جمال سند السويدى يؤرخ لآفاق العصر الأمريكى

  • 6 يونيو 2014

بقلم: سعد الدين إبراهيم

نادراً ما يصدر كتاب موسوعى باللغة العربية عن موضوع حيوى مُعاصر، فى العلوم الاجتماعية، مثلما صدر مؤخراً (فبراير 2014) للدكتور جمال سند السويدى، بعنوان «آفاق العصر الأمريكى والسيادة والنفوذ فى النظام العالمى الجديد»، عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية (أبوظبى، دولة الإمارات العربية المتحدة).

ومؤلف هذه الموسوعة (858) هو أحد أبناء دولة الإمارات المُبكرين، الذين تلقوا تعليماً حديثاً فى واحدة من أرقى الجامعات الأمريكية، وهى جامعة ويسكونسن، والتى حصل منها على درجة الدكتوراه فى العلوم السياسية، فى أواخر القرن الماضى.

ومنذ عودته إلى بلاده نشط د. جمال السويدى، كأكاديمى، أستاذاً فى جامعة الإمارات، وكمستشار لحكومة بلاده، وكمشرف على البعثات الدراسية، لطلبة الإمارات فى الخارج، وأخيراً كمدير لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. وهو المركز الذى أصبح فى غضون سنوات قليلة من المراكز الرائدة فى الخليج، وعلى امتداد الوطن العربى كله، من الخليج إلى المُحيط.

وقد شاركت، كعشرات غيرى من مصر وبُلدان الوطن العربى، فى بعض ندوات ومؤتمرات مركز الإمارات، كان آخرها فى أوائل عام 2014 عن جذور التطرف، وأشكاله، وعوامل انتشاره، وطُرق مُقاومته، واحتوائه، والقضاء عليه. ويوفر د. السويدى للمؤتمرات التى ينظمها المركز كل الحُرية الأكاديمية فى البحث وكل حُرية التعبير فى النقاش والمُداولات.

أما كتاب آفاق العصر الأمريكى، فينطبق عليه وصف السهل المُمتنع، فهو يتصف بسلاسة الأسلوب، ودون تعقيد لفظى أو معنوى، رغم أنه يتعرض لقضايا غاية فى الحساسية والتعقيد. وقد رجع المؤلف فى هذا الكتاب الموسوعى لأهم أعلام الفكر السياسى، ولأهم المُمارسين ـ من هنرى كيسنجر، لزيجينو بريجنسكى، ولهيلارى كلينتون.

وقدم للقارئ ببساطة ويُسر مفهوم النظام العالمى، وكيف بدأ، منذ مُعاهدة وستفاليا (1648)، إلى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان (1948). فإذا كان الحدث الأول يُحدد واجبات وحقوق الدولة، فإن الحدث الثانى يُحدد حقوق وواجبات الفرد، وقد شهدت البشرية فى الثلاثمائة سنة التى فصلت بين الحدثين حروباً، وأهوالاً، وثورات، واختراعات، وقيام منظمات وطنية وإقليمية، ودولية، شكّلت فيما بينها عناصر النظام الدولى الحديث.

أكثر من ذلك عرض المؤلف لعناصر قوة الدولة عموماً، ولعناصر القوة الأمريكية خصوصاً. وضمن ذلك القوة العسكرية (الخشنة) والقوة الاقتصادية (شبه الخشنة) والقوة الناعمة (وهى التكنولوجيا والثقافة والمعلوماتية).

ويخلص د. جمال السويدى، مُبكراً فى كتابه، إلى أنه باستخدام كل المعايير والمقايسات المُتعارف عليها فى العلاقات الدولية، فإن الولايات المتحدة، ما زالت إلى تاريخه (2014) تحتل قمة هرم القوة فى النظام العالمى. ويورد الكتاب العديد من الجداول الإحصائية والأشكال والرسوم البيانية المُقارنة لأهم وحدات النظام الدولى ـ مثل روسيا والصين وألمانيا واليابان وبريطانيا وفرنسا والهند للتدليل على هذه الخُلاصة.

من ذلك أنه باستثناء حجم السُكان، فإن الولايات المتحدة لا تزال فى المرتبة الأولى من حيث معظم عناصر القوة الأخرى ـ من ملكية أسلحة دمار شامل، إلى قواعد عسكرية ثابتة، داخل أراضيها، أو فى أراضى حوالى أربعين دولة أخرى، فى كل القارات الست، أى أن أيديها مُتناهية الطول، ويمكنها التدخل السريع فى أى مكان فى العالم.

ولا يفوت الكاتب أن يذكر كيف أن جزءاً من القوة الأمريكية هو ديمقراطيتها، وما يتمتع به مواطنوها من حُريات واسعة، بما فى ذلك حُرية نقد أمريكا نفسها، وأياً من مؤسساتها وشخوصها. من ذلك أنه يورد اقتباسات عديدة لأعلام من الشخصيات الأمريكية التى دأبت على مُمارسة هذا النقد، وفى مقدمتهم نعوم تشومسكى، عالم اللغويات الأشهر فى جامعة الـ إم ـ أى ـ تى (MIT)، والمُدعى العام الأمريكى السابق ريتشارد كلارك، والأمريكى ـ العربى، إدوارد سعيد.

وختاماً، لا بد من التنويه، بأنه رغم هامشية بُلدان الخليج فى الإنتاج الفكرى والثقافى العربى خلال القرون الثلاثة الأخيرة، إلا أن هذه البُلدان قد كسرت هذه الهامشية. وظهر من أبنائها فى العقود الأربعة الأخيرة كُتّاب أفذاذ، لا يقلون قامة عن زُملاء لهم فى المشرق ـ مثل قسطنطين زُريق، وهشام شرابى، وغسان سلامة. ولا يقلون قامة عن أقرانهم فى المغرب العربى ـ مثل محمد عابد الجابرى، وعلى أومليل، وعبد الإله بلقزيز.

وضمن القامات الفكرية الخليجية التى عرفناها، خلال العقود الأربعة الأخيرة، نذكر على سبيل المثال: عبد الله الطريقى (السعودية)، ومحمد جابر الأنصارى، وعلى فخرو (البحرين)، ومحمد الرُميحى، وخلدون النقيب، وحسن الإبراهيم (الكويت)، وعبد الخالق عبد الله (الإمارات). ولكن ما أنجزه الدكتور جمال سند السويدى فى كتاب العصر الأمريكى، هو قفزة نوعية لكل مثقفى الخليج ولكل المُفكرين العرب.

وسيتحدث د. جمال السويدى فى حفل تدشين الكتاب بالقاهرة يوم الأربعاء القادم، 11 يونيو فى فندق فيرمونت، أبراج النيل، ثم اليوم التالى فى مركز ابن خلدون بالمقطم فى تمام الساعة 7م.

وعلى الله قصد السبيل.

رابط المقال

Share