جمال سند السويدي يقدّم قراءة حداثية لوسائل التواصل الاجتماعي في كتابه «من القبيلة إلى الفيسبوك»

  • 16 مايو 2013

بقلم: أحمد علي البحيري

ما يلفت الانتباه في كتاب الدكتور جمال سند السويدي مدير عام مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في دولة الامارات، من إصدارات هذا العام، بعنوان «وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحوّلات المستقبلية من القبيلة إلى الفيسبوك»، تلك الطرافة التي يمتع بها في طرح المعلومات، بأسلوبية جاذبة على مستوى المفردة واللغة وطريقة المخاطبة الموجهة للشباب من الشغوفين باستخدام هذه التقنية المعلوماتية، مضافا إلى كل ذلك دقة المعلومة وقيمة الاستنتاجات، والجانب التوثيقي الراصد، الذي استقاه من خبراته وعمله في العديد من المناصب، حيث شغل سابقا منصب رئيس مجس إدارة مدارس الامارات، وعضو مجلس جامعة زايد، وأيضا حصوله على جائزة الامارات التقديرية للعلوم والفنون والآداب (فرع الدراسات الانسانية). ونحسب أن ذلك يجعل منه الأقرب لمخاطبة الجيل الجديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، فهو يخاطبهم بطريقة لا تخلو من تلك الطرافة وروح التفكّه بقوله: «وأخيرا أرى أن كوني عضوا بين ملايين البشر الذين تجمعهم «قبائل» التواصل الاجتماعي الجديدة، يحتم عليّ دعوة مستخدمي هذه الوسائل التكنولوجية الحديثة، إلى التركيز على تعظيم الاستفادة مما توفّره من قدرات وإمكانات معرفية هائلة لم تكن متاحة لمن قبلنا، حيث كان دافعي الرئيسي إلى تأليف هذا الكتاب، هو إطلاق صيحة تنبيه كاشفة لما رأيته من إيجابيات وسلبيات تطرحها علينا تكنولوجيا الاتصال مع بزوغ شمس كل يوم جديد».

إن الدراسة الموثقة التي يقدمها الدكتور السويدي حول هذا الموضوع الظاهرة، تستحق المتابعة والمناقشة والإهتمام، والبناء عليها، حيث تنبع أهميتها من كون وسائل التواصل أضحت خلال الآونة الأخيرة متغيرا جذريا ضمن آليات «الحراك السياسي» والاجتماعي في مناطق واسعة من العالم ، مضافا إلى ذلك المنهج العلمي البحثي المتبع في الدراسة، متمثلا في منهج المسح بشقيه الوصفي والتحليلي، وفق ما يحقق الهدف الرئيس من طرح ومناقشة هذا الموضوع، وكذا محاولة استشراف التأثير المستقبلي لوسائل التواصل الاجتماعي.

