جمال السويدي: الإمارات منارة انفتاح وتسامح عالمية

  • 15 أبريل 2016

لن تبقى مطارح السؤال وموضوعات النقاش حبيسة تصورات أو مسارات أحادية، أو تقليدية، حين ينبش الحوار في أعماق عوالم ورؤى د. جمال سند السويدي مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، المنشغل بمسائل الوطن الفكرية والمجتمعية شتى..

والمسكون بعشق العمل والبحث في سبيل صوغ ركائز معرفية وبنيوية اجتماعية، ترسخ المعنى الحقيقي للارتقاء والتنمية الوطنية. إذ يؤكد في حواره مع «بيان الكتب»، أن الإمارات من أكثر دول العالم انفتاحاً ورغبة في التطور والاندماج الفاعل في المنظومة الدولية، مشيراً إلى أن المثقفين العرب والمسلمين، باتوا مطالبين، حالياً، بتبني خطاب فكري معتدل يحارب التطرف ويستند إلى الانفتاح والتسامح.

ما توصيفك لطبيعة الوعي الثقافي السياسي والوطني العام في الإمارات حالياً؟

لابد أن نشير بداية إلى أن العالم الآن أصبح منفتحاً بشكل كلي، وأن تبادل المعلومات والمعارف بين المجتمعات أصبح السمة الحاكمة في هذه المرحلة. والمجتمع الإماراتي ليس بعيداً عن هذه التطورات، إذ يُعدُ جزءاً لا يتجزأ من مسيرة التطور العالمي، بل إن دولة الإمارات العربية المتحدة تُعدُ من أكثر دول العالم انفتاحاً ورغبة في التطور والاندماج في المنــظومة العالمية بفاعلية وإيجابية.

ولا شك أن المواطن الإماراتي يتــــمتع بوعي ثقافي وسياسي وحس وطني عال، الأمر الذي يمكنه من إدراك ما يدور حوله من تطورات سواء كانت إيجابية أو سلبية..

ومن التوصل إلى الحكم السليم على حقيقة ما تروجه الجــــماعات الدينيــة السياسية من أفكار وأوهام تسعى من خلالها إلى تحقيق مآربها الخاصة بعيداً عن مصلحة المجتمعات، وهذا هو ما ساعد الإمارات علــى تجنب المصير الذي آلت إليه الأوضاع في بعض دول الجوار.

ضرورة

ماذا عن مدى تأثير انتشار الأفكار المتطرفة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية على الخطاب الثقافي الراهن؟ وكيف يمكن تبني خطاب عقلانياً فاعلاً لمواجهة هذه الأفكار المتطرفة؟

شهدت السنوات الأخيرة بروزاً واضحاً لبعض الجماعات الدينية السياسية وجماعات التطرف والإرهاب التي سعت إلى نشر أفكارها المتطرفة في مختلف المجتمعات والدول، ولا سيما في المنطقة العربية ودول العالم الإسلامي. ولا شك أن هذه الأفكار لاقت آذاناً صاغية لدى بعض شباب الدول العربية والإسلامية الذين انضموا إلى صفوف التنظيمات الإرهابية، كما هي الحال في تنظيم «داعش».

وانعكست هذه الأفكار على الخطاب الثقافي الراهن، وأضفت عليه جانباً من التشدد الذي لا يساعد على وجود خطاب عقلاني مستنير. غير أن مواجهة هذه الموجة الضارة من الأفكار تستلزم منا كمسؤولين ومثقفين وأفراد عاديين، تبني خطاب فكري معتدل، يقوم على الدمج وليس الإقصاء، ويستند إلى قيم الانفتاح والتسامح وقبول الآخر. ويمكن تشكيل هذا الخطاب عبر إتاحة الفرصة للمفكرين والمثقفين لمخاطبة قطاعات المـــــجتمع المختلفة عبر وسائل متنوعة.

الإمارات أصبحت ملتقى لثقافات وحضارات العالم بشهادة العديد من المسؤولين والمثقفين في دول العالم.. كيف يمكن تعزيز رسالة ودور الدولة في هذا الصدد؟ وكيف بمقدورنا استثمار ذلك في رسم صورة إيجابية عن الثقافة العربية بوجه عام؟

إن دولة الإمارات العربية المتحدة باتت تمثل اليوم منارة ثقافية وحضارية للعالم، لما تتمتع به قيادتها الرشيدة من فكر منفتح ومستنير يعظم من شأن العلم والثقافة والمعرفة. ومنذ أن نشأت دولة الاتحاد وهي تأخذ بمبدأ الانفتاح على العالم والثقافات والحضارات الأخرى، واستخلاص أفضل ما في تجاربها.

