كتاب السراب قراءة متأنية لواقع ومآلات جماعات الإسلام السياسي

  • 30 نوفمبر 2014

صدر مؤخرا للمؤلف الإماراتي الدكتور جمال سند السويدي مدبر عام مركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستيراتيجية كتاب جديد يبحث في واقع ومسار ومآلات الجماعات الإسلامية السياسية  تحت عنوان: السراب.

ويغوص الكتاب – الذي يشتمل على أربعة أبواب وسبعة فصول وخاتمة- في مفهوم الإسلام السياسي، والعلاقة التاريخية بين الدين والسياسة، فيما يفرد الباب الثالث للجماعات الدينية السياسية (الإخوان، السلفيون، السروريون، التنظيمات الجهادية)، أما الباب الثالث فيتناول اتجاهات الرأي العام حول هذه الجماعات،أما الباب الرابع والأخير فقد كرسه المؤلف لرؤية ختامية.

كتاب السراب الذي يأتي بعد فترة من صدور كتاب آفاق العصر الأمريكي للمؤلف نفسه  يتناول في بحث معمق موضوع الجماعات الإسلامية من عدة زوايا شملت  الفكري والتنظيمي الحركي، كما غاصت في الجوانب العقائدية والسياسية والمجتمعية للظاهرة.

وينطلق الكتاب من فكرة أن الشعارات التي تروج لها الجماعات السياسية المتطرفة ليست سوى سراب مترتب على وهم يستغل الدين الحنيف لمصالح سياسية أو شخصية، ويخلط الأوراق ويحمل الآخر مسؤولية التخلف والتراجع الثقافي والحضاري للعالمين العربي والإسلامي، ويحتكر تفسير الدين، ويروج لمفاهيم غير واقعية، كالخلافة والبيعة..

يتتبع الكتاب تاريخ الجماعات متناولا بالدرس والتحليل تاريخ كل منها،  منذ النشأة وحتى فشل تجربتها في الحكم ، مشددا على وجود قدر كبير من التشابه بين مرحلة التخلف في القارة الأوربية إبان القرون الوسطى وأفكار الجماعات الدينية السياسية وممارساتها في العالمين العربي والإسلامي في العصر الحديث، من حيث البنية الفكرية والسياسية وعلاقة الدين بالسياسة ودور رجال الدين في الحقبتين.

ويرى المؤلف أن الجماعات الدينية السياسية ارتكبت خطأ فكريا تأسيسيا باعتمادها تفسيرا حرفيا للنصوص قرآنية وللأحاديث النبوية الشريفة وفق قاعدة عموم اللفظ وليس خصوص السبب الذي نزلت من أجله هذه النصوص الشريفة أو ذكرت في سياقه، بما يعبر عن وجود إشكالية العلاقة بين المقدس والدنيوي، وبين النص والواقع، أو ثنائية النص والعقل،  وهو ما أدى بها في نهاية المطاف إلى منزلقات خطيرة استباحت فيها الدماء وارتكبت من أجلها الفظائع.

ويعتبر المؤلف أن مبدأ “الحاكمية” الإلهية تعتبر من أكثر شعارات الجماعات الدينية السياسية جدلا، مؤكدا على أن أغلب الفقهاء يتفقون على أن هذا المبدأ الذي لم يرد في أي آية في القرآن أو في أي من الأحاديث النبوية يثير العديد من الإشكاليات المفاهيمية والفقهية، منبها إلى أن مفهوم الحاكمية الذي تسعى الجماعات إليه يؤسس لنظام حكم ثيوقراطي (ديني) مستبد، يضفي نوعا القداسة على سلطة الحاكم الذي سيزعم عندئذ أنه يطبق شرع الله ويستمد أحكامه منه.

ويضيف أن خلط هذه الجماعات بين الدين والسياسة، جعلها توظف الأول لخدمة الثاني،وهو ما يعد أحد أسباب تطرفها، وعدائها لمخالفيها في الرأي ، وهو ما أدى بها إلى أن تجعل نفسها حكما ورقيبا وقاضيا على أي فكر مغاير، وهو ذات المنطق الذي أدى إلى ظهور محاكم التفتيش الأوربية إبان عصور الظلام، حيث انطلقت فكرة هذه المحاكم من رؤوس رجال الكهنوت، وكانت وظيفتها تطبيق نصوص الإنجيل كما فسروها، ملاحقة كل من يخالفهم الرأي.

