لاتستسلم.. قصَّتي مع البشر والسرطان .. ابن الأشهر السبعة «النباتي».. وجمال عبد الناصر

  • 17 مايو 2017
حين شرّفني الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بالاطلاع على كتابه الجديد «لا تستسلم.. قصتي مع البشر والسرطان»، والذي سيصدر قريباً تحت عنوان «لا تستسلم.. خلاصة تجاربي»، بدر إلى ذهني التساؤل التالي: هل سيتطرق الكاتب إلى مسائل ذات طابع خصوصي، شخصي وأسري وقبلي، وحتى سياسي مثلاً؟ وعندما قرأت الكتاب وجدته يُفصِّل تجاربه الحياتية، ويُقدِّم إجابات لأسئلة طُرحت خلال السنوات الماضية، منها: ما مدى قربه من صانع القرار في دولة الإمارات؟ ومن أين يستمد الجرأة في الجهر برأيه؟ إلخ.

كتاب «لا تستسلم» الذي تنفرد «الاتحاد» بنشره على حلقات، جديد من ناحية الموضوع والطرح والمنهج، فيه يسرد جمال سند السويدي خلاصة تجاربه مع البشر، ومع مرض السرطان، ويأتي على أدق التفاصيل في حياته، النجاح والفشل، الصحة والمرض، القوة والضعف، والهدف من كل ذلك هو زرع الأمل في الناس، أينما وجدوا.. إنه يُمثّل تجربة جمال السويدي الإنسان والمفكر والباحث، فيها الحديث عن الذات، وعن الأسرة، وعن الوطن والأمة، وعن علاقة المثقف بالسلطة.. كتاب يجعلنا نكتشف جمال السويدي من جديد، وأيضاً نتعرَّف إلى أسلوبه في مواجهة مصاعب الحياة..
وفيما يلي نص الحلقة الثانية:

عرضنا في الحلقة الأولى من سيرة الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي، تعامله مع مرض السرطان منذ اكتشافه، وكيف واجهه بقوة الإيمان والصبر، وفي هذه الحلقة نواصل القراءة في خلاصة تجاربه، منذ الميلاد، ومراحل النشأة والتكوين، ولكن قبل ذلك، وكما سنرى تفصيلاً عند الانتهاء من هذه الحلقات نتوقف عند عامل مهم مكّنه من الانتصار على المرض، وعنه يقول المؤلف: «كانت زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، لي خلال فترة العلاج في هيوستن بالولايات المتحدة الأميركية محطةً فارقةً على طريق الشفاء، كما قام نجلاه الكريمان سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، وسمو الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان بزيارتي، كل على حدة».

يضيف السويدي شارحاً أهمية تلك الزيارة: «كانت زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، حافلة بالمعاني التي اعتدت أن أتوقف عندها في كل مناسبة تجمعني بسموه، وفي كل كلمة أسمعها منه، وفي كل قرار يتخذه»، وسنأتي على تأثير سموه في حياة وتجربة ونجاحات الكاتب في الحلقات المقبلة.

وبالعودة للكتاب «لا تستسلم» نجده يحتوي على خمسة فصول بالإضافة إلى فصل خاص بصور جمعت المؤلف مع كبار زعامات وقادة العالم والعلماء والمفكرين، ولا يمكننا التطرق إليها جميعها، وهي من الأهمية بمكان، وعلى القارئ العودة إلى الكتاب ليس فقط لأنه يروي تجربة حياتية ثريّة لمؤلف قاوم أشرس مرض، ومنحه الله الشفاء فحسب، ولكن لأن صاحب الكتاب شخصية غير عادية وبمواصفات خاصة منذ اللحظات الأولى لميلاده، وعن ذلك يقول السويدي: «كانت ولادتي يوم الخميس الموافق 30 يوليو 1959، في تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً، وقد وُلدتُ ابن سبعة أشهر، ووُضعت في حضَّانة.. لم تكن ولادتي سهلة، بل شابها الخوف والقلق، فقد جئت إلى الحياة قبل أن أكمل الأشهر التسعة التي يقضيها الأجنة في الأرحام».