مقاربات لطيفة

يغوص الدكتور السويدي، وعلى طريقته الخاصة في عقد مقاربات علمية لطيفة، في واحدة من القضايا الاجتماعية الخطيرة، ونقول خطيرة لأنها ذات صلة بالسياسة وتشكيل سلوك الفرد المعاصر تجاه ما يجري حوله من أحداث، وبخاصة من المولعين باستخدام هذه التقنية التي تحتل اليوم مكانة مهمة، على ما تحمله من إشكاليات، ترتبط بمفهوم الثقافة الالكترونية العالمية، ومفهوم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في زمن عولمة الثقافة الرقمية، بحيث أصبحنا أمام قضية بالغة الأهمية، تتعلق بدور هذه الوسائل في تشكيل إتجاهات الرأي العام، وبناء القواعد الذاتية والمواقف والآراء تجاه مختلف الأحداث في مختلف المجالات، ومن ثم انتزاع المستخدمين والدفع بهم إلى ممارسة الفعل السياسي والاجتماعي ضمن المنظومة الشعبية. والمؤلف في الواقع يكشف عن حقائق ومعلومات خطيرة وجديدة حول قضية هذا الكتاب الشائق الجميل في مضمونه وشكله وإيقاعه ومفرداته وطريقة ترتيبه، وفي ذلك يقول في مقدمة كتابه: «… وقد أصدر مجلس الاستخبارات القومي الأميركي تقريرا في ديسمبر 2012 بعنوان «الاتجاهات العالمية 2030 عوالم بديلة»، أشار فيه إلى دور التقنية المعاصرة في تمكين الفرد من أداء دور مؤثر على مستوى العالم من خلال التّوسع في استخدام «الاعلام الاجتماعي» الذي إعتبر التقرير أنّه بات إحدى القوى الفاعلة على المستوى الدولي. لقد أدّت وسائل التواصل الاجتماعي إلى التحول من «القبيلة إلى الفيسبوك»، فإذا كانت القبيلة الواحدة تتكون من بطون وأفخاذ متفرقة وعصبيات متعددة، وهو أمر ينطبق بصورة رئيسية على منظومة وسائل التواصل الاجتماعي، فلكل مجموعة تتصل على أي وسيلة تواصل اجتماعي توجهات ورؤى واحدة، كأنها عصبية قائمة بذاتها، لذا يمكن القول إن لوسائل التواصل الاجتماعي «فرضيات عصبية قائمة»، وهي سمة البنية الاجتماعية. أما إذا أخذنا القبيلة وفق مفهومها المتعارف عليه بأنها «كيان اجتماعي يضم عائلات تجمع بينها القربى»، فإن وسائل التواصل، وخاصة الفيسبوك، قد أسهمت في تشكيل قبائل من نوع جديد، تضم كيانات وعائلات يربطها العالم الافتراضي، ومن ثم إنتقل الفرد من روابط القبيلة إلى الفيسبوك، وجرى تغيير ثنائية «العصبية والقبيلة» إلى ثلاثية العصبية الافتراضية المشتركة، وقوة رابطة وسيلة التواصل والشعور بوحدة الهدف والمصالح».

لقد كان الدكتور السويدي في كتابه صريحا مع نفسه، ومع القراء، ونزيها وشفافا بحيث أنه لم يغفل الاشارة إلى إشكالية الدراسة، التي تشير بوضوح إلى التأثيرات المستقبلية لوسائل التواصل، ومحاولة فهمها في المجالات السياسية والاقتصادية والإعلامية والأمنية، وكيف تؤثر هذه الوسائل في شبكات العلاقات المجتمعية والتفاعلات السياسية داخل الدول. وفي السياق والتحليل يستشرف المؤلف أبعاد هذه التأثيرات بقوله: «… وسوف تتغير الأساليب والنظم التقليدية التي سادت عقودا من الزمن في الإعلام والسياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، فالعلاقة بين الفرد والدولة، ستختلف جذريا عن الوضع الراهن، وستكون هناك ثقافة مختلفة، ولن يطول الحديث عن الحداثة والتقدم، بل إن هناك مفاهيم جديدة لعصر جديد، فعالم ما قبل هذه الوسائل، غير العالم بعدها، وهو ما تحاول هذه الدراسة تحقيقه عبر تحليل أبعاد الظاهرة».

تعريفات وأدوار

استهل المؤلف الجانب البحثي من كتابه بتعريف القارئ بوسائل التواصل الاجتماعي من تحت عنوان المفاهيم والّدور: «تعرف وسائل التواصل الاجتماعي أو شبكات الاعلام الاجتماعي بأنها مواقع، أو تطبيقات أخرى مخصصة لاتاحة القدرة للمستخدمين للتواصل فيما بينهم من خلال وضع معلومات، وتعليقات وصور، وبالتالي يغطّي مفهوم وسائل التواصل المستخدم في هذه الدراسة جانب البرمجيات والتطبيقات، ولا يغطي جانب الأدوات المستخدمة، كالأجهزة المختلفة من الحواسيب المكتبية والنّقالة واللوحية والهواتف الذكية وتقنيات الإتصالات، مع ملاحظة أن التقدم التقني المتسارع في الأدوات وإمكاناتها يعتبر من أهم العوامل الحاكمة لانتشار وسائل التواصل، وظهور الإبتكارات المتتالية في مثل هذه الوسائل، وقد أكد كثير من الخبراء أن وسائل التواصل تسيطر في الوقت الراهن على نحو 71 في المائة من السوق الاعلامية والاتصالية عالميا».

