مؤتمر مرتكزات التعليم يوصي بسياسة تحقق الأهداف الوطنية

  • 5 أكتوبر 2011

أكد مؤتمر مرتكزات التعليم المدرسي الذي اختتم أعماله أمس في أبوظبي، أن دولة الإمارات تتميز بتوافر مستوى جيد من التشريعات والانفتاح ورأس المال، ولا يوجد عبء ضريبي تقريباً، لكن هناك افتقار واضح إلى العنصر البشري، ما يؤكد أن هناك عملاً كثيراً يجب القيام به على مستوى التعليم المدرسي، وكذلك التعليم المهني والأكاديمي والبحث العلمي.

وذكرت توصيات المؤتمر، الذي عقد على مدى يومين بتنظيم من مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أن أهم التحديات التي تواجه تطوير التعليم في دولة الإمارات المناهج ومدى مواكبتها للتطور العلمي والمعرفي عالمياً، داعياً إلى الاهتمام بالتعليم في مرحلة الطفولة الباكرة، وضرورة مشاركة المجتمع في العملية التعليمية، وضمان الكفاءة والفاعلية، وإرساء نظام للمساءلة يضمن توفير فرص التعليم النوعي للجميع، وضبط جودة التعليم من خلال موارد مالية محددة سلفاً.

واقترح المشاركون في المؤتمر أن توضع استراتيجية وطنية لضمان التعلم باللغة الإنجليزية من دون أن يكون ذلك على حساب تعلم اللغة العربية وإتقانها، ومن المهم الدراسة المستمرة لنتائج العملية التعليمية وأثرها في المجتمع، وعدم الاكتفاء بحصر الإنجازات فقط.

وأكد المؤتمر ضرورة أن يتم تطوير مهارات التفكير لدى الطلاب واختبارها إلى أقصى مدى، كما أن تشجيع المواطنين على الانضمام إلى قوة العمل التدريسية يعد مطلباً وطنياً استراتيجياً، وأن يكون المعلم الفعال هو من يعتمد التطوير المهني، ويعتمد البحث العلمي وتطوير المعارف لتحسين أدائه في الصف الدراسي، وأن يتم العمل على إعادة هيكلة نظام التعليم الثانوي في خطة متكاملة تشمل توسيع رقعة التعليم التقاني، وأن يتيح النظام التعليمي للطالب فرصة اختيار المواد الدراسية.

وأشار المؤتمر إلى أنه توجد حاجة إلى سياسة تعليمية موحّدة على مستوى إمارات الدولة تضمن تحقيق الأهداف الوطنية المنشودة، كما دعا المؤتمر في توصياته إلى استقطاب المعلمين رفيعي المستوى، وزيادة مخصصاتهم، وتنظيم عمل المدارس الخاصة بما يضمن جودتها، وتفعيل الشراكة مع المجتمع.

وأشار المؤتمر إلى أن ثمة مهارات كثيرة يلزم توافرها للتوافق مع التغيرات السريعة، من أهمها: مهارات التعلم والابتكار والإبداع، ومهارات التعامل والتقانة، والمهارات المهنية، ويجب أن يبنى كل هذا على قاعدة من المعارف البيئية والمالية والعالمية.

وأوصى المؤتمرون بتعميق التربية الوطنية الشاملة التي تقوم على احتـرام القانون واحترام الآخر وتعزيز روح التسامح والسلام، مؤكدين أن وجود الأسرة في العملية التعليمية يؤدي إلى ازدياد حصيلة التعلّم، وانخفاض نسبة الغياب، وزيادة الثقة بالنفس والرغبة في التعلم لدى الطلاب، ومعاونة المعلم في العملية التدريسية، وتوثيق العلاقة بين أولياء الأمور والأبناء، وبيـن أوليـاء الأمور والمعلمين.

وأكد الدكتور جمال السويدي مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية أهمية الموضوعات التي تمت مناقشتها في هذا المؤتمر التي تناولت قضايا تعليمية مهمّة يمكن أن تكون إطلالة متميزة علمياً وعملياً، وأن تكون دافعاً إلى تطوير التعليم المدرسي في دولة الإمارات، موضحاً أن المؤتمر يعكس إدراكاً حقيقياً لأهمية معالجة أوجه القصور التي تواجه العملية التعليمية، وأن ننطلق إلى المستقبل بخطى ثابتة من خلال بناء الشخصية الوطنية المؤهّلة القادرة على التفكير الإبداعي الخلاق، التي تستطيع أن تسهم في تطوير الحضارة الإنسانية.

