«لا تستسلم».. .. قصَّتي مع البشر والسرطان .. نصيحة محمد بن زايد.. وموقف عمران وهدية عائشة

  • 18 مايو 2017
حين شرّفني الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بالاطلاع على كتابه الجديد «لا تستسلم.. قصتي مع البشر والسرطان»، والذي سيصدر قريباً تحت عنوان «لا تستسلم.. خلاصة تجاربي»، بدر إلى ذهني التساؤل التالي: هل سيتطرق الكاتب إلى مسائل ذات طابع خصوصي، شخصي وأسري وقبلي، وحتى سياسي مثلاً؟ وعندما قرأت الكتاب وجدته يُفصِّل تجاربه الحياتية، ويُقدِّم إجابات لأسئلة طُرحت خلال السنوات الماضية، منها: ما مدى قربه من صانع القرار في دولة الإمارات؟ ومن أين يستمد الجرأة في الجهر برأيه؟ إلخ.

كتاب «لا تستسلم» الذي تنفرد «الاتحاد» بنشره على حلقات، جديد من ناحية الموضوع والطرح والمنهج، فيه يسرد جمال سند السويدي خلاصة تجاربه مع البشر، ومع مرض السرطان، ويأتي على أدق التفاصيل في حياته، النجاح والفشل، الصحة والمرض، القوة والضعف، والهدف من كل ذلك هو زرع الأمل في الناس، أينما وجدوا.. إنه يُمثّل تجربة جمال السويدي الإنسان والمفكر والباحث، فيها الحديث عن الذات، وعن الأسرة، وعن الوطن والأمة، وعن علاقة المثقف بالسلطة.. كتاب يجعلنا نكتشف جمال السويدي من جديد، وأيضاً نتعرَّف إلى أسلوبه في مواجهة مصاعب الحياة..

وفيما يلي نص الحلقة الثالثة:

ركزت تجربة الحلقة الماضية على تجربة المؤلف الحياتية من الميلاد وإلى غاية نهاية المرحلة الابتدائية، وقد جمع فيها الكاتب بين الخاص والعام، وفي هذه الحلقة سنتطرق إلى تجربته في المراحل التعليمية المتوسطة والثانوية، وقبلها فهم الناس للدين في ذلك الوقت والعلاقات الاجتماعية، كما سنعرض إلى قراره الحاسم والجريء بالتوقف عند التدخين بعد عقود من التعاطي مع هذه الآفة العصرية.
يُشخِّص الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي في كتابه هذا دور الأسرة والمسجد والمجتمع، ثم المدرسة، باعتبارها مؤسسات تربوية لعبت دوراً كبيراً في غرس القيم والعادات والتقاليد أيام طفولته، وأن المساجد على وجه التحديد، كانت في تلك الفترة مكاناً تجد فيه النفس راحتها، وكان المجتمع متديناً بشكل عام، وللدين دور رئيس وأساسي في حياة أفراده، لكن معنى التدين آنذاك كان يرتبط بالسلوك الأخلاقي وعفة اللسان والأمانة والصدق والزهد واحترام الجميع ومنظومة سامية من الفضائل والقيم، ولم تكن هناك المظاهر التي ترتبط بالتدين الشكلي، من تقصير الجلباب أو إطالة اللحى، ولو أن شخصاً بدأ يخرج عما هو مألوف ومعروف من مظاهر التدين المعتدل ويبالغ في شكلياتها، لنُظر إليه بوصفه مجنوناً.

مشاركة الشيعة

وبإشارة من الكاتب في الحاضر عبر استدعاء الماضي، يقول: «لو قلت لشخص ما إن هناك أناساً يُطلقون على أنفسهم الإخوان المسلمين لسألك على الفور: إذا كان هؤلاء مسلمون، فمن نحن؟ هل نحن من الكافرين مثلاً؟! ومن المؤكد أن كلاً منا كان موقناً في قرارة نفسه بأنه من المستحيل أن يُفجِّر مُسلم مسجداً أو يقتل المصلين مهما بلغ إجرامه».

