جمال سند السويدي: لا أدعو للتغريب.. وكتابي المقبل «السـراب» يتصدَّى لإشكاليَّات عدّة

  • 5 مايو 2014

حقائق كثيرة يطرحها مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي في هذا الحوار، مٌتسلحاً بالمعرفة، ومُتجملاً بها، وكعادته دائماً لا يضع حداً فاصلاً لما يمكن طرحه من أسئلة، إذ ليس هناك من مانع ولا رقيب على الصحفي في تمثيل القارئ إلا ضميره أو ما فرضه هو على نفسه، انطلاقاً من تجاربه ومخاوفه وهواجسه، وحساباته الخاصة أيضاً.

ولست هنا، وبعد عدة حوارات أجريتها مع الدكتور السويدي بدأت منذ عام 2002، من أجل توصيف للرجل ـ الباحث والمفكر والمؤسس ـ فذاك أمر سابق لحواري هذا وباق بعده، ولكن لتوضيح مسألة أراها على غاية من الأهمية، وهي: أن الحديث مع السويدي فيه متعة معرفية خاصة، إن بنيت من البداية على الصراحة والوضوح، ومن هنا جاءت أسئلتي التي تنطلق هذه المرة من مرجعية متمثلة في كتابيه، اللذين تم عرضهما في الحلقة الأولى من هذا العمل.

غير أن أسئلة الحوار لا تتوقف عند حدود ما كتبه، إنما تذهب بعيداً في ما يطرحه من رؤى سياسية وابستيمولوجية، في الغالب هي مثار نقاش أو رفض من نخب تناصبه العداء الفكري مبكراً بحجة أو من دونها، ومن هنا طرح الحوار مسألة اتهامه بالأمركة والتغريب، ليدحضها بأدلة قاطعة.

في هذا الحوار يحلل السويدي ــ متابعاً ــ جملة من القضايا والإشكاليات المتعلقة بمستقبل الإمارات والدول العربية والعالم، من ذلك اتجاهات التغيير العالمي الدولي، ومفهوم سيادة الدولة، ورفض الصبغة الدينية للتغيير، وتلاقح الأفكار عبر الاستفادة من التركيبة السكانية في جميع الدول العربية، ومستقبل اللغة العربية، وظلمات العصر العربي، كما يكشف عن فكرة أولية من أفكار كثيرة سيطرحها في كتابه المقبل، الذي سيحمل اسم «السراب». وإذا كنتُ أولي اهتماماً خاصاً هنا لكتابات السويدي، فإن ذلك لا يعني غياب المؤسسة ـ وأقصد هنا مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ـ التي قدمها عن نفسه على اعتبار أنها الأهم والأبقى، وقد أرجع نجاحها إلى أمرين، أولهما: الدعم المطلق من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والثاني: إلى العاملين في المركز، وتلك رؤية محمودة ومقدرة، تكشف عن أهمية القيادة ووعيها بدورها ومسؤوليتها التاريخية في بناء مجتمع يقوم على المعرفة، وأيضاً أهمية تحقيق الأهداف البنائية والوظيفية للمركز من خلال عمليتي الدعم والابتكار، كما أشار إلى ذلك الدكتور جمال سند السويدي.. وفيما يلي نص الحوار.

◆◆ بداية، بعد تجربتكم البحثية الطويلة وإنشائكم وقيادتكم لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، واحتفالكم بالذكرى العشرين لتأسيسه، هل أنتم راضون عما قدمتموه، وكيف يمكن تصنيف علاقتكم بالمركز، وما حدود الفصل بين الدكتور جمال كمفكر وبين المركز كمؤسسة بحثية؟

◆ سؤال جد صعب، لأن الخلط بين المؤسسة والشخص خطأ، بالرغم من أنه أمر قائم، ذلك لأن المؤسسة ستبقى بعد الشخص، ونحن بعد 20 عاماً من العمل المؤسسي، نشعر بالارتياح لما تحقق طيلة السنوات التي مضت من عمر المركز، ولكن نشعر كذلك بأن علينا بذل المزيد من العمل المثمر والجاد من خلال الأبحاث والدراسات والإصدارات، كي نحتفظ بمكتسبات ما تحقق من مكانة وسمعة عالمية للمركز، فضلاً عن السعي نحو الارتقاء بهذه المكانة ومواكبة طموحات قيادتنا الرشيدة في مجال البحث العلمي، أما الحصيلة الأولية للعشرين عاماً الماضية، فهي ألف إصدار تقريباً، وأكثر من 260 إصداراً في الطريق، و800 حدث علمي، إلى جانب مكتبة اتحاد الإمارات، التي تحتوي على مليون كتاب، وهذه إنجازات نفتخر بها.

◆◆ هل يفهم من كلامكم هذا، أنكم قدمتم المؤسساتي على الفردي؟

◆ طبعاً، لأنه من الخطأ تقديم الفرد على المؤسسة، فالإنجاز الذي أشرت إليه لم يكن ليتحقق لولا وجود منظومة أداء مؤسسية تعمل وفق خطط وبرامج عمل وأهداف مدروسة، بحيث يؤدي كل فرد دوره بدقة.