ويصف حال والدته على النحو التالي: «كانت أمي على موعد مع ولادة لم تتوقعها في الشهر السابع من الحمل، وككل أم سكنتها المخاوف على صحة وليدها وحياته، ولم تخفِّف «حضّانة الأطفال» التي وُضعت فيها من هواجسها، إذ طافت بعقلها عشرات الحالات التي لم تُكتب فيها فرصة النجاة لأطفال وُلدوا قبل إكمالهم الأشهر التسعة، لكن مرور الأيام كان يهدئ من روعها شيئاً فشيئاً».
وقد تركت تلك الولادة المبكرة أثرها على الأم وولدها على طول أيام العمر، يظهر ذلك جلياًّ في قول المؤلف: «وإذا كان قُدِّر لي أن أتجاوز هذه المرحلة، فإن أيام الانتظار الطويلة تركت آثاراً في قلب الأم لا تغادر على مر السنين، حيث أقبلت أمي عليّ تمنحني حناناً لا حدود له، ولتُنسَج في اللحظة الأولى للميلاد أول خيوط علاقة متميزة ستربطني بها».

ومن جهته ارتبط بأمه لدرجة طبعت سلوكه بعد ذلك، الشَّاهد في ذلك قوله: «كثيراً ما يقول لي الأصدقاء والمحبون إن كلماتي ومشاعري ونبرات صوتي، وحتى لغة جسدي، تختلف حين أتحدث عن أمي»، (لمزيد من التفاصيل حول الأصول العائلية لجمال السويدي يمكن العودة إلى الفصل الأول من الكتاب).

تحوّل مؤثر

في تجربته الأُسَرِيَة يمزج الكاتب بين الخاص والعام، يقول بهذا الخصوص: «قبل أن أبلغ ست سنوات كان الموت قد زار أسرتنا مرات.. توفي أخي محمد عام 1963، وعمري أربع سنوات فقط، بعد مرض قصير لا أذكره تماماً، وكان في الثالثة من عمره.. دخل محمد المستشفى للعلاج، وكان على بعد كيلومترات منا، والخدمات الطبية فيه شديدة التواضع كما هي حال المستشفيات عموماً آنذاك.

ولأن موت الأقارب لا يزال محفوراً في الذاكرة، يواصل الحديث عنه كاشفاً عن علاقة بالروابط الدموية وأهميتها: «توفيت منى ابنة خالي علي وعمرها عام واحد فقط، ولم تكن علاقتنا بخالي علي علاقة عادية، فقد كنا نقيم معاً في المنزل نفسه، وكان طارق  ابن خالي  هو الرفيق والصديق الأكثر قرباً مني في مرحلة الطفولة وفي مراحل لاحقة من حياتي، حيث تربينا معاً، وهو أحد من يذكرون تفاصيل هذه الفترة التي عشناها معاً، حتى نهاية المرحلة الثانوية».

لا ينسى المؤلف أن يُذكِّرنا هنا بتحول خاص طبّع حياته منذ الصغر واستمر معه، فيما يعتبر سلوكاً مخالفاً لعادات الأكل في المنطقة العربية، وخاصة البيئة الخليجية، نتابع ذلك فيما يلي: «في الثالثة من عمري تقريباً، شهدت حياتي تحولاً مؤثراً، حيث توقفت تماماً عن أكل اللحم والدجاج والسمك، وأصبحت نباتياً منذ ذلك الوقت، ربما قبل أن أعرف أنا نفسي، أو يعرف الآخرون مصطلح «نباتي» الذي شاع فيما بعد، وكان لذلك التحول صعوبته، ففي شبه الجزيرة العربية يُعتبر اللحم والسمك الوجبات الأكثر انتشاراً، ويتفنن العرب في طهو أشهى لحوم الضأن والماعز وغيرها بنكهتها الخاصة وبالتوابل التي كانت السفن التجارية تجوب البحار والمحيطات لأجلها».