من التعريف بالمفاهيم والدور العام، ينتقل المؤلف لمناقشة سمات عصر وسائل التواصل لجانبه التقني، إنّه يدرس ويحلل ويحذّر من مخاطر وسمات التقدم التكنولوجي ووسائل الاتصال، كما أنه يناقش هذه السلبيات التي تصل في بعض جوانبها إلى محاذير أشكال من الجريمة، وأولها إنتشار ظاهرة «الشعور بالذاتية»، وقدرة الفرد في هذا العالم المتسارع التقدم على التأثير في عالم وفضاء مفتوح، من خلال وسائل تعبير منخفضة التكاليف وواسعة الانتشار، وثانيها ما يمكن تسميته بـ»التنوع اللامتناهي» في الرسائل الإعلامية والمحتوى الإعلامي، وبأنه قادر على انتهاك حقوق الملكية الفكرية، ويسمح بارتكاب الجرائم عن بعد، ويزيد من تعقيد منظومة الأمن الالكتروني، ويشجع الروابط العابرة للحدود… فالفرد على اتصال بالعالم الخارجي دون أن ينتقل من مكانه، وعندما تختفي المسافة «يصبح للأفكار أجنحة» حيث تسهل مشاركة الآخرين في الأفكار، الأمر الذي ينعكس على السلوك الفردي والجماعي».

كما أن لهذا العصر الالكتروني إيجابيات أيضا، وقبل أن يجملها المؤلف في نقاط، يشير إلى هذا العالم المتشابك: «كما أن الفضاء الالكتروني يزيد من فرص الابتكار والابداع سواء في النواحي الايجابية أم السلبية، ويدفع الفرد إلى بناء منظومته التفاعلية بلا حدود زمنية ومكانية، ومن ثم ينتقل عبر المكان والزمان دون مغادرة محل إقامته وكأنه «رحالة إفتراضي» يبحر في مختلف الاتجاهات والثقافات». ويستكمل المؤلف رؤيته لأهم سمات هذا العصر إيجابيا، حين يتناول بالمناقشة أهم التغييرات التي حدثت ومنها: وجود علاقات طردية بين الفرد والحرية ووسائل التواصل، إزدياد الوعي السياسي بين مستخدمي وسائل التواصل بصورة غير مسبوقة، حيث إن التواصل بين مستخدمي المواقع يوفّر الفرصة للنقاش ويتيح مزيدا من الفهم لقضايا العصر والموضوعات السياسية، وخاصة في ظل وجود خبرات متنوعة بين مستخدمي وسائل التواص من مثقفين وسياسيين وأكاديميين وأناس عاديين. كما يرى بعض الباحثين أن وسائل التواصل بات لها أثر واضح في تشجيع الناس على المشاركة السياسية، كذلك إزدياد دور المؤسسات الاقليمية والدولية على المشاركة في صنع السياسات العامة لدولهم، ما يزيد من تأثير هذه المؤسسات في السياسات الداخلية للدول. يقول السويدي في هذا السياق: «تأثر الوعي السياسي لدى مستخدمي الانترنت بتناقل الخبرات والدروس المستفادة بين مواطني الدول بعضهم ببعض عبر وسائل التواصل، ولعل نقل خبرات المتظاهرين التونسيين في التعامل مع قوات الأمن خلال فترة الاحتجاجات الشعبية إلى نظرائهم المصريين عبر وسائل التواصل، يعدّ برهانا قويا على هذا الأمر».

