في ختام فعالياته “المؤتمر السنوي العاشر للتعليم” يدعو إلى تأهيل الكوادر البشرية بما يتوافق وتقنيات الثورة الصناعية الرابعة

اختتم مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، يوم الأربعاء 13 نوفمبر 2019، أعمال مؤتمره العاشر للتعليم الذي عقد على مدى يومين تحت عنوان “التعليم ووظائف المستقبل: تأهيل الثروة البشرية لاستكمال مسيرة التنمية الإماراتية”. وقد ألقى سعادة الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي الكلمة الختامية للمؤتمر، التي توجه فيها بالشكر الجزيل إلى الكوكبة المتميزة التي شاركت في المؤتمر من المسؤولين والباحثين والخبراء الذين شاركونا أعمال المؤتمر، مؤكداً أن مشاركتهم كان لها أثر كبير انعكس فيما توصل إليه المؤتمر من توصيات مميزة ومقترحات عملية، يمكن من خلال الاستناد إليها، تقديم استراتيجيات شاملة وطرح رؤى جامعة لكيفية تأهيل الثروة البشرية في دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال التعليم، بما يسهم في دعم مسيرة البناء والتنمية. وأوضح سعادته أن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، يحرص دائماً على مواكبة التطورات والمستجدات في مختلف المجالات، ولذلك تم تخصيص المؤتمر كي يناقش على مدار أربع جلسات، قضية حيوية، وهي دور التعليم في تأهيل الكوادر البشرية في دولة الإمارات العربية المتحدة لجعلها قادرة على شغل وظائف المستقبل، ولاسيما في ظل الثورة الصناعية الرابعة وما تتضمنه من تطور تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي والاتصالات وغيرهما، بما يسهم في توفير متطلبات سوق العمل اللازمة في هذه المرحلة. وأضاف سعادته موجهاً حديثه إلى المشاركين في المؤتمر: نود أن نؤكد لكم جميعاً أننا سنعمل بشكل جدي على أن يكون هذا المؤتمر وما توصل إليه من توصيات، رافداً مهماً من روافد استراتيجيات تطوير التعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك إيماناً منا بأهمية البحث العلمي في دعم استراتيجيات التطوير في مختلف المجالات.

وكان المؤتمر قد افتتح فعاليات يومه الثاني بكلمة رئيسية ألقتها معالي سارة بنت يوسف الأميري، وزيرة دولة مسؤولة عن ملف العلوم المتقدمة في دولة الإمارات العربية المتحدة، أكدت فيها أن التعليم يعتبر ركيزة أساسية للخطة المئوية لدولة الإمارات العربية المتحدة (2071)؛ التي تهدف إلى جعل الإمارات الدولة الأفضل في العالم، وقالت إننا نحتاج إلى التطور التكنولوجي لتطوير الموارد البشرية على نحو يجعل مهاراتها مواكبة لما أفرزته الثورة الصناعية الرابعة من تغيرات مذهلة، وأضافت أن الدولة تعمل على تطوير التكنولوجيا من خلال تحفيز المعرفة لتأهيل طلابنا لما يشهده العالم حالياً من تطورات جذرية على الصعيد التقني، وكذلك من خلال تطوير المعارف الحديثة وتوظيفها بالطريقة المناسبة، وأكدت الأميري أن هناك أسساً وركائز ضرورية لتطوير رأس المال البشري، أولها ضرورة وجود بيئة محفزة للإبداع، والعمل باستراتيجية التعلم مدى الحياة، وتنويع الموارد والأفكار والتركيز على المهارات ومفهوم الاستدامة. وقالت الأميري إن الإصلاح التربوي يعتبر ضرورة لا غنى عنها لتطوير التعليم، مشيرة إلى أن هناك أهمية خاصة لتطوير أساليب التدريس التي يتبعها المعلمون حتى تصبح أكثر فاعلية في نقل المعرفة إلى الطلاب.

