قيام اتحاد الإمارات.. دروس للعالم

  • 2 فبراير 2016

بقلم: د. جمال سند السويدي

لاشك في أن إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من شهر ديسمبر من عام 1971، كان حدثاً تاريخياً كبيراً، غيّر كثيراً من المعطيات الاستراتيجية، سواء نظرنا إليه من المنظور الخليجي أو العربي أو العالمي.

فعلى المستوى الخليجي، أدى إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة إلى سد الفراغ الذي تركه الانسحاب البريطاني من منطقة الخليج العربي في عام 1971، ومن ثم قطع الطريق على بعض القوى التي كانت تستعد وتعمل على ملء هذا الفراغ والتمدد فيه وتحقيق أطماعها على حساب شعوب المنطقة، خاصة أن العالم العربي كان يعيش حالة من الانكسار والضعف بعد هزيمة عام 1967 وتراجع وضعف التيار القومي بعد وفاة جمال عبدالناصر، فقد أدى إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة إلى خلق كيان عربي قوي، خلافاً لكل التوقعات والتقديرات التي كانت تشير إلى صعوبة، إن لم تكن استحالة، تكوين هذا الاتحاد، استناداً إلى التجارب الوحدوية العربية الفاشلة الكثيرة من ناحية، والاعتبارات القبلية التي كانت تحكم المنطقة من ناحية أخرى، إضافة إلى العراقيل الصعبة التي وضعتها أطراف مختلفة أمام دولة الوحدة، سواء قبل قيامها أو بعده. وفي هذا السياق فقد عبّر الاتجاه الجاد والمخلص نحو الوحدة، من حيث الزمان والمكان، عن الوعي السياسي الكبير للقادة المؤسسين الذين أدركوا أن الخيار الحتمي، للحفاظ على مصالح شعوبهم وسيادتها على أرضها فضلاً عن هويتها، بعد الانسحاب البريطاني من الخليج العربي، هو الاتحاد في وطن واحد يعتمد على نفسه ويمتلك مقوّمات الصمود في وجه التحديات أياً كانت طبيعتها أو مصدرها.

وعلى المستوى العربي، كان إنشاء اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة حدثاً تاريخياً استثنائياً، لأن القائمين عليه، وفي مقدمتهم المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، لم تفتّ في عضدهم المحاولات الوحدوية الفاشلة الكثيرة التي شهدتها المنطقة العربية قبل عام 1971، وكانت كفيلة بأن تبث اليأس في النفوس وتثبط الهمم وتعوق أي جهد من أجل الوحدة وتصيبه بالإحباط، وذلك بسبب كثرتها ومواجهتها للمصير نفسه وهو الفشل. وبفضل إرادة الآباء المؤسسين وتصميمهم، أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة التجربة الوحدوية العربية الوحيدة التي استطاعت، ليس البقاء والصمود في وجه التحديات فقط، وإنما تقديم نموذج فريد، للعالم كله أيضاً، في الوحدة والتنمية.
وعلى المستوى العالمي، فإن إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة، قد حفظ الأمن والاستقرار في منطقة من أهم المناطق الاستراتيجية بالنسبة إلى اقتصاد العالم وأمنه واستقراره، وخاصة أن دولة الوحدة قد أثبتت أنها إضافة مهمة إلى عوامل الاستقرار والسلام والتعايش، ليس في منطقة الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط فقط، وإنما في العالم كله أيضاً.

إن إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن أنه كان حدثاً تاريخياً فارقاً على المستويات الخليجية والعربية والدولية، فإنه قدّم دروساً مهمة في مجال العمل من أجل الوحدة، على أي مستوى وفي أي مكان وزمان، وأول هذه الدروس، هو التدرج في الوصول إلى الوحدة، فعلى الرغم من أن فكرة الوحدة كانت تسيطر على المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان منذ اليوم الأول لتسلمه حكم إمارة أبوظبي في السادس من أغسطس عام 1966، فإنه عمل على تحويلها من حلم إلى واقع من خلال التدرج والخطوات المتأنية من دون تسرع أو اندفاع غير مدروس. وكانت الخطوة الأولى في هذا المسار الاتفاق في عام 1968 على دمج إمارتَيْ أبوظبي ودبي في اتحاد واحد، ثم توالت بعد ذلك الخطوات تلو الخطوات، التي بنيت على الخطوة الأولى وانطلقت منها، وصولاً إلى إعلان الاتحاد في الثاني من ديسمبر عام 1971. والدرس الثاني، هو أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد قدمت نموذجاً عملياً للعالم العربي على إمكانية الوحدة الناجحة، لكن بشرط توافر الإرادة والتصميم والعمل الجاد البعيد عن الشعارات والأيديولوجيات والمصالح الخاصة والأمجاد الشخصية، فقد فشلت كثير من تجارب الوحدة العربية بسبب المصالح الخاصة، والصراعات حول المجد الشخصي. ومن الأمور المهمة التي أكدتها تجربة الوحدة الإماراتية أنها أثبتت أن الفشل لم يكن قدراً محتوماً على التجارب الوحدوية العربية السابقة أو اللاحقة، وإنما للفشل أسبابه التي من المهم تجنبها، وللنجاح أسبابه التي يجب الأخذ بها. والدرس الثالث، هو عدم الوقوف أمام العثرات مهما كانت شدتها، فقد استمر العمل من أجل اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة سنوات طويلة، تخللتها خلافات ومشكلات وانتكاسات، لكنها لم توقف العمل من أجل بلوغ الهدف النهائي، حيث كان العمل في البداية من أجل اتحاد تُساعي يضم أبوظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة وأم القيوين وعجمان والفجيرة وقطر والبحرين، ثم قررت البحرين وقطر الاستقلال، لكن هذا لم يمنع الاستمرار في الجهود، فكان الاتحاد السُّباعي، وحينما تأخر انضمام إمارة رأس الخيمة إلى الاتحاد، لم يوقف هذا الأمر إعلانه، ثم جاء انضمام رأس الخيمة في عام 1972، ليكتمل عقد دولة الإمارات العربية المتحدة، ولتصبح تجربتها في الاتحاد والتنمية مضرب المثل في قوة الإرادة والعزيمة والتصميم على بلوغ الهدف والتطلع الدائم نحو المركز الأول. والدرس الرابع، هو أن الوحدة لا تقوم على العواطف والشعارات فقط، وإنما هي عمل جاد ومستمر من أجل تحويل إمكاناتها ومقوماتها إلى واقع يشعر المواطن في ظله بالعزة والحياة الكريمة، ففي بداية تجربة الوحدة الإماراتية كان هناك من يشكك في إمكانية نجاحها وتحقيقها لأهدافها، سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي، لكن مع مرور الوقت وإخلاص القيادة الرشيدة في العمل من أجل رفاهية وتنمية كل مواطن على الأرض الإماراتية، تعمق الإيمان بالوحدة في قلوب المواطنين وعقولهم، وغدا الوطن الواحد هو المظلة التي يستظل بها الجميع، وأصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً بارزاً في وحدة الجبهة الداخلية وتماسكها تجسيداً لمقولة سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله: «البيت متوحد».

رابــط المقــال

Share