المجتمع المدني

يكشف الدكتور السويدي في كتابه عن تأثيرات هائلة أحدثتها وسائل التواصل في الإنسان المعاصر، مثل إزدياد قوة المجتمع المدني، حيث إتخذ منها منصة للانتشار وممارسة دوره العابر للقيود المحلية التي تضعها بعض الحكومات والسلطات على أنشطة هذه المؤسسات في داخل الدول، كذلك إستفادة الشركات والمؤسسات من هذه الوسائل مثل: شركات الطيران، والتأمين، والبنوك، والمؤسسات الاستثمارية والعقارية وبيع السيارات، سواء في تنشيط مبيعاتها أو في تحسين صورتها الذهنية، حيث باتت معظم المؤسسات في العالم تتعامل مع هذه الوسائل بشك آني للتعرف على اتجاهات الجمهور حيالها. يقول المؤلف: «… فضلا عن الاستفادة من تأثير هذه الوسائل التي تعتبر قناة اتصال مؤثرة في الشباب وصغار السن، فعلى سبيل المثال، لم تتوقف قنوات التواصل بين مهرجان دبي للتسوق والجمهور، وتنوعت هذه القنوات بتنوع فئات الجمهور، وجرى تحديثها لتواكب التطورات التقنية الحديثة، حيث ترى «مؤسسة دبي للفعاليات والترويج» أن وسائل التواصل هي الأنسب لتمثل همزة الوصل بينها وبين الشباب من جمهور المهرجان، حيث تمكنها من ترويج تجاري وبيان أنشطة المهرجان والتعرف إلى إحتياجات الزائرين، كما تستخدم المؤسسة وسائل التواصل في إقامة مسابقة مزاد المهرجان على موقع الفيسبوك، أما موقع إنستجرام فهو يسهم في دعم الجانب الخاص بالصورة في المهرجان من خلال مسابقات التصوير، وعلى موقع تويتر، تقدم المؤسسة تحديثات يومية للمعلومات والأخبار والأنشطة اليومية المتعلقة بالمهرجان».

ويرى الدكتور السويدي أن من بين التأثيرات الاجتماعية الواضحة لوسائل التواصل أن الفرد قد أصبح أكثر تحررا بفضل «المرونة المادية» والتقنية لهذه الوسائل التي جعلت تداول المعلومات وتبادلها بين البشر في غاية السرعة، فقد تجاوزت التقنية، مدعومة برغبة الانسان الفطرية في التحرر، هياكل الدولة التقليدية التي ترى في الفرد كائنا إتصاليا متقبلا يقف تأثره داخل حدود ما يتأثر به المجتمع. ولكن الحاصل أن سلطة الفرد عبر وسائل التواصل تزداد يوميا، ولا سيما في الدول النامية، وهذه السلطة ستصطدم إن عاجلا أم آجلا بكل محاولة لاعادة هيكلة وسائل الاعلام التقليدية وتنظيمها، فالهيكلة الكلاسيكية القديمة ستجابهها تحررية فردية تسعى إلى فرض نفسها، ليس في ملكية الوسيلة وتبادل المعلومات دونما إقصاء فقط، ولكن في التأسيس لمؤسسات فردية في الاتصال وإدارة مختلفة للمشهد الاعلامي أيضا.

العمل والعلم

من المعالجات الجديدة وربما تكون الأولى على مستوى المؤلفات المختصة بهذا الموضوع على مستوى المنطقة التي يتناولها الكتاب، ما يتعلق بتأثيرات التواصل الاجتماعي في مجالات العملية التعليمية، وخاصة في مجال التعليم العام والجامعي، يقول المؤلف: «… إذ أدّى التطور المتسارع في هذه الوسائل إلى آثار قوية في قطاع التعليم، حيث فتح مجالات واسعة لتيسير الوصول بالمواد التعليمية للطالب، مع تغيير أسلوب تلقّي المعلومة وإختبار مدى الاستيعاب، وكذلك تسهيل العملية الادارية، سواء داخل المؤسسات التعليمية أو خارجها، ومن أهم التوجهات الراهنة في الفضاء الالكتروني في مجال التعليم ظاهرة «الشبكات التعليمية» التي تنتهج أسلوبا مماثلا للشبكات الاجتماعية في التواصل، وأهمها «السبورة السوداء» و»الرغبة في التعليم» التي تتيح إمكانية رفع المواد الدراسية على الشبكة ليتاح الوصول إليها بواسطة المدرسين والطلاب، والتحاور بشأنها بصورة تماثل ما يتم في وسائل التواصل الاجتماعي».

