جمال سند السويدي يتوقع استمرار التفوق الأميركي لخمسة عقود مقبلة .. “آفاق العصر الأميركي”.. يحلل بنية القوى في النظام العالمي الجديد

  • 7 أغسطس 2014

في ظل التجاذبات العالمية التي أتت على الكثير من المقومات، وفي الوقت الذي تتداخل فيه مناطق النفوذ في المنطقة العربية خاصة كان لزاماً على الباحثين أن يطرحوا السؤال عن مواطن القوى، وقدرتها على الفعل حاضراً ومستقبلاً، فنحن في أمس الحاجة اليوم إلى قراءة واقعنا، والبحث عن الآليات التي تحكمه وتسطر الخطوط العريضة فيه، صحيح أن العرب اليوم يعيشون لحظة تاريخية حرجة إلا أنهم في أمس الحاجة إلى قراءة فاحصة وعلمية لما يحصل في هذا العالم، إذ لابد أن نسبر أغوار هذا الواقع ونفهم مفاتيحه ورموزه وتطوراته وتغييراته السريعة، ولأنه من الضروري قراءة ما حولنا كان هذا الكتاب المرجعي الهام (آفاق العصر الأميركي) الذي كتبه الباحث الاستراتيجي الإماراتي جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات العربية المتحدة.

يلقي الكتاب الضوء على الكثير من المفاهيم حول النظام العالمي الجديد، وما يميزه من سمات، والعوامل المؤثرة في بنيته، والمنعطفات التاريخية الفارقة في النظام العالمي، والدور الذي يلعبه الاقتصاد والتجارة والطاقة في هذا الراهن الجديد واتجاهات الجمهور حول هذا المفهوم والتغيرات البنيوية المتوقعة وتأثيراتها والرؤية المستقبلية لهذا النظام.

جهد مؤسساتي

الكتاب جاء في تمهيد قصير ومدخل لتحديد الإشكالية من خلال تناول بنية القوى في النظام العالمي الجديد وسبعة فصول وخاتمة. وهو يعد من المراجع العلمية التي يمكن اعتمادها في البحوث المختلفة لأنه يقدم نظرة موضوعية تحليلية معمقة قائمة على الإحصاءات والبيانات من خلال الجداول والاستطلاعات والمعلومات الموثقة، بعيدا عن الانطباعية والسطحية التي ميزت للأسف الكثير من البحوث في هذا الإطار والتي جاءت بجهود فردية، لا نلوم أصحابها نظرا لعدم توافر الدراسات والبحوث والبيانات الكافية لديهم، لكن الدكتور جمال سند السويدي قام بجهد بحثي مؤسساتي، فتعرض إلى بنية القوة والسيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد ومساراتها وهيكليّتها خلال العقود المقبلة بناء على قراءة متأنية تقرأ المستقبل بالاعتماد على الحاضر ونتائجه وأرقامه، وذلك من شأنه أن يساهم في فهم ما يدور إقليميا وعالميا، ويساعد على بلورة رؤى استراتيجية من شأنها أن تحدد السياقات المستقبلية في هذا العالم.

والحقيقة أن هذا الكتاب بما جاء فيه من نتائج وتحليل يقيم الدليل على الجهد الكبير الذي يقوم به مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، من خلال تقديم استراتيجيات وخطط وبرامج من شأنها أن تفيد الإنسانية جمعاء، خصوصا إذا كانت القراءة الواردة في الكتاب تختلف عما سبقها من تناولات في هذا الإطار.

إننا إزاء مكانة الولايات المتحدة الأميركية والدور الذي تلعبه اليوم ومستقبلاً في هذا العصر المتعولم، والتي لم يتحدد موقفنا منها فهناك من يتجنب تأثيراتها ويحاول الانطواء على ذاته، وهناك من يرى العكس ويسعى إلى التفاعل الإيجابي معها ويعظم مردودها، وهذا الاختلاف من شأنه أن يقيم الدليل على الصراع بين رأيين محتدمين متناقضين كل منهما يقرأ الحاصل وفق آلياته ومنطلقاته التي تختلف عن الآخر.