وتبدو تلك المرحلة الزمنية غاية في التسامح والتعايش والحوار، الشاهد على ذلك قوله: «لم نكن في زمن طفولتنا نشهد التعصب الطائفي المقيت الذي يجتاح حياتنا الآن، ففي سنواتنا الأولى أذكر جيداً أننا كنا نشارك إخواننا الشيعة مناسباتهم واحتفالاتهم الدينية، ونذهب إلى الحسينيات لنشرب شراب الفيمتو دون أن نجد من آبائنا أو أمهاتنا أو إخوتنا من يمنعنا من ذلك، أو يسيء إلى الإخوة الذين قاسمونا الحياة منذ مئات السنين، ولم تكن هناك فتاوى الشؤم التي تغرس في عقول الأطفال وقلوبهم بذور الكراهية والحقد والانغلاق على الذات وتشويه الآخرين».

ويبين الكاتب أن الاختلاف والتنوع الثقافي والبشري كان من سمات كل إمارات الساحل، وأن الطبيعة الجغرافية بما فيها من بحر كان لها تأثيرها المباشر على حياة السكان، وهناك ذكريات لا تزال جميعها محفورة في ذاكرته، ومنها عملية «الختان» التي تعرض لها في نحو الخامسة من عمره، وآنذاك لم يكن ختان الذكور حينها حدثاً عادياً، بل كان مناسبة اجتماعية مهمة يُدعى إليها الأهل والجيران وأبناء «الفريج»، وتقام فيها الولائم والاحتفالات، وتُقدَّم خلالها الهدايا للطفل وأهله.
فضاء التعايش

المدهش أن الانتماء للجماعة، وسّع من مساحة التعايش مع الآخر الوافد من الخارج، وأيضاً حقق الاعتراف بشرعية الاختلاف، والدليل أن كثيراً من الهنود والإيرانيين وجنسيات أخرى كانوا يعيشون مع أهل الإمارات وتتداخل العلاقات فيما بينهم، وأن كل أشكال العنصرية كانت غائبة تماماً عن المجتمع في تلك المرحلة فلا تفرقة بين مواطن وغير مواطن، أو بين شيعي وسني، أو بين مسلم ومسيحي.. بل كان من العيب أن يقترف شخص هذا الخطأ، فحين كان يلتقي إنساناً في ذلك الوقت كان آخر ما يسأله عنه هو دينه أو جنسيته.. يُسلّم عليه ويتحدث معه، لا يدري أهو شيعي أم سني.. تاجر كبير أم عامل فقير، لم يكن أحدٌ يسأل أحداً، على حد ما ذكر الكاتب.

يقر الكاتب بأن الحياة كانت صعبة، ومع ذلك فقد تم التأقلم معها، لنتابع قوله: «كانت ظروفاً فيها من الصعوبة ما فيها، لكنها صقلت شخصيتنا وجعلت عودنا أصلب، وأعتقد أن قوة الإرادة والقدرة على الاحتمال التي تشكلت لدى جيلنا لا تزال من بين سماته المميزة، وأنا من المؤمنين بأن الظروف الصعبة تصنع الإبداع وتحفز الإنسان إلى إيجاد الحلول لمشكلاته وشحذ ملكاته وطاقاته الذهنية».

هنا يذكر المؤلف حادثة طريفة مرتبطة بتلك الفترة لها مغزاها، وتعد عبرة للأجيال الراهنة يقول: «في أحد الأعياد كانت الأسرة تمتلك مئة درهم خصصتها للاحتفال به، ولا أذكر ما إذا كان عيد الفطر أو عيد الأضحى، ولسوء الطالع هبّت رياح قوية أطارت الدراهم المئة، وفي هذه السنة لم نُعيِّد، تعود هذه الحادثة إلى ذهني حين أرى الآن أسراً ينفق أطفالها فقط آلاف الدراهم وهم يحتفلون بأحد الأعياد».