◆◆ما الذي ينسب إذن للدكتور جمال السويدي، الباحث والكاتب، من خلال عمله في المركز؟

◆ لا ينسب لــ«جمال السويدي» الباحث والكاتب من خلال المركز شيئاً، والعمل الناجح الذي ترونه اليوم يعود في الأساس إلى عاملين رئيسيين يعتبران ركيزة النجاح في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وهما: الدعم والابتكار، أما بالنسبة إلى الدعم فقد قدمه بسخاء، ولا يزال، سيدي الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أما الابتكار فيمثل أحد قيم العمل المؤسسية في المركز، وينعكس بجلاء في أداء الزملاء العاملين.

◆◆ دكتور، أنتم خلال سنة واحدة أصدرتم كتابين، الأول عن وسائل الاتصال الاجتماعي بحجم متوسط (157 صفحة) والثاني حول آفاق العصر الأميركي بحجم كبير (858 صفحة).. هل تهدفون من وراء ذلك، الخروج من ضيق الإدارة إلى رحابة الفكر؟

◆ الإصدار الأول في 2013 والثاني في العام الجاري 2014، الأول عن وسائل التواصل الاجتماعي، وهو في غاية الأهمية، كونه يتعلق بدراسة ظاهرة اجتماعية ـ إعلامية متنامية تؤثر بشكل قوي في عالمنا العربي ومستقبله، والثاني يتناول قضية عالمية، وهي آفاق النظام العالمي الجديد، وحدود التنافس والصراع بين القوى التي تتصدر المشهد الاستراتيجي عالمياً اليوم، وهي الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي واليابان والهند والبرازيل، وأحد أهداف هذا الكتاب هو رصد التحولات العالمية وتأثيرها كي يسهل على الإنسان العربي إدراك ما يدور حوله أولاً، ثم يحلل الواقع.. عليه أن يفهم ما هو النظام العالمي الجديد حتى لا يتم تهميشه في معادلات المصالح الاستراتيجية الدائرة.. وهناك إصدار ثالث بصراحة أعمل عليه، لينشر في 2015، عنوانه «السراب»، أما ما هو هذا السراب؟.. فهذه مفاجأة!

◆◆ ألا تقومون بنوع من المخاطرة، خاصة في كتابكم الأخير «آفاق العصر الأميركي»، وأنتم تتوجهون بهذا الكتاب القيِّم على مستوى الفكر والرؤية، وبحجمه الكبير إلى جمهور لا يقرأ؟

◆ مبدئياً، إذا وضعت في اعتبارك أن الكتاب العربي لا يوزع ولا يباع فإنك لن تنشر، لأن الإحصائيات محبطة، لذلك فالنشر بالعربي والإنجليزي في غاية الأهمية، فالعربي تستهدف به جمهورك العربي، والإنجليزي تستهدف به الجمهور العالمي، لكن المهم أن تصدر وتنشر بغض النظر عن البيع والتوزيع، أما الأمر الآخر فإن من الضروري عدم الاستسلام لفكرة ما، إذ أن دور الفكر والبحث هو رصد المتغيرات وتحليلها ومحاولة تغيير الواقع بغض النظر عن النتائج، لأنه ببساطة لولا أن هذا الواقع يعاني إشكاليات لما تحركت النظرة النقدية للباحث والمفكر كي يسعى إلى التغيير!

◆◆ يفهم من كلامكم أنه على الكاتب أو المفكر أو الباحث أن يكتب ولا ينتظر أن يُقرأ أو لا يُقرأ.. مهمته أن يكتب فقط؟

◆ إذا كان يهمك التوزيع والربح عليك ترك عملية التأليف والكتابة، فالإحصائيات في العالم ككل، وليس في الوطن العربي فقط، تشير إلى أن من يقرؤون يشكلون نسبة 10% من عدد سكان العالم، من تلك النسبة 20% في العالم الغربي، لكن المتوسط عالمياً 10%، إذن لا تنتظر أن يقرأ لك 80 أو 90%، وللعلم حتى تلك النسبة الصغيرة (10%) فيها ربح، وأحسن كتاب عربي يوزع ما بين 4 و5 آلاف نسخة، وهذا فرق رهيب، وثمّة أمر آخر يتعلق بأن تغيير الواقع وتشكيل الاتجاهات والقناعات لا يتحقق عبر تحولات كلية في مختلف شرائح المجتمع، بل إن هناك شريحة قائدة للرأي من النخب تلعب دائماً الدور الأساسي في إدراك الواقع وفهمه.

