبيرَين، على الرَّغم من مرور عقود طويلة على وفاته عام 1799، ويصنِّفه علماء التاريخ والباحثون بوصفه أحد أعظم رؤساء الولايات المتحدة الأميركية.

رابط الخبر

Share