وفي الجلسة الثالثة، التي حملت عنوان “التعليم العالي واستشراف المستقبل”، وترأسها الأستاذ سليمان الكعبي، المؤسس والرئيس التنفيذي لمؤسسة استشراف المستقبل في أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، نوقشت ثلاث أوراق بحثية: الأولى قدمتها، الأستاذة الدكتورة مارتينا نيويل-ماك غلوغلين، مدير قطاع البحث والابتكار والمعرفة بدائرة التعليم والمعرفة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وناقشت فيها دور البحث العلمي في دفع مسيرة التعليم وبناء اقتصاد المعرفة، حيث أكدت أن قطاع التعليم العالي في إمارة أبوظبي، يقوم بدور بارز في تطوير الاقتصاد القائم على المعرفة والإسهام في بناء مجتمع منتج. وتتمثل إحدى الاستراتيجيات الرئيسية لدائرة التعليم والمعرفة، الرامية إلى المساعدة على بلوغ تلك الأهداف، بتعزيز أنشطة البحث والتطوير، ولاسيما على مستوى القطاعات ذات الأولوية في إمارة أبوظبي. وتسعى دائرة التعليم والمعرفة إلى إنشاء هيئة أبوظبي للبحث والتطوير، بهدف دعم الأنشطة البحثية والنهوض بمجال البحوث، وستعمل هذه الهيئة على توفير بنية لدعم البحث والابتكار، بحيث تكون محركاً للتحول الاقتصادي، وتطوير مجتمع بحثي وطني يتميز بالمهارة والتنافسية. أما الورقة البحثية الثانية، فقدمتها الدكتورة لوه آي بوه، أستاذ مشارك، ومدير برنامج الابتكار والتصميم، جامعة سنغافورة الوطنية، وحملت عنوان “جامعات المستقبل.. تخصصات مستحدَثة لوظائف مبتكرة”، وأكدت من خلالها أن التطور المتسارع للتقنيات في إطار الثورة الصناعية الرابعة يتسبب في إرباك الطريقة التي تعمل بها قطاعات الصناعة والمجتمعات؛ وهو ما يؤدي إلى إحداث ثورة في مكان العمل الذي بات يزخر بالاتصالات الرقمية في جميع أركانه، وأصبح الاتصال يتم -على الأقل- بطريقة ثلاثية الأبعاد: الاتصال فيما بين العاملين وبعضهم بعضاً (شبكات التواصل الاجتماعي)، واتصال العامل بمكان عمله (الرقمنة في الشركات)، واتصال العامل بالمعلومات المتوافرة على شبكة الإنترنت. وقالت الباحثة إن كل شكل من أشكال الاتصال هذه، يوفر فرصاً فريدة لتجديد طريقة تفاعلنا وعملنا وتعلُّمنا، ويمكن الاستفادة من المعلومات القيّمة بسهولة إن أُحسِن استغلال هذه الاتصالات. وناقشت كيفية إعداد الشباب الخريجين للعمل على نحو أكثر فاعلية عن طريق تطوير هذه الاتصالات والمهارات التي يجب تسليحهم بها ونوعية التدريب اللازم لهم، كما ناقشت الباحثة التغييرات التي يمكن إدخالها على طرق التعليم وممارساته، وهي التي يمكن أن تسهم في تحقيق مخرجات مواتية لسوق العمل في المستقبل. وأما الورقة البحثية الثالثة، فقدمها الأستاذ الدكتور كالن غورو، وهو بروفيسور بكلية إدارة الأعمال في مدينة مونبلييه في فرنسا، وناقش فيها آليات تعزيز التعاون الدولي في مجال التعليم العالي ونقل التكنولوجيا، حيث أكد أن ثمَّة توافقاً كبيراً حول مدى أهمية ومزايا التعاون الدولي في التعليم العالي؛ ولكنْ، ثمَّة غياب لفهم أهم العناصر والعوامل التي يمكنها تعزيز عمليات التعاون والمساهمة في نجاحها. وقدم تحليلاً للتحديات الرئيسية التي تواجه تعزيز وتنظيم التعاون الدولي في الجامعات أو كليات إدارة الأعمال، وقدم ثلاثة مبادئ استراتيجية يمكنها الحد من معظم هذه التحديات، أو التغلب عليها: المبدأ الأول، هو مواءمة الأهداف والقدرات والإجراءات، وتناغمها على مستوى الفرد والمؤسسة والدولة. والثاني، هو أهمية التنسيق الحثيث والدائم بين مجالس إدارات الكليات وأساتذتها ومديري شؤونها. والثالث، هو ضرورة انتهاج رؤية استراتيجية مرنة وطويلة الأمد في التخطيط والتنظيم وتنفيذ مشروعات التعاون الدولي. وتمثل هذه المبادئ الثلاثة المحركات الدافعة للإجراءات الاستراتيجية لرؤساء الجامعات وأساتذتها ومديري شؤونها، وكذلك لممثلي الحكومة.