◆◆ يتساءل بعض المراقبين عن سر الحملة الإعلامية والإعلانية الواسعة التي أقمتموها لكتابكم «وسائل التواصل الاجتماعي ودوره في التحولات» من القبيلة إلى الفيسبوك؟

◆ الدعاية والتسويق عناصر مهمة في عصرنا الحالي، هذه مسألة لاخلاف عليها سواء للكُتب أو لأي أمر آخر، فالجمهور بحاجة إلى إعلام بما يحدث كي ينتبه إليه في ظل طوفان الانشغالات سواء بالكم الهائل من الأحداث اليومية أو الانشغالات اليومية، وهذه الدعاية لا تعني بالضرورة الربح المادي، فمبيعات الكتب لا تحقق أرباحاً في الدول العربية، هذه معلومة أكيدة، ولكن الهدف الأساسي للدعاية هو تسليط الضوء على موضوع الكتاب، الذي أعتقد أنه لم يكن قد أخذ ما يستحق من اهتمام يفترض أن يتماشى مع تأثيرات هذا الموضوع في مختلف مجالات الحياة.

الإعلام.. والرمزية

◆◆ دكتور، حضوركم المميز والدائم في وسائل الإعلام المختلفة هل هو ضرورة، خاصة حين يتعلق الأمر بأحداث وطنية مختلفة؟

◆ إجابة هذا السؤال تحدد من خلال نقطتين رئيسيتين، الأولى: حضورنا الإعلامي بالنسبة للأحداث الوطنية يأتي من كون المتحدثين فيها قلة، وأيضاً من رمزية بعض المناسبات والأحداث، التي لا يعرفها الناس في أحيان كثيرة، مثلما هي الحال بالنسبة لـ«قصر الحصن»، ما يعني أنه من الضروري التحدث عن مثل هذه الأحداث.

النقطة الثانية: تتعلق بنشاطات المركز، فهذه علينا التعريف بها إعلامياً، والتصريح بأهم ما جاء فيها، ومنها محاضرات شخصيات مهمة عالمية وعربية، فمثلاً حاضر خافيير سولانا الأمين العام السابق لمجلس الاتحاد الأوروبي، والممثل الأعلى للسياسات الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي سابقاً، والأمين العام السابق لحلف الناتو، في 19 فبراير الماضي، وقبله حاضر رئيس فنلندا السابق «مارتي اهتيساري»، في التاسع من فبراير المنصرم، الذي طرح رؤية استراتيجية مهمة حول توجهات الاتحاد الأوروبي حيال ملفات مهمة منها أوكرانيا، ولم أفهم ما المقصود وقتها من هذا الطرح، حتى وقعت الأحداث الأخيرة، وهذه إحدى فوائد النقاش والتواصل على هذا المستوى العالمي، وبشكل عام فإن التصريحات التي ندلي بها هدفها التوضيح فقط، أما الظهور في الإعلام والتصريح في القضايا الأخرى، فعليك أن تسأل عنه وسائل الإعلام التي ندلي لها بالتصريحات.

◆◆ ما مستقبل العصبيات الافتراضية؟ وهل يمكن لقبائل «فيسبوك»، في نظركم أن تتحول لقوة عسكرية؟

◆ بشكل عام القوة العسكرية تقلص دورها إلى حد كبير، المستقبل هو لأدوات وآليات أخرى، منها على سبيل المثال: الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، والتفاعل مع الناس.. أنا في سني عاصرت التلفزيون أبيض وأسود، وحينما ظهر التلفزيون الملون كان ثورة، والآن أرى الهاتف الذكي ثورة، وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي، التي يستخدمها أغلبية الناس، وفيها ميزة أنه قبل كانت النخبة فقط تستولي على الصحافة والراديو والتلفزيون، أما الآن فإن أيّ فرد هو الإعلامي.. لقد حدثت اختلافات ثقافية جذرية بين الوضع السابق والحالي، وعلى الإنسان العربي التفاعل معها، لأن التغيير جذري ولا مفر منه، وإن سألتني فيما يجري التغيير؟، أجيبك بأنه ثقافي وسياسي واقتصادي واجتماعي، وفي كل المجالات الأخرى.

◆◆ ولكنكم أشرتم في كتابكم إلى أنها سببَّت عدة مشكلات أيضاً؟

◆ من بين المشكلات، التي على وسائل التواصل الاجتماعي التغلب عليها، هي مسألة الشائعات، ولا أدري كيف؟، لكن لابد من معايير لتكريس مصداقية الخبر، وأنت تعرف أن وسائل الإعلام في كل العالم مسيطر عليها من قبل الدول، فمثلا «سي. إن. إن» تتبنّى الدفاع عن السياسات الأميركية، و« بي. بي. سي» تتبنّى سياسات بريطانيا، وجريدة «لوموند» تتبنّى الدفاع عن السياسات الفرنسية، وفي كل مكان لا توجد صحافة حرة ولا تلفزيون حر، لكن الآن وسائل التواصل الاجتماعي تكفل حرية تداول الأخبار والمعلومات إلى حد كبير، وبالمقابل هناك قضية أخرى، هي: أن الدول العربية تفكر دائماً كيف تراقبها، وهذا محال تقريباً، لأن عدد جمهور «فيسبوك» قد تجاوز المليار مستخدم في العالم، ويتوقع زيادة هذا الرقم بشكل متسارع، ما يجعل فكرة الرقابة عبثيّة إلى حدّ كبير.

