خلف «السراب»

  • 2 فبراير 2015

بقلم: علي عبيد الهاملي

يقول الفيلسوف الأندلسي الشهير محمد بن أحمد بن رشد: «إذا أردت أن تتحكم في جاهل، فعليك أن تغلف كل باطل بغلاف ديني». ويضيف: «إن التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل».

وكي لا يبقى الجهل معششاً في رؤوس الكثيرين ممن خُدِعوا بالجماعات، التي تتاجر بالدين كي تتحكم في الجهلة، الذين انقادوا لها، يأتي كتاب «السراب» للباحث والمفكر السياسي الإماراتي الدكتور جمال سند السويدي، مدير مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ليكشف زيف دعاوى هذه الجماعات، ويزيل الغلالة التي يغطي بها المتاجرون بالدين الإسلامي دعواتهم الباطلة، التي تبدو في ظاهرها إصلاحية تحمل مشروعات حضارية للنهوض بالأمة الإسلامية، لكن باطنها خاوٍ وضعيف، بدليل أنها سقطت في أول اختبار لها تمثل في وصول «الإخوان المسلمين» إلى سدة الحكم في كل من مصر وتونس.

ولأن جماعة «الإخوان» هي الحاضنة التي خرجت منها كل الجماعات المتشددة، التي نشاهدها تعيث في الأرض قتلاً هذه الأيام، فإن هذه الجماعات مرشحة هي الأخرى للسقوط، رغم النجاح الذي يظن البعض أنها قد حققته بإقامة ما أطلقت عليه «دولة إسلامية» في العراق والشام، ورغم انضمام عدد غير قليل من المقاتلين الأجانب إلى هذه الجماعات الإرهابية، الذين تقول دراسة حديثة نشرها «المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي»، إن عددهم بلغ 20 ألف مقاتل، جاء الكثير منهم من دول غربية، على رأسها بريطانيا وألمانيا وبلجيكا وهولندا والسويد.

في «السراب» يؤكد الدكتور جمال السويدي، إن الكتاب يعبر عن رؤيته الذاتية، التي تنطلق من أن الصراع الذي يخوضه العديد من الدول في العالمين العربي والإسلامي ضد الفكر المتطرف وجماعاته وتنظيماته، ليس محصوراً في نطاق أمني وعسكري، بل هو حرب ممتدة ذات طابع فكري بالأساس، بل يمكن القول، إن شقها الفكري يتطلب تخطيطاً بعيد المدى، لا تقل أهميته، بل ربما تفوق أي معالجات خططية على الصعد الأمنية والعسكرية.

ولذا يرى أن البحث العلمي يمتلك دوراً حيوياً في حماية الأمن الوطني للدول والمجتمعات، عبر نقاشات علمية جادة للتحديات والتهديدات، وتفكيكها وتحليلها، وطرح البدائل والحلول اللازمة لمعالجتها.

من هنا نستطيع القول إن التطرف طارئ على الأديان وليس أصلاً من أصولها، لأن جميع الأديان جاءت لتكرس قيم الحب والسلام والتآلف بين الشعوب، في حين أن هذه الجماعات المتطرفة تزرع في نفوس أتباعها كراهية الآخرين وتكفيرهم والاستعلاء عليهم، وهي مفاهيم تشترك فيها كل النزعات المتطرفة، وتتساوى فيها الجماعات الدينية؛ مثل الإخوان المسلمين، والقاعدة، وداعش، مع الحركات السياسية؛ مثل النازية والفاشية والصهيونية، لتحقيق مكاسب سياسية أكثر منها عقائدية أو دينية.

لذلك يأتي «السراب» ليكشف الوهم الذي تسوّقه الجماعات الدينية السياسية للعديد من شعوب العالمين العربي والإسلامي، في حين أن هذه الجماعات تستغل الدين لمصالح سياسية أو شخصية، وتصر على خلط الأوراق، وتحميل الآخر مسؤولية التخلف والتراجع الثقافي والحضاري للعالمين العربي والإسلامي، وتحتكر تفسير الدين، وتروج لمفاهيم غير واقعية؛ مثل الخلافة والبيعة، ويذهب العديد منها إلى تكفير مخالفي الرأي وقتلهم، مخالفاً بذلك أسساً ومبادئ رئيسة، رسخها الدين الإسلامي الحنيف الذي يسعى إلى غرس أسس الوسطية والاعتدال والتسامح، كما يقول الدكتور السويدي في «السراب».

وقد كان الدكتور السويدي موفقاً جداً في اختياره لعنوان الكتاب، الذي سعى فيه إلى الخروج برؤية بحثية معمقة للجماعات الدينية السياسية، كما يفضل تسميتها، في شتى ممارساتها وتجلياتها، من خلال تتبع تاريخ هذه الجماعات، ودراسة حالة بعضها منذ بدايتها حتى فشل تجربة «الإخوان المسلمين» في بعض الدول الإسلامية، والتعرف إلى أسباب هذا الفشل الذي نسف موروثاً طويلاً من الشعارات التاريخية، التي ظلت نحو ثمانين عاماً موضع تبجيل وتقدير لدى أوساط الجماعات الدينية السياسية والمتعاطفين معها، وفي مقدمتها جماعة «الإخوان المسلمين».

إلى أي مدى يمكن أن تكون المواجهة الفكرية مفيدة وناجعة مع جماعات متطرفة تتخذ من العنف وسيلة لفرض نفسها على أرض الواقع، وتنجذب إليها مجموعة من البشر، رغم الدموية التي تتسم بها، ورغم الانغلاق الفكري والانكفاء على النفس الذي تتسم به، من أجل تحقيق هدف واحد، هو الوصول إلى السلطة بدعوى إعادة الخلافة الإسلامية التي يدور حولها جدل كبير، وتختلف على مفهومها حتى جماعات الإسلام السياسي نفسها، الأمر الذي يعني أنها مفهوم لم يتفق عليه حتى الذين يسعون إلى تطبيقه؟

سؤال نضمه إلى السؤال الذي يطرحه الدكتور جمال السويدي في نهاية كتاب «السراب»، وهو يتحدث عن مستقبل الجماعات الدينية السياسية، في ضوء المؤشرات الراهنة، وحصاد الفشل والإخفاق الذي يثير تساؤلاً مفاده: هل من المنتظر أن تكون هذه الخبرة مؤشراً إلى نهاية هذه الجماعات وأفولها، وعدم تكرار تجاربها الفاشلة مرة أخرى؟

واضح أننا لن نجد الإجابة لدى أولئك الذين يجرون خلف السراب من دون أن يدركوه، ولن يدركوه، لأنهم ضحايا تلك الجماعات التي تغلف الباطل بالدين وتتاجر به، كي تبيع الوهم للجهلة والمخدوعين، تعدهم بأنهار السراب، يحسبونه ماء، حتى إذا جاؤوه لم يجدوه شيئاً.

وهذا هو حال من يحسبون أنهم على حق دون غيرهم، وهم ليسوا كذلك، كما يخلص كتاب «السراب» في محاولته لاستقصاء حالة الجماعات الدينية السياسية، واستشراف مستقبلها. وقد نجح في ذلك نجاحاً يُحسب للكتاب، ولمؤلفه الدكتور جمال سند السويدي.

رابط الخبر

Share