حداثة اليابان … استجابة للتحدي الغربي

  • 23 أبريل 2010

بقلم : محمد ولد المنى

عشرات المقالات العلمية وثلاثة كتب هي “النهضة العربية والنهضة اليابانية: تشابه المقدمات واختلاف النتائج” (1999)، “النهضة اليابانية الحديثة والدروس المستفادة عربياً” (2002)، و”اليابان بعيون عربية” (2005)… تلك بعض الأعمال التي كتبها الدكتور مسعود ضاهر خلال عشرين عاماً الماضية حول اليابان وتجربتها النهضوية، قياساً إلى نظيرتها العربية، متجاوزاً في الكم والنوع كل ما كتب عربياً حول رائد التقدم الآسيوي. واستمراراً لذلك الجهد يطالعنا الدكتور ضاهر بكتابه الجديد “تاريخ اليابان الحديث (1853 -1945): التحدي والاستجابة”، والذي نعرضه بإيجاز فيما يلي. فالكتاب الحالي يمثل تطويراً للمادة التاريخية ضمن الكتب أعلاه، لكن ضمن منهجية التاريخ الاجتماعي لليابان، لذلك نجده يتناول الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تطور المجتمع الياباني الحديث، ليقدم صورة وافية عن السمات الأساسية لذلك التطور، محللا الأسباب العميقة التي أدت إلى نجاح النهضة اليابانية، بوصفها تجربة متفردة خارج المركزية الأوروبية.

ويميز المؤلف بين مرحلتين في تاريخ اليابان الحديث كان لهما الأثر الكبير في تعزيز دورها على الصعيدين الآسيوي والعالمي، أولاهما تمتد من عام 1637 إلى عام 1853 وفيها طبقت اليابان استراتيجية العزلة الطوعية عن العالم الخارجي، وقد شهدت هذه المرحلة ولادة وحدة اليابان السياسية والإدارية، حيث لعب نظام القيم الذي كان سائداً لدى الطبقة العسكرية دوراً بارزاً في بناء تاريخ اليابان الحديث. كما كان لعملية التراكم التجاري والمالي أثر حاسم في جميع التبدلات الاقتصادية والاجتماعية اللاحقة في تاريخ اليابان الحديث. وفي تلك المرحلة أيضاً اكتسب اليابانيون مهارة صنع الأسلحة النارية من البرتغاليين، وأعدوا حملة عسكرية كبيرة للسيطرة على كوريا والصين. ورغم إخفاق الحملة فقد بدأ رد فعل اليابانيين يزداد عنفاً ضد محاولات الغرب المبكرة لاحتلال بلادهم.

أما المرحلة الثانية من تاريخ اليابان الحديث، كما يوضح الكتاب، فتمتد من 1853 حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث يشير التاريخ الأول إلى إنذار الكومودور الأميركي “بيري” الذي وجهه لليابان بفتح موانئها أمام الملاحة الدولية، سلماً أو بالقوة، حيث أُجبرت اليابان على توقيع اتفاقية “سلام” مذلة مع الولايات المتحدة، وبدأ الغرب يعاملها كما لو كانت خاضعة فعلا للاحتلال. لكن سرعان ما تبلور رفض ياباني عارم ضد تقديم أي تنازل للخارج على حساب السيادة والكرامة، وتشكلت قيادة يابانية جديدة تتبنى الشعار الشهير “المجد للإمبراطور، وليطرد البرابرة!”. وقد بنيت سياسة الإصلاح خلال هذه المرحلة على قاعدة ثابتة تعتبر أن اليابان ذات خصوصية فريدة لأنها “تضم شعباً متجانساً يقيم على أرض مقدسة ترعاها الآلهة، ومادام الإمبراطور نفسه من سلالة الآلهة، فقد عُد بمنزلة الأب الروحي لجميع اليابانيين، فهم عائلة واحدة لها دولة تعد جميع اليابانيين أبناء لها، فهم متساوون في الحقوق والواجبات، بصرف النظر عن أي انقسامات طبقية أو فكرية”.

وقد أسهمت تلك المقولات الشعبوية في إنهاء الامتيازات الاجتماعية القديمة، فوجدت القوى الاجتماعية الجديدة متسعاً لتحقيق أحلامها في الوصول إلى مراكز اجتماعية جديدة عبر المشاركة في إدارة مؤسسات الدولة اليابانية العصرية. وبذلك نجحت اليابان في بناء حداثة حقيقية يعترف بها العالم.

وفي معرض تحديده لماهية الحداثة اليابانية، يعتبر ضاهر أن حداثة اليابان هي نتاج تفاعلها الإيجابي وحركة التاريخ العالمي الحديث، لا عزلتها الداخلية، بل إن أهمية مرحلة العزلة الطوعية، أو مرحلة “توكوغاوا”، تكمن في ما تركته من تراكم اقتصادي استخدمته القيادة السياسية المتنورة بعد عام 1868 بكفاءة عالية لردم الهوة بين التاريخ الياباني والتاريخ العالمي بسرعة قياسية… ومن ثم فلا يمكن تحديد تاريخ اليابان الحديث استناداً إلى عزلتها عن العالم الخارجي، بل انطلاقاً من استجابتها لتحدي الحداثة الغربية الكونية بأسلحتها الثقافية، لاسيما العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة. وقد نجحت اليابان دون سواها في تحصين مجتمعها من مخاطر التغريب والاحتلال التي حلت ببلدان خاضت تجربة مشابهة، فارتبط تاريخها الحديث بالخضوع للاستعمار لا بالتحرر منه.

رابــــط المقال 

Share