طوفان مشاعر

ويذكر الكاتب أنه لم يكن لديه اهتمام خاص بالسياسة وقتها، لصغر سنه، لكنه يتذكر وقع هزيمة 1967 على الناس من حوله، خاصة أنها جاءت بعد حدث شخصي مؤثر هو وفاة خاله، رحمه الله، وبخصوص الوصف الذي قُدِّم للأطفال وحتى لبعض الكبار لما حدث ـ كما يقول السويدي ـ كان أن «الكفار غلبوا المسلمين»، كما يتذكر طوفان المشاعر الذي تفجر من حوله في 28 سبتمبر عام 1970 برحيل عبد الناصر، وعن ذلك يقول: «كان عمري أحد عشر عاماً، وأذكر عمق الحزن في هذا اليوم، وأجواء الحداد والأسى، ولا أذكر أن الناس بكوا أحداً مثلما بكوه إلا في الثاني من نوفمبر 2004، حينما انتقل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى جوار ربه راضياً مرضياً» (حول مزيد من تقييم دور الزعيم جمال عبد الناصر وتأثيره في حياتنا العربية يمكن العودة إلى الكتاب).

يتطرَّق الكاتب بعد ذلك إلى تجربته في المرحلة الإعدادية، وما صحبها من تغيراتٍ وتحولاتٍ اقتصاديةٍ شهدتها دولة الإمارات العربية المتحدة أتاحت بعض تسهيلات الحياة، منها أن السيارات أصبحت أكثر عدداً، والنقل أيسر وأسهل، والطرق أقل وعورة، مما كانت عليه مقارنة بالمرحلة الابتدائية، ويختصر السويدي توصيف تلك المرحلة بقوله: «كان التغير بطيئاً وفي بداياته، لكننا كنا نلمسه». (لمعرفة تفاصيل هذه المرحلة يمكن العودة إلى الكتاب).

وكما هو في كل فصول الكتاب يربط المؤلف بين الأحداث الخاصة والعامة، كما هو الأمر في قوله: «في نهايات هذه المرحلة كنا على موعد مع حرب أكتوبر 1973، حيث تحلق الناس حول أجهزة الراديو، الذي كان الوسيلة الأكثر انتشاراً، ليتابعوا بلهفة أخبار الحرب التي خاضتها مصر وسوريا بدعم كبير من الدول العربية ضد إسرائيل، وكنت واحداً ممن تحلقوا حول جهاز الراديو في تلك الأيام ليتابعوا أخبار الحرب، وشاركت أبناء بلدي فرحهم بنتائجها، ولا أزال أذكر، كما يذكر العرب جميعاً بكل الفخر، المقولة الخالدة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله: «إن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي».

اكتمال الرجولة

ويذهب الكاتب إلى أن نضوج تفكيره كان في المرحلة الثانوية، وفيها أيضاً أصبحت بعض معالم طريق المستقبل واضحة لديه، وفي منتصفها اختار التخصص، الذي سيدرسه في الجامعة، وفيها أيضاً بدأ التدخين، وعن ذلك يقول: «في مستهل دراستي الثانوية بدأت أدخن، أو ربما حتى قبلها بقليل. ربما بدأ ذلك في سن 14 عاماً، وظللت أدخن أربعين عاماً تقريباً، وربما يستغرب كثير من الناس حين يعرف أن التدخين وقتها لم يكن عيباً بأي شكل، بل كان نوعاً من الوجاهة وإشعاراً باكتمال الرجولة.. ووصل معدل التدخين لديّ إلى ثلاث علب سجائر يومياً، ثم انتقلت عام 1997 إلى تدخين السيجار الذي كنت أستهلك منه كمية كبيرة أيضاً، وإضافة إلى ذلك كنت أدخن الشِّيشة طيلة هذه المدة».