يقول الدكتور جمال سند السويدي في تمهيده لكتابه (ص 13): “إنني في هذا الكتاب المرجع لا أضع نفسي في موقع من يرسم المستقبل ويخطط له، فالمتغيرات المتسارعة والتطورات الهائلة التي يشهدها العالم قادرة على تجاوز أي تخطيط، ودفع بوصلة التقديرات المستقبلية إلى التذبذب بين مختلف الاتجاهات في حراك متسارع دونما استقرار، فالمستقبل يرسمه الحاضر انطلاقاً من الماضي”، ولعله بذلك يعترف ضمنا بأن كتابه لا يقدم الحلول بل يقرأ الأحداث التي تسرف في سرعتها وتغيرها بين عشية وضحاها، محاولا النهل من الماضي القريب للتوصل إلى حقيقة الحاضر ومنها يمكن تحديد سياق المستقبل.

إن هذا الامتداد في الصيرورة من شأنه أن يحدد عبر حقب مختلفة، إلا أن العصر اليوم لا يجعلنا نقف على قرار واحد في ظل السرعة والتطورات العجيبة التي تأتي على الزمن، فتتقاطع الأحداث ويصبح الماضي منهلاً أدرك المؤلف أنه استوعب دروسه “دون استغراق فيه، لإدراكه أن الماضي قد يعوق في بعض الأحيان جهود التخطيط للمستقبل بفعل ما ينطوي عليه من أثقال، وربما إخفاقات قد يتسبب استحضارها في إطلاق سحابة من التشاؤم أو الحذر على أقل التقديرات، تجاه المستقبل”. (ص 13).

وربما كان السويدي من خلال قوله هذا يشير إلى تباعد الأزمنة من خلال الطفرة الكبيرة التي أفقدت الماضي جدواه أو جعلت الاعتماد عليه في هذا الوقت بالذات أمراً معيقاً، ولكنه في نهاية المطاف يبقى مرجعاً ونقطة بدء يعتمد عليها للانطلاق في قراءة الواقع والبحث عن آليات للمستقبل؛ فالكتاب محاولة لرسم معالم الطريق إلى المستقبل من خلال قراءة الحاضر بكل تأنّ، وفهم ما سيكون عليه مستقبل العالم على جميع المستويات سواء من حيث الصراعات المقبلة وأسبابها، أو من خلال القضايا التي ستشكل عصبا للمستقبل، وماهيتها، وخصائصها في الوقت الذي يتقارب فيه العالم أكثر فأكثر وتتراجع فيه المفاهيم التقليدية، ويتراجع فيه دور الدولة ومؤسساتها، والمفهوم الجديد للسيادة في عصر الاختراق الاقتصادي والإعلامي العابر للقارات.

من الضحية ومن المستفيد من كل هذه المتغيرات؟ وهل يمكننا أن ننعزل عن هذا الواقع الجديد؟ وكيف نتعاطى مع النظام العالمي الجديد المفروض علينا والمتجه رأسا نحو المزيد من العولمة؟ وهل أن العولمة هي توجه عالمي أم هي فرض للمثال الأميركي والغربي؟ وهل تعني العولمة التبعية الثقافية بكل ما فيها من سلبيات؟ وهل مازال للعصر الأميركي أفق أم أنه انتهى في ظل التطورات الحاصلة في عالم اليوم؟ أين تتموقع الصين بحضارتها الضاربة في عمق التاريخ في المعادلات الجديدة؟ هذه الأسئلة وغيرها أجاب عنها كتاب (آفاق العصر الأميركي)، وهي تشكل اليوم ضرورة لابد من طرحها وتناولها بالدرس في ظل الصراعات والاختلافات الجوهرية التي يتصف بها العالم في أيامنا، إذ لابد من البحث عن أجوبة لها، لا يجب أن تكون بالضرورة قاطعة، وإنما أكثر موضوعية لملء الفراغ البحثي في المكتبة العربية في مجال البحوث والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، كما يشير المؤلف، الذي يذهب إلى أن الهدف الأساسي من كل ذلك أيضا هو: “غرس قواعد تفكير بحثية ومنهجية تسهم في فهم أعمق لتفاعلات النظام العالمي الجديد، والمتغيرات المؤثرة فيه، لتجنيب دولنا ومجتمعاتنا دفع تكلفة باهظة لتجارب مضنية من خلال الفهم المغلوط للواقع الاستراتيجي العالمي”.

