كهرباء الخليج نووية عام 2025

  • 1 ديسمبر 2007

على مدى ثلاثة أيام انعقد في العاصمة الإماراتية أبوظبي المؤتمر السنوي الثالث عشر للطاقة محاولا البحث عن الأنسب لمنطقة الخليج العربي من ثلاثة مصادر للطاقة: الهيدروكربونية، أم النووية، أم المتجددة (شمس ورياح.. الخ)، وكانت المفاضلة بين صعبة وشرسة بين المصدرين الثاني والثالث مع اتفاق الجميع، خليجيين وأجانب، على أن مصادر الطاقة التقليدية باتت غير مجدية لأسباب عدة تتفاوت بين عدم قدرتها على تلبية الاحتياجات المتنامية وبين الأضرار التي تعانيها البيئة.

وكان واضحا أن الخبراء المجتمعين لم يتفقوا على ما هو الأصلح للمنطقة، وسعى بعضهم إلى التركيز على الطاقة النظيفة فيما ركز آخرون على الطاقة الآمنة في مسعى لترويج الطاقة النووية التي بدا أنها تربح الرهان لأسباب عدة وأهمها: تزايد هاجس حماية البيئة جراء انبعاث ثاني أكسيد الكربون من مولدات الطاقة المعتمدة على الفحم أو البترول، وسط زخم من البيانات والرسوم التوضيحية التي تدل على انتشار هذه الطاقة في العديد من دول العالم وبخاصة المتقدمة منها، مع ترويج أنها رخيصة وقادرة على تلبية احتياجات دول المنطقة، فيما حاول أنصار الطاقة الطبيعية التحذير من مخاطرها والإشارة إلى أن هناك مصروفات ‘خفية’ وغير معلنة تتكبدها الدول مثل الحماية الأمنية زائدا تكاليف التنظيف التي قد تصل إلى 15 مليار دولار.

وكيل وزارة الطاقة في دولة الإمارات لقطاع الكهرباء والماء علي بن عبدالله العويس رأى أن التحول نحو الطاقتين النووية والمتجددة أمر لا بد منه “شئنا أم أبينا” وسط تزايد الطلب الذي وصل إلى أعلى مستوياته في الإمارات خلال العامين الماضيين مع زيادة قدرها 15 في المائة في العام 2006.

وقال إن هذا التحول المنشود من الطاقة التقليدية يحتاج إلى فترة زمنية لا تقل عن 15 عاما. وتوقع في حوار مع “القبس” أن تدخل الطاقة النووية إلى أسواق الخليج بحلول العام 2025، مشيرا إلى أن هذه الطاقة تعد أحد الخيارات الأقل كلفة والأكثر وفرة، ولفت إلى أن ذلك لا يعني بالضرورة وجود حد فاصل بين الطاقة الهيدروكربونية المستخدمة حاليا والطاقة البديلة التي سيتم استغلالها مستقبلا.

رغبات غير ممكنة
وعن تضارب وجهات النظر خلال ندوات المؤتمر بشأن الطاقة “الأفضل” قال العويس: “الكل على حق.. الطاقة المستمدة من الشمس والرياح نظيفة ومأمونة 100 في المائة وكلفتها رخيصة لكن مشكلتها معنا في الخليج أنها لا تستطيع توفير احتياجاتنا الكبيرة التي يستهلك معظمها في تكييف الهواء وبخاصة الصيف وتحلية المياه على مدار السنة لكن يمكن أن تكون لها جدوى اقتصادية بعد سنين إذا اخترع العلم خلايا شمسية تستطيع إنتاج أكثر من 50 ميغاواط”، مشيرا إلى أن الاستهلاك الإماراتي يبلغ 18 ألف ميغاواط.

وأبدى العويس تفضيله للطاقة الطبيعية المتجددة إن كانت تلبي احتياجات المنطقة، لكنه ركز على أن الطاقة النووية باتت مأمونة لأن العالم توصل إلى إمكانيات للتعامل مع نفايات الوقود الذري بطرق آمنة، ولفت إلى وجود ما يزيد على 440 مفاعلا نوويا في العالم موزعة على 44 دولة توفر 16 في المائة من مصادر الطاقة في العالم بعد أن كانت في حدود 2.1 في المائة في العام 1971.

