مؤتمر «مستقبل الثقافة الإسلامية الوسطية» يدعو إلى تحصين المجتمعات ضد الغلو والتطرف

  • 28 مايو 2013

أكد المفكرون المشاركون في أعمال مؤتمر مستقبل الثقافة العربية الاسلامية الوسطية في أبوظبي على الدور الإنساني والإسلامي الثقافي الوسطي الذي تمثله دولة الإمارات بما يرسخ ثقافة الحوار وقبول الرأي والرأي الآخر، والانفتاح على المجتمعات الإنسانية دون إقصاء لأحد باعتبار أن الجميع إخوة وشركاء في الإنسانية، مشيرين إلى أن الإمارات مؤهلة لأن تبادر بإنشاء منارة دينية من خلال مجموعة من الفاهمين بالوسطية وتقديم خطاب ديني مختلف عن الخطاب التكفيري المتطرف الموجود حالا، كما دعوا إلى أهمية التمسك بالوسطية الإسلامية فلا إفراط ولا تفريط، ولا تطرف ولا عنف في الدين، مع إطلاق طاقات العمل والإبداع والتفكير وتحصين المجتمعات ضد الغلو والتطرف.

وقال فضيلة الدكتور محمد الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف الأسبق في جمهورية مصر العربية عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف في كلمته أمس خلال افتتاح أعمال المؤتمر الذي ينظمه مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بأبوظبي، إن الأزهر يثمّن النهج الذي اختطته دولة الإمارات ببناء المؤسسات الإسلامية المنتشرة في جميع أرجاء الدولة، ورعايتها لأكثر من 70 هيئة وجهة مختصة في الدراسات الإسلامية، ومراكز البحوث والدراسات المتخصصة والمنتديات والجوائز في هذا المجال، التي تتوخى جميعها الهدف السامي بنشر الثقافة الإسلامية الوسطية البعيدة عن الغلو والتطرف، بل بات هذا النهج شاهداً حقيقياً اليوم على الوسطية والاعتدال والتوازن في الثقافة العربية والإسلامية الوسطية من أجل تكوين جيل ليس على الصعيد المحلي فقط، بل على المستوى الدولي، لنبذ التعصب ونشر التسامح واحترام الرأي الآخر.

وأضاف أبو النور متسائلاً كيف نريد من العالم والمجتمعات الأخرى أن تتحدث إلينا وتحاورنا، ونحن لا نتحدث إليها ولا نحاورها، ونقصيها؟

وقال: لقد جاءت هذه الدعوة من دولة الإمارات في وقتها تماماً، للكشف عن جوهر الثقافة الإسلامية الوسطية التي تبني ولا تهدم الوسطية هي خاصية الإسلام ومقتضاه، والإسلام والأمة الإسلامية هما الدين والأمة الوسط، والشواهد على ذلك من المصحف الشريف والسنة النبوية المطهرة كثيرة، مشيراً إلى أن الحوار بالتي هي أحسن يعد من باب أولى في حال الحوار مع القريب وفي السنة النبوية قصص معتبرة حول جواز مخاطبة الكافر الموجود عندك في دارك بـ”الأخ”. من هنا ينبغي أن تكون لنا بالناس جميعاً أخوة إما دينية وإما إنسانية، فأسلوبك مع الناس له تأثير كبير في الدعوة إلى الله تعالى. هذه رسالتنا، وعلينا اتباعها داخلياً وخارجياً.

اهتمام خاص

من جانبه أعرب الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام “مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية” عن تقديره واعتزازه الكبيرين للفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس المركز لما أولاه سموه من اهتمام خاص لعقد هذا المؤتمر، ولاسيما في هذا التوقيت، حيث شهدت المنطقة العربية في السنوات الأخيرة، ولا تزال، تحولات سياسية فارقة لا تخفى علينا جميعاً، كان من أبرز نتائجها أن أصبحت تيارات وجماعات دينية في صدارة الفاعلين السياسيين في دول عدّة.

وقال السويدي في الكلمة التي ألقيت نيابة عنه في المؤتمر: إن الثقافة الإسلامية الوسطية تعيش أزمة حقيقية وسط هذا الطوفان من التشدد والتطرف الأيديولوجي، وليس هناك من مخرج أو بديل سوى دعم هذه الثقافة ومساندتها، ليس لكي تتجاوز أمتنا العربية والإسلامية هذا الظرف التاريخي الصعب فقط، ولكن أيضاً لكي نحافظ على أجيالنا من تغلغل فكر التشدد والتطرف إلى الأفئدة والعقول، سواء عبر المنابر الدعوية والمنافذ الإعلامية، أو من خلال مناهج تعليمية تسعى هذه الجماعات إلى تغييرها في بعض الدول العربية بما يتوافق مع أهوائها وفكرها.