من ناحية أخرى، فإنه ظل يدخن حتى أثناء تلقيه العلاج من السرطان، وعن تلك المرحلة يقول: «كانت الأدوية والمحاليل الطبية تنفذ إلى جسمي من فتحة جراحية في الكتف خلال وجودي في المستشفى، ومع ذلك كنت أخرج من الغرفة في جو قارس البرودة لأدخن في المكان المخصص لذلك، وقد اعتقد كثير من الناس أن إصابتي بالسرطان جاءت نتيجة لإفراطي في التدخين، لكنني أعتقد أن جزءاً من الأمر يتعلق بالاستعداد الوراثي، فقد توفي والدي رحمه الله بسرطان المعدة عام 1996، ويلي ذلك الجانب القدري في الموضوع». ونتيجة لذلك كله يعتبر يوم توقفه عن التدخين في 15 نوفمبر 2011، حدثاً محورياً، وكان قرار الإقلاع عن التدخين من بين القرارات التي أرهقته قبل اتخاذها، وقد أجَّله عدة مرات حتى حانت لحظةُ مواجهةٍ استجمع فيها قواه وحزم أمره، ويعترف السويدي بصاحب الفضل، قائلاً: «يجب أن أذكر هنا أن لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، فضلاً كبيراً في اتخاذي هذا القرار، إذ لفت نظري بشكل ضمنيّ إلى خطورة التدخين بعد أن تماثلت للشفاء، وقد اعتبرت حديثه توجيهاً جاء في وقته».

أوَّل سفر

بعدها يتطرق المؤلف إلى قرار دراسته للعلوم السياسية، والذي يعود إلى الصف الثاني الثانوي، وكان الشخص الذي أخبره بقراره وناقشه معه هو أخته عائشة، ووجد منها إعجاباً بالفكرة وتشجيعاً لها، وعن ذلك يقول: «حين قررت الالتحاق بقسم العلوم السياسية كنت في الصف الثاني الثانوي، وكان قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت خياري لسببين، أولهما: أن أختي تزوجت في الكويت في تلك الفترة وانتقلت أمي للعيش معها، والسبب الثاني هو: ما كانت تحظى به جامعة الكويت من تقدير في كل دول الخليج العربي، ومستوى التعليم المتميز فيها. وفي اللحظة التي اتُّخذ فيها القرار لم تكن هناك أي مشكلة تحول دون تنفيذه، وكان سفر أبناء دولة الإمارات العربية المتحدة للدراسة في جامعة الكويت أمراً شائعاً ومنتشراً، ولكن عام 1976 شهد حدثاً وطنياً مهماً، هو افتتاح جامعة الإمارات العربية المتحدة بمدينة العين، كخطوة على طريق النهضة التعليمية التي كانت محط اهتمام القيادة، وبالطبع كانت الجامعة الوليدة حريصة على اجتذاب كل من تقدر عليهم من أبناء الوطن للالتحاق بها، وبالتالي لا مبرر لسفر طالب إماراتي إلى دولة أخرى، حتى لو كانت شقيقة، لدراسة تخصص متاح بالفعل في الجامعة الوطنية التي تسعى إلى تثبيت مكانتها ووضعها.

وعن كيفية الخروج من المأزق السابق، يقول الكاتب: «سعيت وقتها إلى مقابلة وزير التربية والتعليم آنذاك، معالي الدكتور عبدالله عمران تريم، رحمه الله، وشرحت له دوافعي إلى الالتحاق بجامعة الكويت، وكان لي في اتساع صدره وقدرته على تفهم وضعي خير معين على إقناعه، ولعل شخصيته التي اتسمت بأصالة المعرفة وعمقها وشمولها، ورحابة رؤيته للعلم والتعليم، وقدرته على الخروج من ضيق التعليمات الإدارية وقيود الوظيفة كانت وراء قراره الكريم بالسماح لي بالدراسة في جامعة الكويت، مُبتعثاً من دولة الإمارات العربية المتحدة».

وسارت أموره إلى حيث أراد، وكعادتها، قدمت له أخته عائشة هدية مميزة مكافأة له على نجاحه، وهي: رحلة سياحية إلى إيران تحملت هي تكاليفها كاملة، وكانت تلك هي السفرة الأولى في حياته، خارج دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت التي كان يسافر إليها باستمرار، وكان سفره إلى الكويت بعد ذلك للدراسة نقلة نوعية كبيرة بالنسبة له.. نتابع تفاصيل تلك الرحلة وما تبعها في الحلقة المقبلة. -يتبع-

http://www.alittihad.ae/details.php?id=29050&y=2017&article=full

Share