المستقبل نووي
وكان للوكالة الدولية الذرية رأيها في هذا الموضوع، فمدير قسم التخطيط والدراسات الاقتصادية في إدارة الطاقة النووية د. هانز هولغر روغنر رأى أن المستقبل يحمل زيادة في الإقبال على الطاقة النووية التي لا تزال تتذكر في الدول الصناعية. مشيرا إلى أن أرباب الصناعات النووية والحكومات باتوا اليوم يعيدون النظر في القدرات النووية بعد سنوات من الخوف بسبب مفاعل تشيرنوبيل الروسي في 1986 والطفرة التي شهدها إنتاج الطاقة الأحفورية (النفط والغاز) فالطاقة النووية، حسب رأيه، خيار مغرٍ عند مقارنته بمصادر الطاقة الأخرى.

ويقول إنه في ما يتعلق بالقضايا البيئية، فإن الطاقة النووية والطاقة المتجددة تتمتع بمزايا تجنب تلوث الهواء وانبعاثات الغازات. لافتا إلى فائدة أخرى وهي إمكانية تخزين الوقود النووي لفترات طويلة بتكاليف منخفضة ومخاطر تلوث قليلة، وأضاف أن توقعات الوكالة الدولية للطاقة النووية للأعوام الخمسة والعشرين المقبلة تشير إلى مضاعفة إنتاج الطاقة النووية بحلول العام 2030، وبناء قدرات جديدة وتنفيذها في جميع دول العالم تقريبا، ومنها دول الخليج العربي التي توقع أن تبدأ في إنتاج الطاقة النووية بحلول 2030.

حماية البيئة
وأقر المسؤول الدولي أن الطاقة النووية لا تعتبر خيارا مثيرا للاهتمام في منطقة الخليج من الناحية الاقتصادية، غير أنها مفيدة في حماية البيئة، كما أنه لا يمكنها حاليا منافسة إمدادات النفط والغاز الطبيعي المتوافرة في المنطقة، لكن من الممكن على المدى الطويل أن يصبح الخيار النووي ذا ميزة تنافسية عالية نظرا لتكاليفه الرخيصة، وطول مدة الاستفادة منها (50 – 65 سنة) وبعدها عن مخاطر التقلبات السعرية كما حدث في أسعار البترول. وأوضح أن التنفيذ الكامل لبروتوكول كيوتو سيؤدي إلى زيادة الاهتمام بالخيار النووي، ولفت إلى فروق كبرى بين توقعات الوكالة الذرية والاستثمارات الحالية في القطاع النووي وأوضح أن دول آسيا باتت تمتلك 28 محطة نووية فيما هناك 18 قيد الإنشاء.

استهلاك مفزع
د. بكر بن حمزة خشيم، أستاذ الهندسة الميكانيكية في جامعة الملك سعود عضو مجلس الشورى السعودي، قرع ناقوس الخطر باعتبار أن تزايد الطلب الخليجي على الكهرباء الذي يتزايد 8 في المائة سنويا “مثير للفزع”، موضحا أن المنطقة ستحتاج في عام 2028 إلى ما يزيد على 290 ميغاواط، لافتا إلى أن استهلاك الفرد فيه من الطاقة يزيد ثلاثة أضعاف عما عليه الحال في أوروبا.. لكنه برر ذلك بأن نحو 60 في المائة من هذا الاستهلاك يذهب إلى التبريد ومكيفات الهواء.

وقال الخشيم ل “القبس”: إن الطاقة التي تحتاجها دول الخليج في الوقت الراهن لا يمكن توفيرها إلا عبر المولدات التي تعمل بالبترول، لافتا إلى أنها تنتج حاليا نحو 95 في المائة من احتياجات المنطقة. أما مستقبلا مع تضاعف هذه الاحتياجات فرأى أن البديل هو الطاقة النووية، مع تعويله على إمكان تحقيق اختراقات علمية في سبل الاستفادة وطرقها من الطاقات الطبيعية المتجددة التي تتوافر في المنطقة، لكنه يوضح أن “التقنيات الموجودة حاليا ضعيفة وكفاءتها منخفضة ولا يمكنها إنتاج كميات كبيرة من الطاقة تلبي الاحتياجات المطلوبة”.

