في محاضرة “الإمارات للدراسات” رقم 747 الدرعي: يجب التركيز على القيم المشتركة وتجنب التوظيف الديني للأزمات

نظم مركز الإمارات للدراسات وللبحوث الاستراتيجية يوم الأحد 17 مايو 2020 محاضرته رقم 747 “عن بعد” بعنوان “قيم الأزمات وأزمة القيم” ألقاها سعادة الدكتور عمر حبتور الدرعي، المدير التنفيذي للشؤون الإسلامية في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف.

في بداية المحاضرة قدم الدرعي الشكر لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ولمديره العام سعادة الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي، لما يبذله المركز من جهود رصينة تثري عملية البحث العلمي، وتصب في سبيل دعم عملية صنع القرار وخدمة المجتمع، وما يتمتع به من نظرة ثاقبة تقدم رؤى تحليلية عميقة للواقع وتستشرف المستقبل.

واستهل الدرعي محاضرته بالحديث عن طبيعة أزمة فيروس كورونا التي قال إنها ألقت بظلالها على كل شيء، وخلقت واقعاً بين الأمل والخوف، وجعلتنا نترقب مستقبلاً يحوي تقلبات قادمة ومراحل مستجدة؛ مؤكداً أن القيم الإنسانية والوطنية تبقى الثابت الوحيد في ظل هذا الوباء؛ حيث نتربى عليها ونستصحبها إبان الأزمات لتعبر بنا إلى مستقبل مشرق. وأشار إلى أن هذه الأزمة كغيرها من الأزمات كشفت عن أخلاق الأمم والمجتمعات ورصيدها الحضاري ومخزونها القيمي والأخلاقي وأظهرت معادن الناس؛ ولكنه أكد أنه من الأفضل عدم الخوض في تصنيف العالم إلى حضارات مادية وأخرى غير مادية؛ وبدلاً من ذلك يجب اعتماد الأسس المتفق عليها والمشتركة بين الأمم، وهي القيم.

وتطرق الدرعي إلى الجدل القديم – الجديد حول طبيعة هذه الكوارث من الناحية الإيمانية؛ فقال إنه لا شك في أن جميع الأديان لها تفسيراتها الخاصة؛ ولكن الجديد هذه المرة هو أن جميع الأديان ورجالها لهما مواقف متقاربة من هذا الوباء، وخاصة الديانات السماوية الثلاث؛ وتطرق إلى مقاطع تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي تصف هذا الوباء بأوصاف بعضها بعيد عن العلمية؛ من قبيل أنه عقوبة إلهية أو إنذار من الله تعالى بسبب الفساد والذنوب، أو دليل على اقتراب الساعة؛ وقال إن الخطر القيمي في هذا التفسيرات كبير؛ مؤكداً أن تفسير هذا الوباء دينياً مرفوض؛ لأن كثيراً من صفوة المؤمنين منذ القدم وإلى يومنا هذا توفوا بسبب مثل هذه الكوارث؛ وقال إن أخطر ما تؤدي إليه مثل هذه التفسيرات هو العجز والاستسلام من دون الأخذ بزمام العلم لدفعها؛ ولكن هذا لا يعني ألا نأخذ العبرة من مثل هذه الكوارث كما أمرنا القرآن الكريم.

واستعرض الدرعي المنظومة القيمية الواعية للأزمات؛ حيث يعد مثل هذا الوباء اختباراً حقيقياً للقيم، وتقاس به إنسانية الإنسان والمجتمعات؛ فالقيم تبعث الحياة في النفوس وتصنع الأمل؛ وفي أشد الأزمات تولد المشاريع القيمية الكبرى؛ وأشار في هذا السياق إلى “حلف الفضول” الذي حضره الرسول، صلى الله عليه وسلم، قبل النبوة وأثنى عليه بعدها، والذي ولد في فترة عصيبة من تاريخ قريش؛ وأكد الدرعي في هذا السياق أن مناعة القيم تبقى أقوى بكثير من مناعة الفيروسات؛ لأنها تصمد في أحلك الظروف؛ بل إن الكوارث تقوي القيم وتعززها، وبها يقف المجتمع صفاً واحداً لمواجهة جميع المخاطر؛ وأضاف أن القيم التي نتحدث عنها لمواجهة هذه الأزمة هي منظومة مثالية إنسانية من الأخلاق والعادات والتقاليد وهي قواعد منظمة للسلوكيات وقوانين تحترم الفطرة الإنسانية، وأشار إلى مبادرات الدولة التي تحتل القيم فيها أولوية في تكوين الإنسان، ومنها مبادرة التربية الأخلاقية، وعام التسامح، وعام الخير، ووثيقة الأخوة الإنسانية للسلام العالمي والعيش المشترك التي وقعت برعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله؛ من أجل حماية الإنسان وتعزيز التعاون بين الأديان والأمم. وتطرق الدرعي إلى مجموعة من القيم التي يجب التركيز عليها في مواجهة أزمة “كورونا”، وفي مقدمتها قيمة الحياة والتضحية، مشيراً إلى الكوادر الطبية التي تقف في الصفوف الأولى، وكذلك قيم العلم والمعرفة؛ وغرس السكينة والتفاؤل، ودفع الخوف والهلع عن الناس، وإحياء الأمل، وحسن الظن بالله سبحانه وتعالى.

وتحدث الدرعي عن “الأزمات ونزعات الأيديولوجيا”، حيث تبرز أزمة القيم، وخاصة لدى المتطرفين الذين يستغلون الأزمات ويوظفونها لبث سمومهم؛ مشيراً إلى أنهم قاموا بإطلاق الشائعات، وأصدروا الفتاوى لنشر المرض بين الناس؛ وقد أظهرت هذه الأزمة مدى أنانيتهم؛ التي تمثلت في مظاهر منها الشماتة، وإصدار فتاوى تحمل توجهات سياسية؛ والتحريض على الأنظمة والدول بمزاعم من بينها تعطيل المساجد.

وختم الدكتور الدرعي محاضرته بتوجيه حديثه إلى العقلاء وأهل البصيرة ليعبُروا بمجتمعاتهم إلى بر القيم، وضبط النفس، وإنكار الذات، والتواصي بالصبر؛ حتى لا تقع المجتمعات في أزمة القيم؛ وأكد أن القيم هي المنقذ اليوم من العنف الأسري والتوترات التي نتجت عن التباعد الاجتماعي؛ مشيراً إلى أن ثقافتنا الوطنية غنية بالقيم والأخلاق والفضائل؛ وتفعيلها يقطع الطريق على كل من ينشر الخوف والهلع واستغلال حياة الناس؛ حيث تبعث القيم في المجتمعات الطاقات الإيجابية.

Share