السيادة.. والتغيير

◆◆ كيف تتصورون، والحال هكذا، علاقة المواطن بالسلطة وبالدولة مستقبلاً في الخليج خاصة والعالم العربي عامة؟

◆ أعتقد أن الدولة كمفهوم سيادي مطلق بات وضعها سيئ في الحاضر، ولا أعلم ماذا سيكون مصيرها بعد سنوات في ظل التحولات المتسارعة في النظام العالمي الجديد.

◆◆(مقاطعة) السلطة أم الدولة، أم الاثنين معاً؟

◆ أقصد الدولة، وتحديداً سيادة الدولة، فكل دولة تقول: هذه حدود السيادة الوطنية، لكن الآن منظمات المجتمع المدني والفاعلين الجدد عالمياً يسيطرون على الكثير من الملفات والأمور التي كانت حتى وقت قريب في صميم سلطة الدول في العالم ستسيطر على الكثير من الدول، وما يحدث في أوكرانيا هذه الأيام ويحدث أيضاً في فنزويلا وتايلاند، هو نفسه الذي حدث في مصر وتونس وسوريا واليمن.. هناك ظاهرة عالمية تحدث، ونحن لا نتكلم هنا عن الإمارات ودول الخليج، وإنما نتحدث عن العالم كله، الذي يشهد تحولات شاملة.

◆◆ ما وضع دول الخليج العربي في هذا التغيير؟

◆ أمام دول الخليج خيار حتمي هو التكيف مع الوضع الحالي، وأقصد مواكبة ما يشهده النظام العالمي الجديد من تحولات، فليس هناك دول بمنأى عما يحدث من ظواهر عالمية، إذ لا مفر من التأثر بها.

◆◆ بما أن وسائل التواصل تهيء للتغيير.. فهل الشارع في دول الخليج مرشح للتحرك على غرار ما يحدث في البحرين؟، وهل منطقة الخليج العربي بمنأى عن التهديدات؟

◆ ما يحدث في مملكة البحرين مسألة طائفية، وأمنية، وهي موجودة منذ زمن.. أنا هنا أتحدث عن ضرورة التغيير الاقتصادي، والتغيير في عالم التربية ومنظومة القيم، هنا يطرح على سبيل المثال السؤال التالي: كيف تربي أطفالك اليوم؟

قبل 30 عاماً كانت الأمور مختلفة جداً، واليوم لا تقدر التحكم في أطفالك، وعليك تخيل الأطفال في المدارس، وفي البيت، وفي الجامعة، ثم في ميادين العمل خلال السنوات القلائل المقبلة.. لقد اختلف الوضع، ليس بمقدورك التحكم فيهم، هذا ما أقصده بالتغيير، فما تغير مع الصغار سيصبح له نتائج سياسية واقتصادية وثقافية، ونحو ذلك.

لقد تغير البعد الثقافي أيضاً، فمثلاً قبل 30 أو 40 عاماً كان هناك الشاعر المفضل، والمغني المفضل، والممثلة المفضلة، والكاتب المفضل.. اليوم، توزعت النجومية، وهذا ينطبق على الدولة، وعلى أشياء كثيرة مثل الكتاب.. كل شيء خفت، لكن لم ينته، لكني متأكد أن المستقبل فيه أمور جديدة ستحدث، أما عن كنهها، فلا أدري!

رفض الصبغة الدينية

◆◆ ما العمل إذن مع وجود دعم خارجي لقوى التغيير كما حدث في مصر؟، وكيف سيكون حال العرب؟ وما موقعنا الإيماني؟، وهل عندنا دين واحد أم مجموعة أديان تطرحها جماعات سياسية؟

ــ الدعم الخارجي له أهدافه والقوى العالمية لها مصالحها التي تبحث عنها من خلال التدخل في شؤون الآخرين، وهذه إحدى بديهيات العلاقات الدولية، والمخرج من ذلك لا يأتي عبر العزلة والتقوقع على الذات أو رفع شعارات المجابهة والممانعة وغير ذلك، بل بتحصين الدول وتعزيز مناعتها عبر دعم خطط التنمية والتواصل المتبادل بين القيادات وشعوبها، وهنا في دولة الإمارات أحد تطبيقات هذا النموذج الرشيد في الحكم، إذ أن صمّ الآذان عن صوت الشعوب هو بداية النهاية لأي نظام حكم، أما مسألة الدين فلا ينبغي أن تنصاع وراء تخرصات جماعات الإسلام السياسي التي تحاول التشكيك في إسلامنا وعلاقتنا بالله عزل وجل، فالإسلام واحد وسيبقى حتى يشاء الله، وله مصادر محددة للدعوة والفقه والاجتهاد، وما تطرحه هذه الجماعات لا يعني وجود إسلام مغاير لما نعرفه جميعاً بل هناك انحرافات في التفسير واستغلال للدين وتوظيفه لمصلحة هذه الجماعات الانتهازية، وشعوبنا ترفض هذه الطروحات وتلفظها، فالشعوب ذكية يمكن خداعها لوهلة ولكنها سرعان ما تكتشف الحقيقة، وتنبذ أي محاولة للمزج بين الدين والسياسة.