وهكذا يشير الدكتور جمال إلى أننا لم نعد نفكر بمنأى عن الآخرين وأن عالم القرية الصغيرة هذا يسير اليوم وفق تشكيل نفسه بشكل مختلف لا يمكننا فهمه إلا بدراسته الكلية، ودراسة أبعاده وآلياته في إطار شامل بعيدا عن التجزئة والتقسيم، لأننا ببساطة نخوض في المستقبل في نفس القطار، وعلينا أن نفك رموزه وفق رؤية علمية لكي نحسن التموقع فيه وخلاله.

قراءات متعددة

يضم المدخل الأطروحة المركزية للكتاب وإشكاليته الأساسية المتمثلة في أن الولايات المتحدة الأميركية تعد اليوم القطب الرئيسي المهيمن على النظام العالمي الجديد، وأن العالم لم يزل يستشرف آفاق العصر الأميركي الذي سيستمر نحو خمسة عقود كاملة على أقل تقدير، وانطلاقا مما ورد في الكتاب من معطيات وبيانات إحصاء ومعلومات دقيقة تحيل إلى نتائج مهمة جدا في سياق البحث، إذ تبرهن النتائج على عمق التفوق النوعي الأميركي، طبقاً لمتغيرات المقارنة والمعايير التي حددها المؤلف لذلك منذ البداية، والمتمثلة أساسا في مجالات الاقتصاد، والتطور العسكري، وموارد الطاقة، والنقل، والتعليم، والثقافة، والتقدم التقني.

وبحسب هذه المعايير، تم تحديد مواطن القوة في النظام العالمي الجديد بشكل هرمي، تعتلي قمته الولايات المتحدة الأميركية منفردة، ثم في المرتبة الثانية تأتي روسيا والصين والاتحاد الأوروبي، وتأتي اليابان والهند والبرازيل في المرتبة الثالثة، ثم باقي دول العالم.

ويمثل مدخل المؤلف الخطوط العريضة والرئيسية للبحث وهو بمثابة بنية معرفية أساسية لازمة لفصوله السبعة التي تناول فيها السويدي نشأة النظام العالمي الجديد، وواقعه ومستقبله بأبعاده ورؤاه المختلفة التي تثير الكثير من الإشكاليات والتساؤلات حول مدى وجود هذا النظام من الأساس، وإذا ما كان هذا النظام قائما بالفعل، فما هي عوامل ظهوره؟ ومن المسؤول عنه؟ ومن يقوده؟ وماهي القوى الفاعلة فيه؟ وعدد كبير من الأسئلة حول تأثير النظام العالمي الجديد في أمن واستقرار العالم وانعكاسات هذا النظام على المصالح الحيوية والاستراتيجية على وحداته الفرعية ومستقبل الدول ككيان فاعل في المجتمع في ظل هذا النظام، وهل هناك (مواطن عالمي)، وهل من مؤشرات توحي باقتراب مرحلة (المجتمع الدني العالمي)؟ ويطرح الكاتب العديد من الأسئلة الجوهرية الأخرى في نفس الإطار السابق، كما يحدد منذ البداية المبادئ والأسس لمفهوم النظام العالمي الجديد واختلاف الرؤى في فهم المصطلح وماهيته، مشيرا إلى قراءات للمفهوم من خلال رؤية الرئيس الروسي الأسبق ميخائيل غورباتشوف والذي يرى “أن تكون هناك علاقات دولية طبيعية وعادلة في ظل توازن المصالح وليس توازن القوى … وأن تتم معالجة القضايا العالمية التي تؤثر في مصير الحضارات والثقافات الإنسانية، وسرعة تطبيع العلاقات الدولية في المجالات الاقتصادية والإعلامية والثقافية والتعليمية والبيئية بالاستناد إلى التدويل الواسع بنظام مالي عالمي وإعلام وثقافة وتعليم دولي، وهذا ما يحيل إلى استبدال العولمة بالتدويل”. (انظر ميخائيل غورباتشوف، البيرسترويكا، تفكير جديد لبلادنا والعالم، ترجمة حمدي عبد الجواد، القاهرة، دار الشروق 1988 ص 162 و167).