أكثر من بديل
وتابع د. خشيم: إن دولة الإمارات ودول الخليج معنية بإيجاد أكثر من بديل للوقود الأحفوري، المتوفر لديها بوفرة (الغاز والنفط)، لتوفير الكهرباء وتحلية المياه والتي باتت تعتبر عصب الحياة فيها، ورأى أن الاتجاه العالمي بات ينحو نحو الطاقة النووية مع تزايد نسبة الأمان في بناء المفاعلات، وأشار إلى أن ذلك لا يعني تجاهل الطاقة الطبيعية مثل الشمسية والرياح التي اعتبر أنها ستكون ‘مساندة’ لأن الكميات التي قد تتوفر منها لا تكفي الاحتياجات المتزايدة لدول المنطقة.

إيجابيات وسلبيات
أما المدير العام لوكالة الطاقة الذرية في منظمة التعاون والتنمية الأوروبية د. لويس أتشافاري فقد اتجه، بعد أن قدم ما يشبه الترويج للطاقة النووية وقدرتها على سد حاجات الدول الخليجية، نحو استعراض المشكلات التي وصفها ب “العقدة” على الصعد الفنية والاجتماعية والاقتصادية لافتا إلى ارتفاع أسعار الثيورانيوم في الآونة الأخيرة ما دفع إلى استكشاف مصادر جديدة له. وكما فعل كثير من المتحدثين لفت أتشافاري إلى أن الوصول إلى محطة نووية يتطلب وقتا طويلا قد يستغرق بين 10 و 15 سنة.

تحذير من النووي
وناقش اليوم الأخير من المؤتمر، الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الأسبوع الماضي، ورقة عمل حول ‘الدور المستقبلي للطاقة المتجددة في توليد القوة المحركة’ قدمها أستاذ الفيزياء التطبيقية في جامعة البحرين د. وهيب الناصر، أشار فيها إلى أن دول الخليج ينبغي عليها أن تتجه إلى الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتوليد الطاقة الكهربائية وتحلية مياه البحر، وعبر عن اعتقاده بأن الطاقة النووية خيار “غير جيد” لدول الخليج فالانعكاسات البيئية لهذا النوع من الطاقة هائلة حيث مازلنا نعاني من الآثار البيئية لحادثة تشيرنوبيل بعد 20 سنة على وقوعها في حين أن الآثار والأضرار التي سببتها حرائق آبار النفط الكويتية عام 1991 تلاشت.

الطاقة الشمسية
وقال الناصر إن دول الخليج معروفة بساعات سطوع الشمس والتي تصل إلى 3200 ساعة “ولو استثمرنا الطاقة الشمسية وحولنا الإشعاع الصادر عن الشمس إلى طاقة بشكل فاعل لتحولت إلى ثروة هائلة توازي الثروة النفطية”. ولفت إلى أن الطاقة الشمسية حتى تكون مجدية يجب أن تكون نسبة الإشعاع الشمسي العمودي 5 في المائة في الساعة وبمنطقة الخليج تصل هذه النسبة إلى 7 في المائة أي إن دول الخليج تتمتع بمصدر للطاقة غير مستغل.

وقال إنه لو خصص 1 في المائة من مساحة المملكة العربية السعودية للطاقة الشمسية فإن الطاقة المتولدة عنها ستلبي احتياجات كل دول مجلس التعاون حسب تقديرات عام 2005، وأوضح أن معظم المباني القائمة في دول الخليج غير متوائمة مع البيئة ولا تتمتع بخاصية الاستخدام الكفء للطاقة واستدامتها فقطاع الإعمار وحده في المنطقة يستهلك ما بين 50 و 60 في المائة من الطاقة.

حماس للطبيعة
على الجبهة المقابلة، كان الصوت الداعم للطاقة التي تخلقها الطبيعة قويا، فرئيس المؤتمر العالمي للطاقة البروفيسور علي الصايغ كان واضحا في القول: “لعل الحل الوحيد لهذه المنطقة كي تحفظ البقاء لنفسها هو أن تتبنى استخدام الطاقة المتجددة’، متمسكا بأنها “المستقبل” لشعوب منطقة الخليج الغنية بهذه المصادر.

وأشار الصايغ إلى أن “الاستخدام المفرط للطاقة خلق العديد من المشكلات على المستوى العالمي” وفي المنطقة العربية. واجتهد في عرض نماذج ناجحة لمشاريع توليد الطاقة الطبيعية: في دولة الإمارات، والبحرين، وتايلند وبريطانيا، وركز على أن ‘الطاقة الكهروضوئية باتت حقيقة واقعة في قطاع الإسكان عالميا”، عارضا نماذج لمنازل استغنت بشكل كامل عن الطاقة التقليدية.