ويعترف السويدي أن ذلك شكَّل صعوبة لوالدته، لأن تحوله إلى الطعام النباتي كان يعني عبئاً إضافياً على أمه التي ستطهو لأفراد الأسرة طعاماً وتطهو له وحده طعاماً خاصاً به، غير أنها لم تكترث لما تبذله من جهد يضاف إلى جهود أخرى كثيرة تتكبدها عن طيب خاطر، وأضافت إلى قدور الطعام الخاصة بالأسرة قِدْراً جديداً تطهو فيه الأم الصبورة الأرز أو العدس أو الفول أو غير ذلك من ألوان الأطعمة النباتية.

العدَّة.. والنَّيادي

ويعلق السويدي عن تحوله إلى نباتي دون أن يمنعه أحد من ذلك بالقول: «لقد استغربت الأسرة الوضع في البداية، كما هو متوقع، لكن أياً من أفرادها الكبار لم يحاول إكراهي على شيء.. كان هناك تفهُّم من الوالد والوالدة والإخوة لطبيعتي الخاصة».

ويقول السويدي: «إن عدم إجباري على التخلي عن اختياري في الأكل يشير إلى مناخ أسري لا يتبنى القهر أو الإكراه أسلوباً للتعامل، ويميل إلى احترام خيارات كل شخص وقناعاته الخاصة، وربما يمكن أن أعزو إلى مثل هذا المناخ الصحي تفتُّح قدراتي، ونمو استقلاليتي وتفكيري المتحرر من القيود والضغوط، وكلها كانت سمات أهلتني لإحراز النجاح والتفوق في المراحل اللاحقة من حياتي».

المدهش أن جمال السويدي لم يغير عادته في الأكل، حتى عندما أصبح في موقع المسؤولية، بل تحولت إلى ميزة ونعمة، تمنّى أصدقاؤه لو شاركوه فيها، وهنا يذكر المؤلف قصة طريفة تتعلق بهذا الأمر، حكاها له الدكتور عبدالله النيادي، رئيس مجلس إدارة خيمة التواصل العالمية، إحدى الجهات التي كرَّمته، قال النيادي: لاحظت أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد يسألك باسماً: هل «العِدّة» موجودة؟ وكنت أحس بالفضول إزاء «العِدَّة»، فسألت عن هذا الرمز الغامض، فأجابني بعض الحضور بأن «العِدَّة» هي وجبات نباتية خاصة بالدكتور جمال، يعرف صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، أنه لا يتناول سواها.

هنا يعلق الدكتور النيادي ضاحكاً وهو يتحدث للمؤلف: «حقيقةً، شعرت بالغيرة، في كل مرة كان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، حريصاً على التأكد بنفسه من طعامك.. هذه أخلاق شيوخنا وقادتنا، وهي أيضاً مؤشر إلى طبيعة العلاقة بينكما ومدى قوتها.. هذه هي الأجواء والمعاني التي لا تُنسى في حياتنا».

نِعْم الأخت «عائشة»

بعد هذا يعود السويدي إلى الحديث عن شخصية نسائية أثرت في حياته، يقول: «إلى جوار جدتي وأمي كانت هناك شخصية نسائية أخرى أعدّها الأقرب إلى نفسي، وهي أختي عائشة التي ظلت دائماً صديقتي المقربة ومثلي الأعلى، وكان التأثير الأهم في شخصيتي في سنوات عمري الأولى يأتي من أمي ومن أختي عائشة، ويعرف المقربون مني أنني حين أقول: «أختي» دون أن أحدد الاسم فإنما أعني عائشة، وعند الحديث عن أي من أخواتي الأخريات فإنني أذكر أسماءهن»، لكن لماذا يكن الكاتب كل هذا الحب والتقدير لأخته عائشة؟

عن ذلك يقول: «عائشة التي تكبرني باثني عشر عاماً كانت أمّاً ثانية بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ، فقد تعهدتني منذ أيامي الأولى برعاية خاصة، وكانت معلمتي بالمعنى الحقيقي، فقبل أن أذهب إلى المدرسة كانت تُفرد لي وقتاً لتعلمني حروف الأبجدية والأرقام والمبادئ البسيطة للحساب، ولعلها سهّلت عليّ أن أتفوق على أقراني أو على الأقل خففت من عبء أيام المدرسة الأولى وساعدتني على اجتيازها.. الوحيدة التي تمتلك أهم المعلومات عن طفولتي».