وفي الجلسة الرابعة، التي حملت عنوان “تجارب دولية ناجحة في مجال التعليم”، وترأسها الأستاذ جمعة الرميثي، مدير مكتب البعثات الدراسية بوزارة شؤون الرئاسة في دولة الإمارات العربية المتحدة، تمت مناقشة تجارب التعليم في كل من سنغافورة وكندا وفنلندا، حيث قدم الأستاذ الدكتور جوانينغ سو، الرئيس الفخري لجامعة نانيانج للتكنولوجيا بجمهورية سنغافورة، ورقة بحثية أشار فيها إلى أنه عندما حصلت سنغافورة على استقلالها عام 1965 كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحو 500 دولار، وكانت مدينة سنغافورة واحدة من أفقر المدن الآسيوية، حتى إنها كانت تحتل مرتبة متأخرة عن مدينتي مانيلا وكولومبو، ولكن في عام 2014 تضاعف الناتج المحلي الإجمالي 100 مرة ليصل نصيب الفرد منه إلى ما يزيد على 50 ألف دولار؛ فانتقلت الدولة من قائمة دول العالم الثالث؛ لتلحق بركب دول العالم الأول، وكان للتعليم دور محوري في مسيرة النهضة تلك. واستعرض الباحث كيفية تحقيق سنغافورة هذا الإنجاز؛ مستعرضاً مسيرة تطور تجربة التعليم في بلاده، وأبرز النجاحات التي حققها نظام التعليم في سنغافورة، وسلط كذلك الضوء على بعض أوجه القصور. وقدم الدكتور سول كارلينر، مدير برنامج التكنولوجيا التعليمية، بجامعة كونكورديا الكندية، ورقة بحثية قال فيها إن كندا تتمتع بواحد من أعلى مستويات التحصيل التعليمي بين البلدان المتقدمة؛ إذ تزيد نسبة البالغين المنتسبين إلى التعليم العالي على 55%، وذلك مقارنةً بالمتوسط السائد في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الذي يبلغ 35%. وناقش بعض العوامل الرئيسية التي تسهم في نجاح هذا القطاع؛ مثل الأنظمة والمهام الفريدة والعلاقات المتميزة مع الجامعات والكليات الكندية، وتقديم الدعم للطلبة من أجل النجاح في التعليم العالي، والتركيز على التعلُّم الذي يستهدف مجالات العمل في التعليم العالي، وكذلك التركيز على وضع مناهج مستدامة، وتطوير المناهج التكميلية في مراحل الدراسة الجامعية والدراسات العليا، وذلك بالإضافة إلى طبيعة وحجم المنح البحثية المقدمة إلى طلبة الدراسات العليا وهيئة التدريس. وقدمت الدكتورة إيلا ليندفورس، الأستاذة بقسم تدريب المدرسين بجامعة توركو الفنلندية، ورقة بحثية حول تطور التعليم في فنلندا، أشارت فيها إلى أنه كان ثمَّة نقاش معمَّق بين فلاسفة فنلندا حول نمط النظام التعليمي الأفضل للبلد في خمسينيات القرن التاسع عشر. ومن بين الخيارات التي طُرحت كان هناك خيار توفير المهارات الأساسية للقراءة والكتابة والرياضيات، في حين أن خياراً آخر كان يدعو إلى تبني مقاربة أكثر شمولية للتعلُّم، إلى جانب اكتساب المهارات الأساسية. ولحسن الحظ كانت الغلَبة للخيار الثاني، ومنذ ستينيات القرن التاسع عشر تطور التعليم من خلال تبني منهج شمولي يجمع بين المهارات الأساسية، والفنون، والحرف اليدوية، والتعلُّم من خلال طرح الأسئلة. وكانت إحدى الأفكار الناجحة متمثلة بدمج مختلف المواد ضمن مشروعات تعليمية بحسب الموضوعات. وأكدت الباحثة أنه وفي الوقت نفسه؛ فإن مستوى الماجستير وتأهيل المدرسين المبني على البحث، المطلوب في التعليم الابتدائي وما قبل الابتدائي، يضمن جودة عالية للتعليم المهني. وأنهت الباحثة حديثها بالقول إن نجاح فنلندا في قطاع التعليم مبنيٌّ على نظام مدرسي متكافئ وشامل، طوَّره مدرسون حاصلون على درجة الماجستير. كما أن منهج التعليم الأساسي الوطني يُعَد معياراً يعتمد التكنولوجيا ودمج المدارس في المجتمعَين المعاصر والمستقبلي.