تضمن الكتاب الذي يقع في 156 صفحة، مجموعة من العناوين المهمة مثل: المؤشرات الاحصائية لأهم وسائل التواصل الاجتماعي، وسائل التواصل وتطور إمكانات إدخال البيانات، آفاق العلاقة بين الإعلام التقليدي ووسائل التواصل، الإشكاليات القانونية المترتبة على استخدام وسائل التواصل، وسائل التواصل الاجتماعي توقعات مستقبلية، لكن ربما يكون من المهم في سياقات ومقاربات هذه المواضيع، التركيز قليلا على التأثيرات المستقبلية المغايرة التي يختتم بها المؤلف كتابه القيم والجديد في طريقة تناوله وأسلوبه في مناقشة قيمة هذه الوسائل وخطورتها على الناشئة والجيل الجديد المعاصر الذي يعيش الفجوة الحضارية بكل مستوياتها، وأيضا يناقش إيجابياتها في إضافة نوعية إلى تلك الدراسات الوصفية التي صدرت عالميا وعربيا في السنوات الخمس الأخيرة. فهو يخلص الى نتيجة مهمة في ضوء المتابعة الدقيقة للتأثيرات التي تفرزها وسائل التواصل في المجالات كافة، يمكن القول إن تطور هذا السؤال على صعيد المحتوى والتقنية، لا يعني بالضرورة حصول تغييرات إنقلابية في المستقبل، فالإعلام تقليديا كان أو اجتماعيا، لا يصنع التغيير بمفرده، بل هو رافعة أو أداة للتغيير، فهو يساعد على سبيل المثال، أن تحدث وسائل التواصل تحوّلا سياسيا فارقا في الحياة الأميركية أو الأوروبية، بعكس الحال في الدول العربية، على سبيل المثال، والنقطة الفارقة بين الحالتين أن وسائل التواصل كأداة للتغيير مطلوبة وبإلحاح في الحالة العربية في ظل محدودية مناخ الحريات أو ربما غيابه، وفي ظل ضعف المعارضة الحزبية، في حين أن الحاجة إلى هذا الدور في النموذج الغربي تظل محدودة، بالنظر إلى مناخ الحريات وإتساع مساحات وطرق التعبير عن الرأي.

إرهاصات ومؤشرات

يختتم الدكتور جمال سند السويدي مناقشته لهذه القضية بالاشارة إلى جملة من الإرهاصات والمؤشرات التي يمكن أن تسهم في بلورة رؤية مستقبلية للتأثيرات المغايرة لهذه الوسائل، هي إذن ليست نتائج حاسمة، بقدر ما هي تلخيصات، واستشراف مهني، تبدو ملامحه في جملة من النقاط أهمها: إن هناك جدل بحثي واسع حول الدولة بمفهومها التقليدي في ظل الاختراقات العابرة للحدود، كما يرى بعض الباحثين أن دور شبكة المعلومات لا يزال في حالة تطور، معتبرين أن الانترنت اليوم تناظر إختراع آلة الطباعة في الأيام المبكرة لتجميع الحروف في أسطر، ويشير بعض الباحثين إلى أنه في عام 2026 ستكون قوة المعالجة للحواسيب بحاجة إلى مزيد من التطور لتقارب من حيث عدد العمليات في الثانية العقل البشري. كما يرى أن الجرائم الالكترونية ستقفز إلى صدارة التهديد الأمني الاستراتيجي للدول، وهي جرائم ذات صلة وثيقة بوسائل التواصل من زاوية أن معظم هذه الجرائم تأخذ شكل رسائل إلكترونية صغيرة غير مرغوب فيها، ويقول المؤلف: «وفي ظل التنامي الهائل لمهارات المجرمين الإلكترونيين وأعدادهم، لدرجة إنتاج «البرمجيات الخبيثة» بات يقدر أنه يفوق إنتاج البرمجيات الشرعية، حيث يتم إكتشاف نحو مليون برنامج خبيث شهريا».