ويرى الرئيس الأميركي الأسبق جورج هربرت بوش الأب أن ماهية النظام العالمي الجديد تكمن في الرؤية الشاملة للعالم من دون وجود حدود فاصلة بين دوله، لذلك فهو يرى أن “هذا النظام يعني التحرر من الإرهاب، والفاعلية في البحث عن العدل، ويكون أكثر حرصا على طلب السلام، كما تستطيع الأمم أن تنعم فيه بالرخاء والعيش في تناغم وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وتركز على التضامن الدولي في مواجهة العدوان، وتعم فيه مبادئ العدالة والتعايش الحر، ويعمل على حماية الضعيف مقابل القوي، أي أنه عالم تتحرر فيه الأمم من قيود الحرب الباردة، وتنتشر فيه الحرية واحترام حقوق الإنسان، وتعامل فيه الشعوب بطريقة عادلة”. (انظر (George H. W. Bush, operation desert storm lunched, address to the nations from the white house January 16 1991)، وكذلك (من خلال خطابه في الكونغرس الأميركي في 6 مارس 1991).

كما يعرض جوزيف صمويل ناي مفهوماً للمفهوم من خلال النظر إلى أن منتج النظام العالمي الجديد يجب أن يكون التوزيع المستقر للقوة بين القوى الكبرى، والنظر إلى العلاقات بين الشعوب وليس الحكومات فقط، وانتشار القيم، مثل الديموقراطية وحقوق الإنسان، وتطبيق القانون الدولي وتفعيل مؤسساته، مثل الأمم المتحدة . (Joseph S.Nye, jr, what new world order? foreign affaires spring 1992, p 90). وعرض الكاتب لرأي لورانس فريدمان، صمويل فيلبس هنتنجتون، فرنسيس فوكوياما، ومستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق ربجينيو كاجيميش بريجنسكي، والصحفي توماس فريدمان، وكل هذه المقاربات تؤكد تعدد قراءات المفهوم وتناولاته كل حسب وجهة نظره، ويردف الدكتور هذه الآراء الواردة في المدخل بمحددات وركائز النظام العالمي الجديد، مستنتجاً العديد من نقاط الالتقاء ونقاط الاختلاف، ويعرض بعد ذلك لبنية النظام العالمي الجديد الذي انطلق حسب الكاتب منذ سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر 1989 واختفاء الصراع الأيديولوجي بين الاشتراكية الشيوعية والرأسمالية الليبيرالية، وتفتت القدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية للقطب السوفييتي المنافس أنذاك للولايات المتحدة الأميركية، وهكذا استطاعت الولايات المتحدة الأميركية أن تفرض حضورها عالمياً بلا منافس قوي، ومن خلال ذلك هيمن اقتصاد السوق والنظام الرأسمالي كنسق واحد في العالم، وباتت الولايات المتحدة الأميركية تحكم العالم وتقوده رغم منافسة الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، ويرجح الكاتب أن “يتواصل ذلك لخمسة عقود أخرى ما لم تطرأ عوامل ومتغيرات مستحدثة من بينها إرادة الولايات المتحدة نفسها بعدم الانفراد أو عملها على بلورة نظام قيادي أقل صدامية مع القوى التي تسعى إلى تكريس تعددية قطبية، وفي مقدمتها الصين”. (ص 44).