وانتهى المؤتمر إلى تقديم حزمة من التوصيات، أبرزها ضرورة مواصلة جهود تطوير القوى العاملة الإماراتية وتعزيزها بشكل مستمر، وبما يتناسب مع التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم، ولاسيَّما في مجالات الاقتصاد المعرفي والثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي وتطوير البرامج والمناهج الدراسية اللازمة لتأهيل الكوادر البشرية القادرة على التعامل مع تقنيات الثورة الصناعية الرابعة بطرق أخلاقية ومستدامة وإجراء دراسات معمَّقة حول تغيرات أسواق العمل، وتوجُّهاتها المستقبلية، وما ستتطلبه من مهارات ومعارف وخبرات في المستقبل المنظور، مع التركيز على ضرورة تطوير مهارات حل المشكلات المعقَّدة، والتفكير النقدي، وترسيخ قيم الإبداع والابتكار. كما أوصى المؤتمر بمراجعة البرامج التعليمية والمناهج الدراسية المطبَّقة حالياً، على مستويَي التعليم العام والتعليم الجامعي، وتقييمها؛ للوقوف على مدى قدرتها على تلبية احتياجات أسواق العمل المستقبلية، ووضع الخطط والبرامج والمبادرات التي تضمن تطوير النظم التعليمية بما يحقق هذا الهدف. وطالب المؤتمر بالعمل على إعادة تأهيل المعلمين والأكاديميين، والتأكد من امتلاكهم القدرات المعرفية والمهارات التي تساعدهم على نقل المعارف والمهارات الحديثة إلى الطلاب والاهتمام بالجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية، التي تصاحب عملية التغيير التكنولوجي، وتذليل أيّ عقبات أو تحديات ترتبط بهذه الجوانب يمكن أن تؤثر سلباً في العملية التعليمية، وفي تقبُّل الطلاب عملية التغيير التكنولوجي وإقبالهم على اكتساب المهارات والمعارف المرتبطة بها. ودعا المؤتمر إلى التوسُّع في المؤسسات التعليمية، التي تركز على خلق المعرفة والمهارات، المرتبطة بمجالات علوم الحاسب وتطبيقاتها في الذكاء الاصطناعي، وتطويرها. كما طالب المؤتمر بدعم مسيرة البحث العلمي والتطوير داخل مؤسسات التعليم العالي في دولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال التوسُّع في إعداد البحوث والتقارير المتعلّقة بعلوم الحاسب الآلي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتمويلها، والعمل على إنشاء نظام أكاديمي وبحثي متميز يخدم هذه المجالات وتعزيز الممارسات السليمة والبرامج التي من شأنها تطوير رأس المال البشري في دولة الإمارات العربية المتحدة، بدءاً من التعليم، وانتهاءً باختيار أفضل الكفاءات في القوى العاملة؛ حتى تتمكَّن من القيام بدور فاعل في تنويع اقتصاد المعرفة وتعزيزه. وأوصى المؤتمر كذلك بالعمل على بناء شراكات أكاديمية وتعليمية فاعلة مع المؤسسات والهيئات التعليمية والأكاديمية المتميزة في مجالات دمج التعليم والتكنولوجيا في نظم التعليم على المستوى العالمي، وبالعمل على مواجهة التحديات التي يلقاها أصحاب الهمم للانخراط في سوق العمل؛ وذلك من خلال تعزيز التوظيف الدامج لهم، وإدراج ما يلزم من برامج تعليمية ومناهج دراسية لتحقيق هذه الغاية. كما طالب المؤتمر بمواكبة التغييرات التي يمكن إدخالها على طرق التعليم وممارساته، والتي يمكن أن تسهم في تحقيق مخرجات مواتية لسوق العمل في المستقبل والاستفادة من الخبرات والتجارب والنجاحات التي حققتها النظم التعليمية الرائدة على المستوى العالمي، كنظام التعليم في كلٍّ من سنغافورة وكندا وفنلندا وغيرها، والوقوف على أحدث ما توصلت إليه هذه النظم من برامج تعليمية، ومناهج دراسية، وأساليب تدريس حديثة، والعمل على تطبيقها في دولة الإمارات العربية المتحدة.

Share