◆◆ هل تقصدون أن أي صبغة دينية من أي دين كان سيتم رفضها؟

◆ أجل من أيّ دين كان، فأنا لا أقصد دين الإسلام فقط، وإنما أيّ ثقافة لها صبغة دينية ستنتهي، طبعاً المسيحيون يريدون وضع صبغة مسيحية، وهم أكثرية، حوالي المليارين في العالم تقريباً.. هم يحاولون هذا ولكنهم لن ينجحوا، والقائل: إن الصراع ديني خاطئ في طرحه.

◆◆ هناك من يرى عكس ما تذهبون إليه، لجهة القول: إن القرن الذي نعيشه، تحديداً، هو زمن صراع الأصوليات والأديان.. فما رأيكم؟

◆ الصراع الحالي في العالم اقتصادي بالدرجة الأولى، أعطيك مثالاً هنا، الحركات الدينية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر في أوروبا كانت تفصل الدين عن السياسة، والحركات الدينية في العالم العربي الإسلامي اليوم تستخدم الدين لمصالح شخصية وحزبية، وهذا أسوأ من العلمانية، أما استخدام الدين في السياسة لخدمة مصالح شخصية، فهذا أمر جد خطير.

تويتر.. والزعماء العرب

◆◆كيف تقرؤون شعبية زعماء وقادة عرب عبر عدد متابيعهم على «تويتر»؟

◆ هذا يختلف من زعيم سياسي لآخر، ومن دولة لأخرى، فمثلا إذا حصل قائد سياسي في دولة ما على نصف مليون متابع فهذا رقم قياسي هائل بالنسبة لتعداد سكان الدولة، في حين أن هذا الرقم قد يجعله شخصية محدودة الانتشار في دولة ذات كثافة سكانية كبيرة.. وهكذا، وعموماً من الصعب في ظل الواقع المعرفي والتقني للعالم العربي استخلاص مؤشرات شعبية للقادة السياسيين من خلال وسائل التواصل الاجتماعي مثل «تويتر» وغيره، فعلى سبيل المثال هناك شعبية واضحة لفئات بعينها على هذه الوسائل مثل الفنانين ورجال الدين والرياضيين وغيرهم، وهذه مؤشرات ترتبط أساساً، من وجهة نظري، بانتشار التقنية ومعدلات التنمية السائدة في الدول وغير ذلك.

◆◆ مرة ثانية.. هل أنتم مع وجود حسابات لزعماء وقادة عرب على «تويتر» أم ضد ذلك؟

◆ اعتقد أن هذه من سمات التفاعل مع العصر، وهي مسألة مهمة بالنسبة للقادة السياسيين للتواصل مع شريحة الشباب الذين يمثلون نسبة عالية من المجتمعات العربية، ولكن تبقى مسألة مهمة وهي أن بعض هؤلاء القادة يفضل بيئات العمل الرسمية، وهي بالأخير مسألة حرية شخصيّة.

◆◆لكن حرية المفكر أو الكاتب، غير حرية القائد السياسي؟

◆ رأيي الشخصي أن «تويتر» محرقة ثقافية، ومن هنا قد يتفادها البعض سواء كان سياسياً أو إعلامياً أو باحثاً، وهي بالأخير ــ كما ذكرت لك ـ مسألة حرية شخصية لأيّ كان.

◆◆ إذا افترضنا أن جمال السويدي «كائن إنترنتي»، فإننا نسأله: ماذا سيحدث غداً في الإمارات والوطن العربي؟

ــ العالم العربي يجب أن يتكيف مع التغيرات العالمية في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والعلمية، أي لا مفر من التغيير، فخلال السنوات المقبلة العالم كله سيتغير، والمسألة لا تتعلق بالإمارات أو غيرها فنحن بصدد تحولات عالمية يتوقع أن تترك بصماتها في كل الدول من دون استثناء.