لا يخلو أسلوب التعبير لدى المؤلف من تأثيرات أدبية واضحة، تنم عن ثقافة تمزج ما بين العلوم الانسانية واللغة الشاعرية التي بدت واضحة في إشارته التحذيرية الأخيرة حول الاشكاليات المرتبطة بالثقافة الالكترونية من خلال هذه الوسائل الجامحة والمبرمجة والمراقبة في ذات الوقت، ما بين صراع الإنسان في بحثه عن قوته اليومي وصراعه مع قوانين المجتمع، وما بين التطور الهائل الذي يشهده العالم والمجتمع في مجال تقنية الاتصالات وتقدم وسائل المعيشة والترفية، ما بين الأسود والأبيض، والرؤية الفنية ثلاثية الأبعاد ثمة مقاربة جميلة يطرحها المؤلف بقوله: «وإذا كان التاريخ شاهدا على الصراع بين الانسان والآلة، من حيث السرعة وقوة التحمل ومستوى الأداء وزمن الإنجاز، فإن التاريخ نفسه سوف يشهد على صراع الانسان بين الحياة الواقعية والحياة الافتراضية التي ستكون الملاذ للجنس البشري لتحقيق طموحاته وأحلامه بأقل قدر من التكلفة المادية والوقت بالاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي دون الصدام مع العوائق الاجتماعية والأخلاقية والقانونية والأمنية، وسوف يأتي اليوم الذي يتندر فيه البشر على عصر الورق والقلم، وعصر الصحف والإذاعات والقنوات الفضائية مع النقلة النوعية والقفزة الكبيرة التي ستحققها وسائل التواصل الاجتماعي في مختلف المجالات في ظل الوقت (صفر) والسرعة (اللانهائية)».

لا نقول أن كتاب الدكتور السويدي لا مثيل له، ولكنه يتجاوز في بعض جوانبه «فن التوصيف» والخروج من الإنشائية إلى مجاراة تكنولوجيا العصر سواء على مستوى اللغة والأسلوب، أو على المستوى البحثي والاستقصائي، ثم الاعتماد على النموذج من الدراسات السابقة في هذا المجال مثل دراسة ريتا سافرانيك بعنوان «الدور الناشئ لوسائل الاعلام الاجتماعي في التغيير السياسي وتغيير الأنظمة»، كذلك دراسة فيليب كانتون بعنوان «وسائل الاعلام الاجتماعي والربيع العربي: تحليل التأثير الجيوسياسي الاستراتيجي وإنعكاساته على المستقبل»، هذا إلى جانب عقد مقاربات مع العديد من الدراسات العربية والعالمية، وإعتماده المباشر على خبرته في منهج التحليل والمسح، والإستناد إلى جملة من المصادر والمراجع والعناوين والأحداث الجارية المعاصرة على المستوى العربي على وجه الخصوص، ولهذا جاء كتابه متمايزا متفردا في مناقشة المعلومة بكل ما تتصل به من اشكالات إعلامية وسياسية وقانونية وإنسانية وما ترتبط به من إتفاقيات دولية.

الانسان الانترنتي

في تركيز الدكتور جمال سند السويدي على التأثيرات الاجتماعية لوسائل التواصل، يفرد فصلا كاملا لهذا الموضوع زاد عن عشرين صفحة، مستهلا مناقشته بالإشارة إلى مفهوم «المجتمع الرقمي العالمي».

ويقول: «يعيش العالم في مجتمـع ما بعـد الصناعة، أو ما بعد الحداثة، وهو مجتمــع رقمـي عالمي، أفرز بدوره ما بات يعرف بالانسان الرقمي، والانسان «الانترنتي»، الذي يسأل نفسه ماذا سيحصل بعد؟ بدلا من السؤال التقليدي: ماذا سنفعل؟ فقد أصبح النشاط الاتصالي تيارا مجتمعيا جارفا لا يمكن لأحد أن يكون بمعزل عنه واصبح الانسان أمام فيض من المعلومات والأفكار والمشاعر، بحيث يمكن القول ان «الوفرة الإتصالية» أصبحت ظواهر هذا العصر، وهذه الوفرة تشكل عبئا على الإنسان في كثير من الأحيان ما يدفع الكثيرين إلى الانعزالية أو عدم الاكتراث بما يدور حولهم».