وقال إن المشاركين في المؤتمر طرحوا توصيات استراتيجية يمكن أن تواجه هذه التحديات، وتضع الأساس لبناء استراتيجية متكاملة للاستثمار الواقعي والفعّال في التعليم ليواكب متطلبات المستقبل، منها أن أهم ركائز العملية التعليمية تربية المواطن وتنشئته تنشئة إسلامية قويمة، وتعزيز الانتماء الوطني، وترسيخ المسؤولية الاجتماعية، وإيجاد دوافع التعلم والابتكار لديه، وتعميق دراسة الرياضيات والعلوم، فضلاً عن تشجيع التعليم المستمر.

وأشاد البروفيسور تان أون سنج عميد المعهد الوطني لتعليم المعلمين في “جامعة ناتينج للتكنولوجيا” في سنغافورة، بالخطوات الإصلاحية التي اتّخذتها دولة الإمارات في مجال التعليم، مشيراً إلى أن أهم نقطة في هذه الإصلاحات هي سياسة التخطيط الجيدة التي تقوم بها الحكومة الإماراتية في دعم التعليم وتطويره وفق أرقى المستويات العالمية وأفضلها.

وأضاف أن دولة الإمارات تسير بخطى ثابتة نحو نقلة نوعية في المجالات كافة، ولكن لا بدّ من استغلال التراث الثري الذي تمتاز به وتمتلكه الإمارات في مناهج التعليم من أجل مقاربة توصيل المعلومات للطلاب.

وأوضح سنج أن مناهج التعليم في سنغافورة تم اعتمادها بعد استشارة هيئات التعليم الدولية حول معرفة أفضل المناهج التي تعتمد على الإبداع والتفكير، ومعرفة الأسلوب الأمثل لإعداد معلمين قادرين على إعداد المستقبل، لأن تخريج طلبة ذوي فكر إبداعي ومعرفي لا يتحقّق إلا عن طريق معلمين مبدعين ومفكرين.

وأشار سنج إلى أهمية وجود تنسيق مستدام بين كل من وزارات التربية والتعليم والمدارس والجامعات في أي دولة من أجل تحقيق الأهداف سالفة الذكر من تخريج طلاب مبدعين ومدرسين أكفَاء على قدر المسؤولية.

تطوير المناهج الدراسية

في الجلسة الثالثة للمؤتمر، التي رأستها الأستاذة رابعة علي محمد السميطي، المفتش التربوي بجهاز الرقابة المدرسية في هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي، دار الحديث عن موضوع “تطوير المناهج الدراسية”.

وتحدثت الشيخة خلود القاسمي مديرة إدارة المناهج في وزارة التربية والتعليم في ورقتها عن “الآليات والأسس لوضع المناهج المدرسية وتطويرها”، موضحة أن التعليم يعدّ ظاهرة حضارية تمثّل إحدى وسائل تطور المجتمع الإنساني وتقدّمه، وأنه أضحى في وقتنا الراهن الركيزة الأساسية لتحقيق النهضة المجتمعية الشاملة وصولاً إلى الريادة العالمية.

وأضافت أن الدول المتقدمة لم تدخل آفاق العالمية إلا عبر بوابة التعليم بعد أن جعلته على رأس أولوياتها وبرامجها، واعتبرته قاطرة عبورها نحو القرن الحادي والعشرين، قرن التنافس الحضاري بين الأمم.

وأكدت القاسمي أن دولة الإمارات العربية المتحدة تولي اهتماماً خاصاً لدعم التعليم وتطويره، يقيناً منها أنه الدعامة الأساسية لتحقيق التنمية الشاملة، وأنه العامل الحاسم لتحقيق التفوق والتميز في حراكها الاجتماعي، مبيّنة أن من مظاهر دعم الدولة للتعليم هو اهتمامها بتطوير مناهجه بوصفها صلب التعليم ورهانه الأقوى وأهم وسائله نحو تحقيق الأهداف المنشودة.