وأضاف: إن أمتنا العربية في مأزق تاريخي، تحاول بعض التيارات والجماعات اختزاله وتبريره وتفسيره في سياق ديني تاريخي، بما يجعلنا في غياب دائم عن واقعنا، ويدفعنا إلى الاستغراق في الجدلين الفكري والفقهي في وقت نبدو فيه أحوج ما نكون إلى رؤى وطروح مستنيرة وأفكار متجددة بدلاً من هدر الوقت في مناقشة قضايا حسمها الشرع منذ قرون، والاستبسال دفاعاً عن خطاب ديني منغلق يعطّل طاقات الشباب، ويسد منافذ الأمل، ويضع مصير أمتنا العربية في مهب ريح عاتية.

فيض هائل

وأكد أن متابعة هذا الفيض الهائل من التداخل، على مستوى الممارسات والسلوكيات اليومية لبعض التيارات والجماعات الإسلامية، بين الدين والسياسة، تُظهر ما يفرزه من تشويه ممنهج لصحيح ديننا الإسلامي الحنيف، من خلال تبنّي شعارات ودعوات ومواقف إعلامية ظاهرها الدفاع عن شرع الله وباطنها وهدفها السياسة والبحث عن المكانة والسلطة والنفوذ، والاستقواء في ذلك برؤى دينية حصرية تتخذ من الميل الفطري للشعوب العربية نحو التدين سبيلاً لتحقيق رغباتها، لتكريس أهدافها.

وقال السويدي ان ذلك يضعنا في مواجهة تناقض صارخ بين الإسلام الصحيح الذي يدعونا إلى الوسطية في قوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً»، والعمل السياسي بكل ما يحيط به من خروق والتباسات. وكانت النتيجة أن تفرغ كثير من الشعوب العربية لمتابعة ما يجري من صراعات بين الدين والسياسة، وهي صراعات تتمحور في الأساس حول هوية أوطان لم يُعرف عنها يوماً سوى كونها دولاً إسلامية حتى النخاع، بل إن الأمر تجاوز الصراع بين تيارات إسلامية ومنافسيها إلى صراعات ربما تكون أشدّ وأقوى بين هذه التيارات الإسلامية نفسها.

وأوضح السويدي: إن دولنا العربية تواجه تحديات ومشكلات عديدة في وقت تحتاج فيه إلى بلورة صيغ تنموية متوازنة بين التطور الحضاري المادي من جهة، والبناء الروحي من جهة ثانية، والحفاظ على هويتها الثقافية من جهة ثالثة.

تمسك بالوسطية

والأمر المؤكد أن التمسك بالوسطية الإسلامية يُعدُّ المخرج الوحيد لتطبيق وتلاقي صيغ كهذه، فلا إفراط ولا تفريط، ولا تطرف ولا عنف في الدين، مع إطلاق طاقات العمل والإبداع والتفكير وتحصين المجتمعات ضد الغلو والتطرف؛ فمعبر أمتنا العربية الإسلامية إلى الخلاص من واقعها المتردّي هو فهم ديننا الإسلامي الحنيف فهماً صحيحاً، فالإسلام منذ فجره أرسى مبادئ مجتمعية غاية في الأهمية أبرزها التعددية وحرية الاعتقاد، مكرِّساً وسطية لا ترى مثلها أبداً، فوسطية إسلامنا الحنيف – كما قال بها العلماء – هي حق بين باطلين، واعتدال بين تطرفين، وعدل بين ظلمين.

وقال السويدي: نحن لدينا ثقة كبيرة بوجود مؤسسات دينية عريقة تصون الثقافة الإسلامية الوسطية، وتدافع عنها، وتحفظ للإسلام بوصلته وهويته الحقيقية، وتقوم على نشرها في مختلف أرجاء العالم، وفي صدارة هذه المؤسسات الأزهر الشريف أكبر مؤسسة دينية في العالمين العربي والإسلامي، بما يمثله من عراقة فكرية وعلمية وبما نلمسه جميعاً من اجتهاد فقهي يميز علماءه الأجلاء، وعلى رأسهم فضيلة الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، الذي يواجه حملات شعواء تتستر برداء الدين، وتلتحف بمصالح الدنيا، مستهدفة في الأساس رمزية فضيلته لوسطية لا تزال تقف حجر عثرة في طريق الانغلاق والتشدد.