أرامل الانترنت

ينبه الدكتور جمال سند السويدي في كتابه إلى ما ينشأ عن تطور علاقة الإنسان بوسائل التواصل الإلكتروني من مشكلات اجتماعية بينية تطغى على ما يفترض من علاقات طبيعية بين الأفراد الذين تجمعهم روابط عائلية. وفي هذا السياق يشير إلى إصطلاح خطير ونوعي وجديد على المسامع، أفرزته وسائل التواصل وهو «أرامل الانترنت» ويقول عن ذلك: «لقد تم طرح هذا المصطلح على نطاق محدود، برغم صدقيته، فالمدمنون على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يعاني أزواجهم أو زوجاتهم غياب الشريك، وعدم قيامه بأي دور حقيقي في حياة أسرته، والمقصود بالترمل، غياب الشريك في العلاقة الزوجية بوقوعه فريسة لإدمان استخدام وسائل التواصل، وإذا كان الأرامل في الواقع لهم حقوق مجتمعية وقانونية، فربما يكون لأرامل وسائل التواصل الاجتماعي، وهم «أرامل إفتراضيون»، حقوق مجتمعية وقانونية في المستقبل أيضا، وقد تنشأ لذلك محاكم خاصة لـ»الارملة الافتراضية»، بحيث يمكن للمتخصصين في وسائل التواصل دور قانوني وتشريعي ، لذلك ربما يكون أحد شروط الزواج في المستقبل وضع قيود على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من أحد الزوجين وضمان تقاسم المسؤوليات الأسرية والاجتماعية».

وإلى ذلك يطرح المؤلف مشكلة أخرى شبيهة بهذا الموضوع لها أبعادها الاجتماعية الخطيرة، ومن ضمنها مفهوم كسر عزلة المسنين في الحياة المعاصرة، وهي نوع حياة الانسان المعاصر في زمن العولمة التي صنعت لنا مفاهيم اجتماعيية تتقارب مع سمات الاغتراب، وعن ذلك يقول المؤلف «إن الظروف التي يمر بها المسن تسمح له بوقت كبير يمكن استخدامه في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي من دون عناء وبذل مجهود كبير أو إرهاق جسدي، ما سوف يكسر عزلة المسن، ويسمح له بامتداد اجتماعي إفتراضي يكون بديلا لنقص تواصله الاجتماعي مع أقربائه وأسرته، ويضيف إلى عمره زمنا جديدا ومعارف جديدة، فالمسن يركن عادة إلى السكون ويجلس في مكانه لمدد طويلة، لذلك فإن توافر وسيلة إلكترونية تسمح له بإستخدام شبكة الانترنت والاستفادة من خدمات مواقع التواصل الاجتماعي ستدفعه حتما الى الاتصال بمستخدمي هذه الوسائل».

مسيرة علمية وسيرة مهنية

يشغل مؤلف كتاب «وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحوّلات المستقبلية من القبيلة إلى الفيسبوك» الدكتور جمال سند السويدي، منصب مدير عام مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وأستاذ العلوم السياسية المشارك في جامعة الامارات، كما يرأس مجلس إدارة مكتب البعثات الدراسية التابع لوزارة شؤون الرئاسة، واللجنة العليا لإعداد الاستراتيجية الوطنية للأمومة والطفولة في دولة الامارات العربية المتحدة. حصل السويدي على شهادة الدكتوراة من جامعة وسكونس في الولايات المتحدة الاميركية عام 1990، كما منح وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من قبل رئيس الجمهورية الفرنسية، ووسام الاستحقاق من درجة قائد من قبل الملك الحسن الثاني ملك المغرب، وجائزة الشخصية التنفيذية للقيادات الشابة من معهد جائزة الشرق الأوسط للتميز، ساهم في إعداد مجموعة من الكتب منها: حرب اليمن 1994: الأسباب والنتائج وإيران والخليج، البحث عن الاستقرار، كما شارك في تأليف وإعداد كتاب: مجلس التعاون لدول الخليج العربية على مشارف القرن الحادي والعشرين، وكتاب مجتمع دولة الامارات العربية المتحدة ـ نظرة مستقبلية.

رابـط المـقال

Share