على نحو آخر يعتبر الكاتب أخته ذاكرته، وعن ذلك يقول: إن أختي عائشة ليست بالنسبة إليّ أُمّاً ثانية فقط أو معلمة أولى، أو أختاً حنوناً، أو موجِّهة ومشرفة تتابع تطور أخيها الدراسي عن كثب، أو صديقة مخلصة كما كانت دائماً.. ليست كل ذلك فحسب.. لقد أصبحت ذاكرة، والذاكرة أخص خصوصيات الإنسان، وأن يعتبر إنسانٌ إنساناً آخر ذاكرته، فإن ذلك يعكس أعلى درجات القرب النفسي والروحي».

«أخونا عربي»

من ناحية أخرى يتحدث السويدي عن طفولته ضمن انتمائه العربي، والتي تجسدت في اسمه، والذي كان اختياراً قومياً وسياسياً، وعن ذلك يقول: اسم جمال كان اختياراً لوالدي وخالي، وحين تتحدث عن طفل وُلد في أواخر الخمسينيات ويحمل اسم جمال فإن السبب مفهوم، فقد كان والدي وخالي المتقاربان عمراً يجتمعان مثل ملايين العرب على حب الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر والإعجاب به شخصياً وسياسياً.. كانا يُقدِّران فيه دعوته إلى وحدة العرب واجتماع كلمتهم، ويُعجبان بحماسته الدافقة وإخلاصه في تبني فكرة القومية العربية».

ويكشف لنا عن الوعي القومي المبكر في هذه المنطقة، بقوله: «كان للقومية العربية حضورها وتأثيرها في الناس، وأذكر أنه لم يكن يقال ونحن صغار هذا سوري أو لبناني أو عراقي أو مصري، بل كان يُقال:

«أخونا عربي»، في تأكيد معنى الأخوة الجامعة بين أهل الإمارات وأيِّ شخص من دولة عربية أخرى، وفي تأكيد كذلك أن العروبة تستوعب الجميع، حتى لو كان الشخص ينتمي إلى دولة يعرفها من يخاطبه».

وفي ذلك الوقت من مرحلة المد القومي العربي، كان الدين يؤخذ بالفطرة، ويراعي شُرّاحه التقاليد والعادات والعرف، ولنا أن نتابع هنا كيفية تنشئة المؤلف دينياً لندرك الفرق ببن الحاضر والماضي، يقول السويدي: «والدي وخالي، ومعهما أخي الذي يكبرني بخمسة عشر عاماً، كانوا يصحبونني إلى المسجد ليغرسوا في نفسي العاطفة الدينية، ولأتعلم الصلاة منذ سنواتي الأولى، وفي المسجد، كان أول دروس الانخراط في مجتمع يحرص على الاحتفاظ بعاداته وقيمه، وتلقي آدابٍ للحديث والسلوك، حيث تتيح الصحبة للوالد والخال والأخ الأكبر أن يقدم كل منهم توجيهاته إليّ، وعيني وعقلي يراقبان ويسجلان ويكتسبان الدروس من لقاءات الكبار وحواراتهم.. كانت رحلات المسجد اليومية من بين وسائل التربية وإعداد الفرد للانخراط في محيطه الأكبر، ولا سيما في مجتمع يعيش كُلّاً مؤتلفاً وتصل بين أفراده أوثق الروابط والأواصر.. «نتابع في الحلقة المقبلة مزيداً من التفصيل حول فهم الناس للدين في ذلك الوقت في سياق خلاصة تجارب حياة السويدي.. النشأة والجذور». يتبع…

http://www.alittihad.ae/details.php?id=28814&y=2017&article=full

Share