وشدد على أن أسواق الطاقة الكهرضوئية باتت تتنامى بشكل هائل حتى باتت تمتلك القدرة التنافسية لتحدي أسعار الوقود الأحفوري، وفي سياق دفاعه عن فكرته، شدد الصايغ على أن الطاقة النووية وهم لا ينبغي التفكير فيه، ولتعزيز رأيه أشار، استنادا إلى تقرير بريطاني صدر أخيرا، إلى أن الكلفة الرسمية لما يسمى “تنظيف” 20 مفاعلا نوويا (أي إغلاقها وتحويلها إلى مواقع آمنة) وصلت إلى 150 مليار دولار.

سوء حظ
بدوره قال د. سليم الرحمن من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في المملكة العربية السعودية: إن منطقة الخليج تتميز بوفرة الرياح التي يمكن أن تولد الطاقة كما أنها تمتلك قدرا كبيرا من الطاقة الشمسية ولكن ولسوء الحظ لم يتخذ شيء تقريبا للاستفادة من هذه المصادر مقارنة مع ما يحدث في أوروبا وأمريكا الشمالية.

وأكد أن المنطقة تتوافر فيها أيضا التمويلات الوفيرة اللازمة للاستثمار بفضل ارتفاع أسعار النفط بالإضافة إلى ذلك فإن المواد الهيدروكربونية يمكن أن تستخدم لتصنيع العديد من المواد والمعدات بدلا من حرقها أو توظيفها لتوليد الكهرباء ومن هنا بات على دول مجلس التعاون تكثيف نشاطاتها ذات الصلة بمصادر الطاقة المتجددة.

وأشار إلى أن هناك تحركات تجري بالفعل في هذه المنطقة فالسعودية أعلنت أخيرا عن تخصيص أموال لإجراء بحوث في مجالي التغيرات المناخية والطاقة المتجددة، فيما أطلقت الإمارات العربية المتحدة مبادرة مصدر التي تبحث عن تعزيز اتجاهات توفير الطاقات المتجددة، وفي هذا السياق شدد الرحمن على أن دول مجلس التعاون تمتلك إمكانات هائلة لإنتاج مصادر الطاقة المتجددة، وأن هناك من العوامل ما يشجع على استخدام هذه المصادر ومنها وجود الخلايا الكهروضوئية وتوربينات الرياح وتوافر مادة السليكا النقية نسبيا وانخفاض تكاليف الألياف الزجاجية وقلة تكاليف الإنتاج، إضافة إلى رخص كلفة الأرض واليد العاملة.

ابحث عن السياسة
أشار عميد كلية القانون والعلوم السياسية في جامعة الملك سعود (المملكة العربية السعودية) د. صالح المانع، الى مدرستين حيال الموضوع النووي تتنازعان دول مجلس التعاون: الأولى متحمسة للشروع في بناء القدرات النووية الخليجية، للأغراض المدنية البحتة، خصوصا لتحلية المياه وإنتاج الطاقة الكهربائية وللاستخدام في مجال البحوث الزراعية والطبية، أما الثانية، فترى أن هناك علاقة استراتيجية بين دول الخليج والولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى، وأن هذه العلاقة تدعم الاستقرار في المنطقة ولا ترى أن ثمة حاجة إلى الاندفاع باتجاه بناء قدرات نووية، لأنهم يرون أن الوضع الأمني والاستراتيجي القائم في المنطقة لا بأس به، ويعتقدون أن الانسحاب الأمريكي من العراق لا يعني بالضرورة تراجع الولايات المتحدة عن التزامها أمن الخليج.

الوضع خطر
خلال المؤتمر عرض د. بكر خشيم إحصاءات وتوقعات لاستهلاك الدول الخليجية خلال السنوات الخمس الماضية وللعقدين المقبلين، فكانت النتيجة: “الوضع خطر” ويحتاج تنبيها.

وعن الكويت، أوضحت الإحصاءات أن الاستهلاك يزداد 7 في المائة سنويا، وأنه ارتفع من سبعة آلاف ميغاوات في العام 2002، إلى نحو 10 آلاف ميغاوات حاليا، مع احتمال أن يصل إلى ما يقارب ال 30 ألف ميغا بعد 20 عاما.

Share