◆◆ العالم يتغير من خلال الانتفاضات والثورات، لكن نحو الأسوأ كما يقال.. فما العمل؟

ــ ما الأسوأ؟، وما تعريفه؟، نعم هناك ما هو أسوأ، إذا كانت لقمة العيش ستنتهي والبيت سينتهي والصحة والتعليم سينتهيان فلا نريد هذا التغيير، ما فائدة أن تعطي صوتك لشخص ليصبح نائباً في البرلمان، وهذا الشخص لا يوفر لك المعيشة والتعليم والصحة؟

عصر الظلمات.. والعربية

◆◆ ما رأيكم في التغيير الذي تقوم به الآن قوى دينية متصارعة داخل الأوطان العربية، ولا تملك تجربة ديموقراطية سابقة؟

ــ التغيير القائم على الحركات الدينية السياسية سينتهي، لأن الناس لن ترضى به، فمثلا من يملك شرعية الفتوى، ومن بينه وبين الخالق سبحانه وتعالى جسور.. أفعال الحركات الدينية تعيدنا إلى عصور الظلمات الأوروبية، فالكنيسة كانت تفعل ما تفعله الحركات الدينية السياسية الخبيثة اليوم.. ناقص أن يقول هؤلاء اليوم أن عندهم صكوك الغفران، إذن مجلس العلماء خطأ، والمساجد خطأ، والفتاوى من الحكومات خطأ، هنا نسأل: ما الصواب إذن؟ّ.. الصواب هو أن أقيم الخلافة العثمانية!

من ناحية أخرى فإن الذين دعونا قائلين: إن الدين هو الحل، نسألهم: أين الحل؟!.. أين برنامجكم السياسي ما دمتم تريدون الحكم؟.. نحن نعيش اليوم في القرن الخامس عشر الهجري، كأننا في عصور الظلمات الأوروبية، التي كانت في القرن الخامس عشر الميلادي.

◆◆ هل ستشهد نهاية القرن الحالي انتهاء الكتابة باللغة العربية؟

◆ لا بالطبع، وعلى العرب جميعهم الكتابة باللغة العربية، لأن الإنجليزية والفرنسية والإسبانية الكل يعرفها اليوم، والألمانية قابلة للانتشار، لكن العربية بالنسبة لنا هي الهوية.. لقد صمدت آلاف السنين، فكيف لا تصمد اليوم؟!

◆◆ لكنكم في كتابكم عن قبائل الفيسبوك، ذكرتم أن العربية في خطر بسبب وسائل التواصل الاجتماعي؟

◆ طبعاً أنا توقعت لغة جديدة، لا هي عربية ولا إنجليزية، ولا إسبانية، لغة التواصل الاجتماعي لغة خاصة.. المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي، أن التفاعل يتم بالإنجليزية، أو الحرف الإنجليزي غالباً.

◆◆ كيف للعربية أن تصمد، ونحن نشهد تراجعاً في اتخاذ أيّ قرار يخص اللغة العربية في معظم الدول العربية؟

◆ اللغة العربية لابد أن تقوى عبر نشاط المؤسسات البحثية، وفي هذا الإطار سيقيم مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ملتقى للحفاظ على اللغة العربية، تحت عنوان «مؤتمر القلم العربي الأول»، الذي سيكون برعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وبقيادة معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع وسمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، خلال الفترة من 16 ـ 19 نوفمبر المقبل، وجميع المتحدثين في هذا المؤتمر سيقدمون مشاركاتهم وأبحاثهم بالعربية فقط.

قوة أميركا.. والحلفاء

◆◆ هناك من يرى أنكم في كتابكم الأخير «آفاق العصر الأميركي»، طرحتم جملة من الحقائق والمعطيات والأرقام تشي بأن العصر الأميركي، سيدوم لخمسة عقود لاحقة، وهو ما يخدم قناعات البعض من أن السويدي يدعم رؤية النخبة الأميركية في المنطقة.. فما تعليقكم؟

◆ من يقول إن كتابي «آفاق العصر الأميركي» يؤدي أو يروّج للتغريب والأمركة مخطئ.. لقد وضعنا جداول واضحة بالأرقام، فمثلاً في الولايات المتحدة الأميركية هناك 5400 مطار مجهز و13 ألف مطار غير مجهز، هذا كم رهيب، نحن دول نفطية، وتعيش في أوجها، كلها ليس لديها 100 مطار.. إذن من يقول: إن كتابي أمركة و«سي. أي إيه»، أو تغريب، عليه أن يراجع مقدمة الكتاب، التي تتكلم عبر أرقام وجداول خاصة بالنقل والاقتصاد والتعليم والابتكار والعسكرية والنفط والطاقة.

مثال آخر نذكره هنا، الدخل السنوي لدول الخليج مجتمعة تريليون وسبعمائة مليار دولار، وعدد سكانها أقل من 30 مليون نسمة، في حين أن الميزانية الأميركية السنوية تزيد على 3 تريليونات دولار، وهذا فرق كما تلاحظون.

◆◆ هل أنتم تبشرون بعصر أميركي جديد، ما دمتم تعتقدون أن مقومات القوة الشاملة تؤهل أميركا لمواصلة إحكام قبضتها على مفاصل النظام العالمي الجديد؟

◆ يعتمد ذلك على من سينافسها، فإذا استطاعت الصين كسب صداقة دول، مثل اليابان ودول الاتحاد الأوروبي ستنتصر، لكن نرى أن الصراع بينها وبين اليابان على أشده.. أعتقد أن الصين بمقدراتها الذاتية لن تنجح، حتى لو مالت كل دول الخليج معها، ستهزم في النهاية لا محالة، لأن قوة الأميركان ليست ذاتية، قوتهم في حلفائهم: دول الاتحاد الأوروبي واليابان والفلبين وماليزيا وكوريا الجنوبية.