المفاهيم والسمات

يتناول الفصل الأول الموسوم بـ “النظام العالمي الجديد: المفاهيم والسمات” الإطار النظري لمفهوم النظام العالمي الجديد بأبعاده المختلفة، من خلال قسمين: الأول، يتعلق بالمفاهيم المرتبطة بهذا النظام، والأدبيات التي تناولت ظهور النظام العالمي منذ معاهدة وستفاليا الموقعة عام 1648 إلى الآن، وما تثيره من جدل حول طبيعة هذا النظام وتوزيع هيكل القوة فيه، كما يتناول المحور الأول من هذا الفصل أيضاً، التعرف على دور الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والتقنية وموارد الطاقة، وما تمثله من أهمية في تحديد ترتيب القوى في النظام العالمي الجديد، وكيف نجحت الولايات المتحدة الأميركية، في توظيف هذه الأدوات مجتمعة في تشكيل النظام الذي تريده، وقيادته، وفق رؤية استراتيجية كونية تهدف إلى الحفاظ على التفوق الأميركي في مواجهة القوى الكبرى.

ويقدم تقييماً للأطر المختلفة التي تستخدم في تحليل مفهوم النظام العالمي الجديد.

أما المحور الثاني، فيعرض لأبرز سمات النظام العالمي الجديد التي تلعب دوراً مهماً في تفاعلاته، وتضع في الوقت ذاته خطوطاً فاصلة بينه وبين ما سبقه من مراحل تاريخية مر بها النظام العالمي الجديد (ص 178)، وقد اعتمد الكاتب على العديد من الجداول والبيانات الدالة التي استقى منها نتائج بحثه، مؤكدا أن السمات الفريدة التي تميز هذا النظام تلعب دورا مؤثرا في توجيه السياسات والعلاقات بين كافة الأطراف والقوى الفاعلة داخله.

تأصيل تاريخي للهيمنة

تناول الدكتور جمال سند السويدي في الفصل الثاني العوامل المؤثرة في بنية النظام العالمي الجديد المؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر في هيكليته، وأنماط التفاعل الدائرة داخله، وقام بتحليل هذه العوامل المختلفة وحدود تأثيرها في تشكيله في إطار التشابك والتعقيد الذي يميز العمل خلال العقدين الأخيرين ومن هذه العوامل: العلاقة بين الحضارات، وموقع القوة في العلاقات الدولية، والعوامل الاقتصادية، والتفوق العسكري، والتطور التقني، والتقدم المعرفي، والتحديات والمتغيرات الجديدة، وسلوك القوى الكبرى داخل النظام العالمي.

