سقوط جدار برلين الدرس الذي لم يستوعبه العالم

  • 5 يوليو 2016

بقلم: أ. د. جمال سند السويدي

ظل جدار برلين سنوات طويلة رمزاً لتقسيم العالم بين معسكرين متناحرين (1961- 1989)، وما تصنعه الأيديولوجيا من حواجز وجدر فاصلة بين البشر حتى بين الذين يعيشون في بلد واحد، ولذلك فقد كان انهياره في التاسع من نوفمبر 1989، تعبيراً عن سقوط نظام عالمي ظل متحكماً في العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945، هو نظام القطبية الثنائية، وطيّاً لصفحة صعبة من صفحات الصراع الأيديولوجي بين الشيوعية والرأسمالية، دفع العالم كله ثمنها سنوات طويلة من أمنه واستقراره والعلاقة بين شعوبه، ومن هنا، فإنه لا جدال في أن هذا الحدث يعدّ من أهم أحداث القرن العشرين. فالجدار الذي بُني في 13 أغسطس 1961 من قِبَل النظام الحاكم في جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية) الذي كان موالياً للاتحاد السوفييتي السابق، لمنع هروب سكان ألمانيا الشرقية الشيوعية إلى ألمانيا الغربية الرأسمالية، رسخ ليس انقسام العاصمة برلين والدولة الألمانية فقط، وإنما القارة الأوروبية والعالم أيضاً إلى معسكرين وأيديولوجيتين متعاديتين ومتصارعتين.

ومثلما كان بناء جدار برلين معبراً عن طبيعة النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، فإن انهياره بعد نحو 28 عاماً من تشييده، كان نقطة البدء في انبعاث النظام العالمي الجديد الذي تعرضتُ له بالمناقشة والتحليل المعمقين في كتابي الصادر عام 2014، بعنوان «آفاق العصر الأميركي: السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد»، من حيث سماته وخصائصه وبنيته ونمط توزيع القوى فيه، حيث مهدت هذه الخطوة لإعادة توحيد ألمانيا الشرقية والغربية في دولة واحدة في أكتوبر 1990، ووضعت المسمار الأهم في «نعش» الاتحاد السوفييتي السابق الذي انهار رسمياً في ديسمبر 1991، لتنتهي معه حقبة من نظام عالمي ثنائي القطبية، وتبدأ حقبة جديدة تفرض فيها القوة العظمى الوحيدة المتمثلة في الولايات المتحدة الأميركية سيطرتها على الوضع العسكري والاقتصادي والتقني والسياسي عالمياً، ويسيطر فيها اقتصاد السوق والنظام الرأسمالي على الأوضاع الاقتصادية في العالم. وعلى الرغم من المشكلات التي تتعرض لها الولايات المتحدة الأميركية، فإنني أعتقد أنها سوف تظل القوة المهيمنة على قيادة العالم لنحو خمسين عاماً قادمة، على الأقل، وذلك اعتماداً على معطيات عدة: اقتصادية وتكنولوجية وثقافية وسياسية وعسكرية وغيرها، تناولتها بالتفصيل في كتابي الذي سبقت الإشارة إليه.

ولا تقتصر أهمية سقوط جدار برلين على رمزيته وتأثيره في تأسيس النظام العالمي الجديد الذي ما زلنا نعيش فصوله وتطوراته إلى اليوم، وإنما تمتد لتشمل الكثير من الدلالات المهمة الأخرى، فقصة بناء الجدار وسقوطه تؤكد أن محاولة فصل الشعوب وتقسيمها أيديولوجياً وطائفياً لن يكتب لها النجاح، فبعد أكثر من 28 عاماً من بناء الجدار، قرر الشباب الألماني الشرقي التخلص من العزلة التي فُرضت عليه، وتحدي تقسيم الوطن الواحد بسبب الأيديولوجيا وصراعات القوى العظمى، كما قدم الشعب الألماني نموذجاً رائعاً لكيفية إعادة تحقيق الاندماج بين شطري بلده وتكوين دولة موحدة استطاعت أن تنمو لتكون أكبر قوة اقتصادية في القارة الأوروبية بلا منازع، وتحولت برلين التي كانت، لنحو ثلاثة عقود، مركزاً للحرب الباردة والمواجهات الأيديولوجية بين القطبين الكبيرين، إلى رمز لوحدة ألمانيا، وشعاع أمل مضيء لمستقبل أوروبا كلها. وهذه التجربة تمثل، بلا شك، درساً مهماً للشعوب التي تتناحرها الصراعات والانقسامات الطائفية والعرقية والأيديولوجية، وتبحث عن سبيل للتوافق والسلام والاستقرار، أو تلك التي تعمل على إقامة جدران الفصل والعزلة فيما بينها لأسباب دينية أو عرقية أو طائفية، فمهما كانت شدة الانقسامات وحدّتها، فإنه يمكن تجاوزها إذا توافرت إرادة التوافق والوحدة. وقد كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل معبّرة بصدق عن هذا المعنى في كلمتها، في العاشر من نوفمبر 2014، بمناسبة الذكرى الـ25 لانهيار الجدار التي اعتبرت فيها أن هذا الحدث يمثل رسالة أمل إلى مناطق النزاعات والأزمات حول العالم، وأنه بالإمكان إسقاط «أسوار الديكتاتوريات والعنف والأيديولوجيات والعداوات» مثلما تم إسقاط جدار برلين.