وأضاف السويدي في كلمته: إننا ندرك أيضاً أن السبيل الوحيد للحفاظ على مصالح شعوبنا ودولنا العربية ينطلق من المقدرة على بناء نموذج لإسلام وسطيّ قائم على التعايش السلمي وقبول الآخر، ونبذ التعصب والرغبة في التسلط والهيمنة، سواء على السلطة أو على بقية شركاء الوطن، وبالقدر نفسه نؤمن بأن حضارة الإسلام الحنيف ترتبط في جوهرها بقيم هذا الدين ومبادئه السمحة ووسطيته التي ظلت لعقود بمنزلة صمام الأمان للحفاظ على أمن المجتمعات العربية والإسلامية واستقرارها، مشيراً إلى أننا لا نسعى في مؤتمرنا هذا إلى نقد ممارسات نثق برفض المجتمعات الإسلامية لها.

نظرة تحليلية

وحملت الجلسة الاولى من المؤتمر أمس عنوان “نظرة تحليلية في تيارات الفكر الإسلامي العامة” التي رأسها الدكتور حمدان بن مسلم المزروعي، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في دولة الإمارات وأشار في كلمته إلى أنه برغم تنوع الجاليات من مختلف المجتمعات الإنسانية في دولة الإمارات فإن الجميع ينعم بالأمن والأمان، وذلك بفضل مبادئ العدل والمساواة واحترام الآخر التي تنتهجها مؤسسات الدولة بعدم التمييز بين هذه الجاليات، ما يجعل دولة الإمارات نموذجاً يحتذى به في العالم أجمع في انتهاج الثقافة الإسلامية الوسطية.

أفكار بلا أجنحة

قدّم الدكتور عمار علي حسن الباحث والمفكِّر المصري، ورقة بحثية عن التيار السلفي، أكد فيها أن السلفية ليست تنظيماً محكماً من الممكن تطويقه، إنما أفكار طارت بلا أجنحة عبر التاريخ، سواء اتفقنا أو اختلفنا معها. ويحاول كثير من الأنظمة اجتذاب ما تسمى “السلفية المستأنسة” في مواجهة تيارات ناصبت هذه الأنظمة العداء، ونازعتها على الحكم، مشيراً إلى أن السلفية تعود إلى المعركة الفكرية التي دارت في القرن الثالث الهجري بين المعتزلة والأشاعرة الذين قدّروا العقل على اختلاف في الدرجة، وأهل الحديث الذين قالوا إن العقل لا يحل محل النص، واتهموا خصومهم بأنهم خرجوا من الإبداع إلى الابتداع. وتبدأ سلسلة الفكر السلفي مع ابن حنبل، وأبي جعفر الطحاوي، وصولاً إلى ابن تيمية الذي قاوم ما سماه خيانة ملوك الطوائف، وانتهاءً إلى محمد بن عبدالوهاب في القرن الثامن عشر.

وبيّن أن السلفية تحمل مشروعاً سياسياً مستتراً ومشروعاً جهادياً، حتى لو ادَّعت غير ذلك كما تفعل.

حركات سياسية وثقافة إسلامية

أكد الدكتور ضياء رشوان نقيب الصحفيين في جمهورية مصر أن المؤتمر بحث موضوعا ذا أهمية في الوقت الراهن وهو الثقافة الإسلامية الوسطية في ظروف التغير الذي تمر به المجتمعات العربية، والتركيز على أن الثقافة الإسلامية هي محدد مهم لتصرفات الناس.

وقال على هامش المؤتمر في تصريحات صحفية إنه في أعقاب الثورات العربية لا بد من التمييز بين الحركات السياسية الإسلامية والثقافة الإسلامية التي هي طريق الحياة ذات الطابع الوسطي، مشيرا إلى أنه من حيث المبدأ فإن الثورات العربية تعد حدثا إيجابيا وإن كانت تضمنت آثارا سلبية ولكن على الشعوب العربية أن تعي أن الثورات تأخذ سنوات طويلة وتحتاج الكثير لكي يستعر المواطنون بآثارها الجانبية والتعامل مع الأمور السلبية بأنه من الطبيعي حدوثها، وخاصة ما يتعلق منها بالبنى السياسية والممارسات الديمقراطية والثقافة والتعليم، والتي تحتاج لوقت لكي تستقر وتسير الأمور نحو الأفضل.

رابـط الخـبر

Share