أما في الفصل الثالث المعنون بـ (النظام العالمي: منعطفات تاريخية فارقة)، فيركز على الربط بين مفهوم الدولة ونشأتها وظهور مفهوم السيادة بشكله التقليدي من جانب والمراحل التاريخية للنظام العالمي من جانب آخر، حيث يستشعر المؤلف أن هناك حاجة إلى فهم النظام العالمي وآليات عمله من منظور تاريخي بشكل أعمق، بحيث لا يبدو مفهوم النظام العالمي وكأنه اصطلاح علمي معزول عن الواقع في مختلف مراحل التاريخ القديم منه والحديث (ص341)، مؤكداً أنه هدف من خلال هذا الفصل إلى التأصيل التاريخي للهيمنة الأميركية على النظام العالمي الجديد، وسعى إلى وضع علامات استرشادية فارقة في مسيرة النظام التاريخية، إضافة إلى محاولة البحث في الجذور والمنطلقات لبناء صورة تشخيصية متكاملة تسهم في فهم التحولات التاريخية وصولاً إلى إدراك الواقع العالمي المعاصر، وهو ما يعد مدخلاً حيوياً لإدراك التطورات الحاصلة في آليات عمله وإدراك حجم الهيمنة الأميركية عليه مع تأكيد أن العالم يعيش العصر الأميركي بالفعل، وأن القوة الأميركية وهيمنتها ستظل رغم ما يردده البعض من تقلصها حينا أو بروز تحولات في هيكلية النظام العالمي الجديد وبروز منافسين استراتيجيين، والنتيجة أن هذه السيطرة ستتواصل على المديين القريب والمتوسط. (ص 343 – بتصرف).

الاقتصاد والتجارة والطاقة هي موضوع الفصل الرابع وفيه استقراء دور العوامل الاقتصادية في الاستدلال والبرهنة على هيكل النظام العالمي الجديد وترتيب القوى ضمنه، فرغم التصاعد الملحوظ للاقتصاد الصيني خلال العقدين الماضيين، فإنه لا يزال يمثِّل نحو نصف حجم الاقتصاد الأميركي، كما أنه لا يزال يصنف ضمن الدول النامية، إذا ما تم الأخذ بمعيار متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، في حين يستنتج السويدي أن الاقتصاد الأميركي يتميز بالمرونة وبدرجة عالية من الاعتماد على القوى الداخلية للنمو، وعلى الابتكار، مقابل اعتماد الصين على الاستثمار الأجنبي واستغلال ميزة رخص تكلفة الأيدي العاملة في صناعات موجهة للتصدير، وهي الأمور التي قد تجعل الصين أكثر عرضة للتأثر سلبياً بصدمات اقتصادية مستقبلية.

ويتوقع المؤلف أن تؤدي التطورات في قطاع الطاقة إلى تأثير كبير في ترتيب القوى في ظل النظام العالمي الجديد، حيث تتصاعد درجة اعتماد الولايات المتحدة الأميركية على الذات في إنتاج الطاقة بابتكاراتها في مجالي الغاز والنفط الصخريين، وأيضاً في تحولها التدريجي إلى الاعتماد على موارد الطاقة غير التقليدية من نصف الكرة الغربي (الأميركتين)، ما سيعطيها ميزة نسبية قوية مستقبلاً. (ص 409- بتصرف).

دراسة ميدانية في الإمارات

وفي الفصل الخامس من الكتاب “اتجاهات الجمهور حول النظام العالمي الجديد”، يقدم الدكتور جمال سند السويدي دراسة مسحية لعينة من السكان في دولة الإمارات العربية المتحدة من المواطنين والمقيمين، ومن خلاله يستقي نتائج وإحصائيات من آراء الجمهور واتجاهاته حول النظام العالمي الجديد، حيث تم التركيز في هذه الدراسة على متغيرات الجنسية، والعمر، والنوع، والمستوى التعليمي، كمتغيرات لتفسير التباين في آراء الجمهور ومواقفه تجاه النظام العالمي الجديد.

وأفضت النتائج إلى أن للأمم المتحدة دوراً إيجابياً كبيراً في الوقت الراهن ولابد من توسيع سلطاتها، ويرى نحو نصف الجمهور ضرورة إصلاح الهيئات الدولية من خلال توسيع مجلس الأمن الدولي وزيادة الدول التي تمتلك حق الفيتو، ويرى نحو ثلث الجمهور أن النظام العالمي الجديد أحادي القطبية وأن الولايات المتحدة ستتربع على عرش عالمي تشاركها فيه أقطاب أخرى، ولكن بدرجة أقل.