لقد أدى ذلك بهذه الجماعات إلى الانغلاق على نفسها رافضة التأثر بالجوانب الإيجابية للمجتمعات غير الإسلامية، التي أظهرت قدرة على مواكبة  العصر وتطوراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر التقدم التقني والعلمي والفكري.
ويتساءل المؤلف هل لا بد لنا أن نكرر أخطاء ومآسي الآخرين، دون أن نأخذ منها العبر والدروس؟

ويرى المؤلف أن فصل الدين عن السياسة والاقتصاد والاجتماع كان سبيلا للقارة الأوربية نحو التقدم العلمي والارتقاء الإنساني، يمكن أن يحقق ذات النتائج والأهداف وأن يقود للنتيجة ذاتها إذا ما طق في العالمين العربي والإسلامي، دون الاعتقاد أن هذا الفصل سيعني حتما إبعاد الله عن حياة المسلمين، فالمدنية – يضيف المؤلف-  ليست كفرا أو إلحادا، والدولة المدنية يمكن أن تحل العديد من المشكلات الاجتماعية الناتجة مما يسمى “توترات الهوية” عند المسلمين.

المؤلف يرى أن من أكبر الإشكاليات التي تعانيها الجماعات الدينية السياسية في العالمين العربي والإسلامي هو أنها تضع ما تسميه “دولة الخلافة” بديلا وحيدا للدولة المدنية، دون أن تبحث عن سبل لبلورة صيغة عصرية قابلة للحياة من هذين البديلين، بل اكتفت بالمضي وراء مصالحها وتنفيذ خططها حتى ولو أدى بها ذلك إلى مخالفة ثوابت الصبغة الدينية ومبادئ الدولة التي تروج لها.

ويضرب المؤلف مثلا لما ذهب إليه بتقلب مواقف جماعة الإخوان المسلمين في مختلف الدول العربية حيال بقية التيارات السياسية بشكل يستحق الرصد والمتابعة، فتارة يرفعون شعار” مشاركة لا مغالبة”، ثم لا يجدون حرجا في الانقلاب عمليا عليه ومحاولة الانفراد المطلق بالحكم في تعبير واضح عن شهوة السلطة والنزعة الدكتاتورية التسلطية.

المؤلف وفي حديثه عن أكبر وأقدم حركات الإسلام السياسي رأى أن طموح الإخوان المسلمين نحو الوصول إلى السلطة بعد أحداث الربيع العربي مثل أوج الانتهازية السياسية التي تقودها المصلحة بعيدا عن الثوابت والمبادئ، مؤكدا على أن التجربة السياسية المصرية للإخوان انطوت على براهين واضحة تعكس تدني قدرات الجماعة على مستوى القيادة والتخطيط وإدارة شؤون الدول، وعلى مستوى الكفاءات والكوادر التي يمكن إسناد المناصب إليها دون قلق أو خوف على مصائر الدول.

ويؤكد المؤلف على أن تجربة حكم الجماعة في جمهورية مصر تحديدا وما آلت إليه الأمور فيها ستفرز نتائج بعيدة المدى على مسيرة الجماعة لكون هذه التجربة حدثت في الدولة التي شهدت تأسيس وتمدد الجماعة وانتشرت منها إلى عشرات الدول في العالمين العربي والإسلامي فضلا عن كونها تجربة ذات بعد استثنائي قياسا على أنها جرت في أكبر بلد عربي من حيث تعداد السكان.

وفي معرض حديثه عن اتجاهات الرأي العام حول جماعات الإسلام السياسي يعرض المؤلف لاستطلاع رأي حول هذه الجماعات أجري على عينة من مواطني 11 دولة عربية خلال العامين 2010-2011، ورغم أن أغلب أفراد العينة يعتبرون أنفسهم متدينين فإنهم يرون أنه يجب أن لا يكون لرجال الدين نفوذ على قرارات الحكومات، كما أنهم يؤيدون فصل الدين عن الحياة السياسية.

الدراسة أظهرت  عدم وجود معرفة كبيرة لدى عينة الدراسة بالجماعات الدينية السياسية بصفة عامة، وسجلت أعلى معدلات المعرفة   لديهم بجماعة الإخوان المسلمين، ثم السلفيين، والتنظيمات الجهادية وفي مقدمتها “القاعدة” و “داعش”.

ويخلص المؤلف في نهاية هذا الباب إلى أن نتائج الدراسة تبرهن على زيف ادعاءات قيادات هذه الجماعات، وإصرارهم على تبني خطاب “المؤامرة ” ، وأن هناك أيادي خفية عملت ضدهم وأسهمت في رفض الشعوب لهم.

كتاب السراب هو عبارة عن جرس إنذار من خطر التطرف، وبحث معمق في تاريخ وحاضر الحركات الدينية السياسية، يرصد أفكارها ويعرض لتطلعاتها ويتابع مساراتها، ليصل في نهاية المطاف إلى خلاصة مفادها؛ أن هناك تشابها لافتا للنظر بين حال الملايين في العديد من دول العالمين العربي والاسلامي، وحال من يتعرض لتأثير ظاهرة السراب في الطبيعة، ضمن رؤية علمية لا ترتبط بالتوصيف الإيماني العقائدي للجماعات الدينية.

Share