◆◆ قلتم إن الجدل البحثي لم يعد مقتصراً على حدود سيادة الدولة، بل بات يشمل وجود هذه السيادة من عدمه، ما موقع الإمارات من هذا الجدل؟

◆ المسألة تتجاوز الإمارات أو السعودية أو الكويت أو قطر، مسألة السيادة مسألة عالمية، فمثلاً الدول الموقعة على محكمة الجنايات الدولية، تتحمّل مسؤولية في المستقبل، مع أنها قد تكون وقَّعت عن حسن نية، ذلك لأن المقصود من محكمة الجنايات الدولية محاكمة الناس عن جرائم ضد الإنسانية، ومن يحدد هذا الأمر؟، القوى الغربية طبعاً، التي تطرح مسألة حقوق الإنسان، وكل شخص يلبس «عمة» حقوق الإنسان، لكن ما معنى حقوق الإنسان، التي لايزال الغرب يرى فيها العرب عبارة عن نفط ونساء.. العرب ليسوا كذلك..العرب بشر، وأعتقد أن تلك الصورة ستتغير.

◆◆ ما دامت سيادة الدول الصغرى مرهونة أيضاً بمواقف القوى الكبرى.. فهل ما حدث في أوكرانيا نوع من المقايضة على سوريا بين الغرب وروسيا؟

◆ إذا أخذت أوروبا أوكرانيا فهذه نهاية روسيا، وفي سوريا المسألة إنسانية بالدرجة الأولى، حيث هناك صراع مستمر بين المعارضة والنظام استنزف كل الشعب السوري.

العرب.. والتركيبة السكانية

◆◆ هل موقع العرب كما ذكرتم في كتابكم، على قول توماس فريدمان، هو الشارع المظلم في مدينة العالم؟

◆ هذا رأي الصحفي «توماس فريدمان» الكاتب في صحيفة «نيويورك تايمز»، وقد وضعته في كتابي، لاعتقادي بأنه رأي قريب من الصواب، اقتصادياً للدول العربية وزن، لكن ليس كبيراً.

◆◆ أشرتم أن من عوامل التفوق الأميركي، التركيبة السكانية والانفتاح على الهجرة .. فلماذا لا تستفيد الإمارات من الوافدين الأجانب وتحديداً العرب، بالمعنى الدائم وليس الوظيفي فقط؟

◆ لي وجهة نظر خاصة بالنسبة للتركيبة السكانية، حيث أعتقد أن على الدول العربية عامة الاستفادة من التجارب العالمية بالنسبة للتركيبة السكانية، يعني كل دول العالم لها طريقة للتجنيس إلا الدول العربية، هذه محرمات، أعتقد أنه حان الوقت لإعادة النظر في قضية التركيبة السكانية عربياً ككل، حيث إنه لا يمكن للمجتمعات العربية في تخلفها هذا أن تنمو إلا بتواصلها حضارياً وانفتاحها ثقافياً على مختلف دول العالم بما في ذلك اختلاطها سكانياً مع بقية أجناس العالم، على أن يوضع نظام لذلك وطبقاً لشروط محددة، كأن يتم تجنيس الكفاءات مثلاً، أي من يملك شهادة جامعية فما فوق، أو تجنيس المواليد، ولتضع الدول معايير كما تريد.

◆◆ هل هناك مخاوف من تواجد الجنسيات العربية في الإمارات؟، ولماذا يتم التركيز في التوطين على الوظائف، التي يشغلها العرب فقط؟

◆ هذا الموضوع سياسة دولة، وأنا لا معرفة لي بهذا الشأن، والمعروف أن الجالية الكبيرة، التي تشكل خللاً في التركيبة السكانية في الإمارات والخليج هي الجالية الهندية، فهل نحن نريد في النهاية جالية هندية مثلاً؟، نذهب إلى مساجد أبوظبي، تتوقع مثلاً أن نجد 50% إماراتيين طبعاً، لكن تجدهم لا يتجاوزون 5%، وهذه الظاهرة تتكرر في العين والمنطقة الغربية ودبي والفجيرة، لذا علينا دراستها. أعتقد أن خلل التركيبة السكانية يشمل السعودية والبحرين وعُمان، لكن الأكبر في الإمارات وقطر والكويت، وهناك مسألة اقتصادية، فأنت تشيد العقارات، في كل دول الخليج، عقارات وتعمير، إذا قلَّت نسبة الوافدين ستفرغ هذه البنايات، فالمسألة لها بعد اقتصادي كذلك.