الاقتصاد المعرفي

من جهته، قدم الدكتور عبد اللطيف محمد الشامسي المدير العام لـ”معهد التكنولوجيا التطبيقية” في الدولة، في ورقته بعنوان “المنهاج المدرسي والاقتصاد المعرفي” عرضاً لواقع التعليم الحكومي في دولة الإمارات العربية المتحدة، مع التركيز على مرحلة التعليم الثانوي التي تعنى بتوجيه الطاقات الشابة نحو مستقبلهم المهني، بما يخدم التقدّمين العلمي والصناعي، ويعزز نمو الاقتصاد المعرفي.

وأشار الشامسي إلى أنه عند عرض نِسب أعداد الطلاب في دولة الإمارات العربية المتحدة، خاصة في التعليم الحكومي الثانوي “يتبيّن بوضوح وجود خلل في انتساب الطلاب إلى المسارين العلمي والأدبي، حيث ينتسب أكثر من 70% من الطلاب إلى المسار الأدبي و30% إلى المسار العلمي، وهو ما لا يعزز إطلاقاً بناء الاقتصاد المعرفي الذي تنشده الدولة من خلال الاستثمار العالي في مشروعات التنمية الاقتصادية ذات التقانة المتطورة”.

ولفت الشامسي إلى أنه إضافة إلى الخلل في نِسب أعداد الطلاب المنتسبين إلى كل من المسارين الأدبي والعلمي، فإن تحليل بيانات أعداد الطلاب يشير إلى تسرّب الطلاب المواطنين خارج نظام التعليم، وبالأخص في الصف العاشر.

وأوضح أنه بعد استقراء نظم التعليم في دول صناعية متقدّمة تقوم على الاقتصاد المعرفي، مثل سنغافورة وألمانيا، فإنه يقترح في ورقته تصوراً عاماً لعلاج الخلل الحالي في نظام التعليم في الدولة، من خلال إعادة هيكلة نظام التعليم الثانوي في خطة تشمل: توسيع رقعة التعليم التقني والفني، وإصلاح التعليم المدرسي والأكاديمي ليوفّر للطلاب فرص اختيار المواد، مع التركيز على العلوم الطبيعية.

وعرض الشامسي في ورقته تجربة عملية مطبّقة على أرض الواقع، ذات مخرجات تعليمية، وتؤهل كوادر وطنية قادرة بالفعل على ترجمة “الرؤية الاقتصادية لأبوظبي 2030″، التي تتمثل، بحسب الشامسي، في “معهد التكنولوجيا التطبيقية” في دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي يعدّ نموذجاً على مستوى الدولة والمنطقة أيضاً، حيث يلبي احتياجات الدولة من الكوادر البشرية المؤهّلة لتنمية الاقتصاد المعرفي.

وقال إن المعهد عمل على استحداث نظم تعليمية حديثة وتطويرها تتناسب ومتطلبات التنمية الصناعية، كما يعمل على إتاحة نظم تعليمية ذات جودة عالية، وتوفير برامج متخصصة لخرّيجيه في مجالات التكنولوجيا الصناعية، وتوفير برامج تدريبية متخصصة لتأهيل الطواقم الفنّية مهنياً في الدولة.

أثر التكنولوجيا في مناهج التعليم الحديثة

في ختام الجلسة الثالثة، أكد الدكتور دونالد ج. كنيزيك، الرئيس التنفيذي للجمعية الدولية للتكنولوجيا في مجال التعليم في الولايات المتحدة الأميركية في ورقته البحثية بعنوان “أثر التكنولوجيا في مناهج التعليم الحديثة”، أنه ليس هناك شكّ في أن تعلم المحتوى الأكاديمي التقليدي، لا سيما في البيئة الدراسية القديمة، “لم يبقَ كافياً على الإطلاق لتحضير متعلّمينا ودارسينا ومبدعينا ومجددينا الصغار وإعدادهم للأدوار القيادية في الوقت الحالي”. لافتاً إلى أنه ربما يصبح إخفاق المنهج الدراسي التقليدي في الظروف التقليدية أكثر دراماتيكية إذا ما تصوّرنا أن هؤلاء المتعلمين يتقدمون ليكونوا قادة في مجتمع ذي اقتصاد عالمي رقمي مترابط على نحو متزايد”. وأضاف كنيزيك أن المهارات الرقمية للقرن الجديد تشكّل أساساً تعليمياً متطوّراً للعصر الرقمي، مثلما أنها تُعدّ أيضاً منهجاً أساسياً للتعلم والعيش والعمل والإبداع؛ وذلك عند إضافتها إلى الأدوات والاستراتيجيات سريعة التطور.

Share