ويتعرض الكاتب في الفصل السادس إلى أن القطبية الأحادية الأميركية هي الحاكمة الفعلية للنظام العالمي الجديد وصاحبة التأثير فيه، وأن العالم سينقسم سياسياً إلى قسمين، الأول سيكون حليفاً أو تابعا للولايات المتحدة الأميركية، والثاني سيكون معاديا لها، ويضيف السويدي، ستواصل الولايات المتحدة الأميركية توجهها الخاص بدعم قيم الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان. (ص 514).

أما على المستوى الاقتصادي فستتعزز التكتلات الاقتصادية ومن المرجح أن تؤثر الولايات المتحدة على المؤسسات المالية الدولية، وستعمل خلال العقد المقبل على الحد من اعتمادها على النفط من المناطق التي تزداد فيها مخاطر عدم الاستقرار مثل الشرق الأوسط والخليج العربي، كما ستحافظ الولايات المتحدة الأميركية على تفوقها العسكري وسيزداد انتشار السلاح النووي وستتسع الحروب بالوكالة وحروب الجيل الرابع، وستسعى أميركا إلى تحقيق التوازن بين الهيمنة على النظام العالمي الجديد من ناحية ومنع استمرار هيمنتها العسكرية من ناحية ثانية. (ص 515).

الواقع العربي والرؤية المستقبلية

أما الفصل السابع والأخير (النظام العالمي الجديد: رؤية مستقبلية)، فيؤكد أن النظام العالمي الجديد يتسم بعدد من الملامح التي ستكون من أهم محددات ترتيب القوى في الحقبة التي سيسود فيها هذا النظام، منها أنه نظام عالمي تتزايد فيه درجة الاعتماد على التقنية والنظم غير التقليدية للإنتاج والتواصل، وذلك على حساب التراجع والاضمحلال للنظم التقليدية.

وهذا النظام تتزايد في ظله درجة الاعتماد على الهندسة الوراثية والاستنساخ وتقنيات مثل تقنية “النانو”، من أجل إيجاد حلول لمشكلات رئيسية، كتحقيق الأمن الغذائي، وسد فجوة موارد الطاقة، وتحقيق التقدم في مجالات الطب وتطوير القدرات البشرية، وهو أيضاً نظام عالمي تتزايد فيه الضغوط على النظام الرأسمالي، من أجل تطويره وتمكينه من الاستمرارية والبقاء. (ص 572).

وفي خاتمة الكتاب يؤكد المؤلف أن المنطقة العربية تضم كثيراً من الملفات الاستراتيجية ذات الصلة الوثيقة بـ “آفاق العصر الأمريكي”، حيث الأزمة السورية والأحداث في بعض الدول العربية التي شهدت في السنوات الأخيرة تغييرات سياسية أطاحت بأنظمة سياسية مثلما حصل في مصر وليبيا واليمن وتونس.

ويرى السويدي أن كثيراً من الدول العربية، وفي ضوء ما تعانيه من واقع تنموي صعب في المجالات كافة، لن تكون في وضع أفضل خلال المدى المنظور، ولاسيما في ظل تفاقم الأزمات الداخلية في دول عربية رئيسية (مصر وسوريا والعراق) والتمدد الاستراتيجي لقوى إقليمية غير عربية لملء الفراغ الناجم عن تراجع الدور الإقليمي للقوى العربية التقليدية، فضلاً عن تدعيم مكانة إسرائيل، التي باتت في أفضل وضع استراتيجي منذ نشأتها، من حيث غياب أي مصدر تهديد حقيقي لها من الدول العربية، وانشغال الدول المجاورة، إما بمعالجة أزماتها الداخلية وإما باحتواء مصادر الخطر والتهديد الخارجي، وتركز الخاتمة أيضاً، على أن الاقتصاد سيكون المحرك الفعلي لآليات التغير ضمن مراتب القوى، سواء على قمة النظام العالمي الجديد، أو على مستوى القوى المتوسطة والصغيرة.

رابط المقال

Share