«السراب».. مقبلُ

◆◆ ذكرتم أن كتابكم المقبل هو «السراب».. فهل هو سراب الفرد أم سراب جماعات ودولة؟

◆ كتابي المقبل «السراب»، يؤسس لجانب معرفي وتاريخي يعود إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، حيث تم فصل الدين عن الدولة، بعد مرحلة جنون وحروب مذهبية وقتل الأرثوذوكس، ومقارنته بدور الحركات الدينية السياسية في العالم العربي والإسلامي في وقتنا الحاضر، حيث تستخدم الدين لخدمتها شخصياً وسياسياً وحزبياً، وتعتمد سياسة القتل وتبرره، وهو محرم في القرآن بآيات واضحة وصريحة، وهذه فكرة واحدة من أفكار كثيرة سيطرحها كتابي المقبل.

◆◆ أليست الحكومات العربية شريكة في ظهور الخلل القائم ومؤسسة له، لأنها تخلت بوعي أو من غيره عن الدين لهذه الجماعات، فاستولت عليه؟

◆ أعتقد أن هذا الكلام جد صحيح، فقد حدث في التسعينيات من القرن الماضي أن أخذت الحركات الدينية السياسية وكالة الدين مثل شركة، وصارت تفسر وتفتي في كل شيء، والباقون كأنهم ليسوا مسلمين.. هذه مسألة فكرية بالدرجة الأولى فكيف نعطي وكالة الدين لحركات أو جماعات سياسية، مثلاً في الإمارات لدينا صندوق الزكاة، أي هناك أناس ومؤسسات مهتمة بالدين، والإسلام هو الدين الوحيد الذي لا يجعل بين الخالق والعبد وسيطاً، فكيف تأخذ وكالة الدين.. هناك حركات في العالم العربي والإسلامي أخذت خلال العقدين أو ثلاثة العقود الماضية وكالة الدين، أصبحت هي من يمثل الدين، مثلاً بالله عليك هل شيخ الأزهر هو من يمثل الدين أم محمد بديع؟ كيف، لمؤسسة قائمة مثل الأزهر لا يعترف بها، والأزهر موجود منذ القرن العاشر الميلادي (أنشئ تحديداً في 975 ميلادي) إلى اليوم.. في النهاية المسألة جد خطيرة، لماذا أشخاص وحركات سياسية تصبح الوكيلة الوحيدة للدين؟.. معناها سنعود إلى الوراء، وكأنه لا أهمية لأفكار واجتهادات محمد عبده وجمال الدين الأفغاني..وغيرهما من العلماء الوسطيين؟ من ناحية أخرى، فإنه بسبب نهاية الدولة العثمانية خلال الفترة ما بين 1924 و1928 حدث خلل، وفراغ ملأته حركة الإخوان المسلمين، ووقفت ضد المشروبات الروحية والمخدرات، وطبعاً كل الناس ضد هذا، ما يعني أنه لا شيء جديد، وأنا مرة أخرى أتساءل: غير الدعوة إلى الخلافة أو التشهير بمن يعتبرونهم متحررين أخلاقياً وشاربي الخمر، ماذا تطرح هذه الجماعة من برنامج أو مشروع؟

◆◆ هل ترون ما يحدث الآن في بعض الدول العربية صراعاً مذهبياً؟

ــ هو في حقيقته صراع يمتلك العديد من الأبعاد والأوجه، أحدها وأخطرها هو الطموح للسلطة من أناس يدَّعون أنهم وكلاء دين، وفتاوى، لكنهم أوجدوا الفتنة، مثل ذاك الذي يقيم في قطر، الذي نسأله بالله عليك: كيف تُكفر مليون مسلم إماراتي؟ وكذلك الحالة بالنسبة للسعودية التي فيها 20 مليوناً، والبحرين مليون مسلم، وعمان مليونان.. كيف تكفرهم، وهم مسلمون يصلون ويصومون ويحجون ويعتمرون؟

إن إطلاق اللحى وتقصير الملابس فقط لا يعني أنك مسلم، فالدين الإسلامي أوسع وأشمل من اختزاله في مظاهر تقليدية والابتعاد عن جوهر وفلسفة هذا الدين الحنيف، بل إن هذا الاختزال هو أحد مظاهر أزمة عالمنا العربي في الوقت الراهن، فنحن في حقيقة الأمر نعاني ما يمكن تسميته بـ: أزمة «تدين» ناجمة عن التغول في فهم مدركات الدين وقيمه الحقيقية والانحراف بالمقاصد الشرعية وفق أهواء حركات الإسلام السياسي.. لقد تغيرت الحياة مع المعطيات العصرية، يعني بالله عليك، كيف يمكن القبول بفتاوى تعود بنا قرون إلى الوراء؟!!، وكيف ينشغل الملايين بمناقشة أمور وفتاوى أقل ما توصف به هو الغباء؟، وكيف يترك الحبل على الغارب لجهلاء يتجرؤون على الدين ويفسرون أحكامه؟!

رابـط الحوار

Share