والدرس المهم الآخر لتحطيم جدار برلين، هو أنه لا يمكن لأي حواجز، مهما كانت قوتها، أن تقف أمام تفاعل الثقافات والأفكار أو تمنعها من الانتقال والحركة والتأثير، ولذلك، فإن الذين يريدون إعادة بناء هذه الحواجز، إنما يجهلون فلسفة التاريخ ومنطق التطور. إن آخر ما يحتاج إليه العالم خلال المرحلة الحالية من تاريخه، إقامة الحواجز، سواء المادية أو الثقافية، بين دوله ومجتمعاته، في وقت تواجه فيه البشرية من التحديات الوجودية ما لا يمكن مواجهته إلا من خلال تعاون عالمي تشارك فيه كل المجتمعات والأفكار والثقافات، وقد كان بابا الفاتيكان معبّراً حينما قال في الذكرى الخامسة والعشرين لانهيار جدار برلين، إن العالم بحاجة إلى «جسور وليس إلى أسوار».

لقد عبّر جدار برلين عن «وطأة الأيديولوجيا» حينما تقسّم البشر وتتحول إلى مصدر للعداء والتقاتل فيما بينهم، لكن العالم لم يستوعب دروس انهياره، ومن ثم ظهر «غرور الأيديولوجيا» من خلال التسرع في الحديث عن «نهاية التاريخ» (نُشر مقال «نهاية التاريخ» في مجلة «ناشيونال إنتريست» في صيف عام 1989، وهو العام نفسه الذي سقط فيه جدار برلين، ثم تحول إلى كتاب صدر في عام 1992)، الذي يعني، وفقاً لصاحب هذا الرأي فرانسيس فوكوياما، الانتصار النهائي للنموذج الرأسمالي وهيمنته على السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر، في محاولة لتنميط العالم ووضعه في قالب أيديولوجي فكري وثقافي واقتصادي وسياسي واحد، على الرغم من أن هذا أمر يستحيل تحقيقه. وحينما حاول صموئيل هنتنجتون، أستاذ فوكوياما في هارفارد، الرد على أطروحة «نهاية التاريخ»، لم يعمد إلى إثبات أن العالم، بثقافاته وحضاراته وأديانه المختلفة، لا يمكن أن يتفق على نموذج واحد للحياة والتطور، وأن التنوع مصدر للتكامل والثراء، وإنما ذهب مذهباً آخر، ولم يجد سوى المدخل الصراعي لتبرير موقفه فقال إن عصر الصراعات الأيديولوجية قد انتهى، وحل محله عصر آخر يقوم على الصراع بين الحضارات والثقافات والأديان والمذاهب (نشر هنتنجتون مقاله حول صراع الحضارات لأول مرة في مجلة «فورين أفيرز» في عام 1993 ثم حوّله إلى كتاب صدر في عام 1996). وبتأثير نظرية صراع الحضارات نفخ البعض في بوق العداء للإسلام والمسلمين، واعتبارهم العدو للغرب بعد انهيار الشيوعية. ونتيجة لذلك لم يؤدِّ انهيار جدار برلين إلى انتهاء عصر الصراع الأيديولوجي، كما كان يأمل البعض، وإنما خلق دعاة الصراع، وأصحاب نظريات التفوق الحضاري الغربي، أسباباً جديدة للعداء والاحتقان بين الشعوب.

رابـــــط الخبر

Share