ومن هذا المنطلق فإن الدولة تتحلى بالعزيمة ذاتها من أجل أن تبقى نموذجاً يُحتذى به في المستقبل في هذا الشأن، من خلال الخطط والاستراتيجيات والمبادرات العديدة التي تتبناها على الصعد المعرفية والثقافية محلياً وإقليمياً وعالمياً.

ويحضرني في هذا المقام مبادرة سيدي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بتخصيص عام 2016 عاماً للقراءة على المستوى المحلي، ومبادرة «تحدي القراءة» التي أطلقها سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، على المستوى العربي.

وعالمياً فإن دور دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا الإطار واضح للعيان، عبر الدعم المتواصل لنشر المعرفة وتمكين الشعوب الفقيرة من الحصول على نصيبها من التعليم، عبر مِنَحها وإعاناتها ومشروعاتها التي تتضمن إنشاء المدارس والجامعات والمعاهد في الدول الفقيرة. وهذا النموذج الإماراتي المتطور محلياً والداعم لمسيرة التطور العربي والعالمي، هو خير مثال لما يمكن أن يقوم به أصحاب الثقافة العربية من دور إيجابي وفاعل.

ما تقييمك لدور وإسهامات مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية؟ وماذا عن خطط التطـــوير والعمل المستقبلي لديكم؟

تبنى مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية منذ تأسيسه فلسفة تُعلي من قيم التميز والإبداع والابتكار التي تظهر جلية في نوعية مخرجاته وإصداراته وجودتها العلمية التي أصبحت مصدراً أساسياً للمعرفة في مختلف حقولها، وباتت حاضرة كمراجع علمية في جامعات العالم ومكتباته.

كما تفاعل المركز مع التطورات التي شهدتها المنطقة منذ أحداث ما يسمى «الربيع العربي»، من خلال مبادرات إيجابية، قدمت قراءة واقعية ناجعة، حيث أعلن المركز في مايو 2015، مبادرة لتشكيل تحالف من المراكز البحثية العربية تحت اسم تحالف «عاصفة الفكر»، يضم المراكز البحثية العربية، وخاصة من الدول المشاركة في تحالف «عاصفة الحزم».

وجاءت مبادرة المركز الخاصة بإطلاق «ملتقى المفكرين العرب» الذي عقد دورته الأولى في يناير 2016، كإحدى المبادرات الفاعلة لمواجهة التطرف والفكر الذي يغذيه.

وأؤكد أن هذه الإنجازات ما كانت لتتحـــقق في هذا الزمن القياسي لولا الدعم اللامحدود والرعاية الكريمة من جانب صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.

وفي جعبتنا، العديد من التصورات التي من شأنها تطوير المركز وآليات العمل فيه، ليستمر في أداء دوره.

قراءة خاطئة

البعض رأى أنك تدعو في رؤاك وكتاباتك إلى «التغريب». أي علاقة تربطك بمكون الموروث في البيئة المحلية وبمفردات المكان؟ هل من حواجز أو هوة باتت تفصلك عن مكون مفهومهما ومسلماتهما؟ وإلامَ تحنّ شخصياً، من بين تنويعات عناصر التراث؟

من يقول إنني أدعو للتغريب مخطئ.. ومن يروج لهذا ربما يكون فهم كتاباتي فهماً خاطئاً، ويحضرني هنا أنه لدى صدور كتابي «آفاق العصر الأميركي: السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد»، حاول البعض ترويج هذه الفكرة عني، لكنني في الواقع كنت في كتابي هذا أعضد تحليلاتي ونتائج دراساتي بحقائق وأرقام دقيقة وصحيحة..

الذي يقول إن ما أطرحه «تغريب»، عليه أن يقرأ كتاباتي بدقة ويفهمها الفهم الصحيح. وأود التأكيد هنا، أن ما يربطني بوطني وثقافتي هو علمي ومعرفتي التي بنيتها على أساس المبادئ الراسخة والكامنة في موروثنا الثقافي والحضاري.

بصمات خالدة.. شخصيات صنعت التاريخ

يقدم كتاب (بصمات خالدة.. شخصيات صنعت التاريخ وأخرى غيرت مستقبل أوطانها)، للدكتور جمال سند السويدي، قراءة جديدة لـ 22 شخصية، لها بصماتها الخالدة على صفحات تاريخ بلادها والعالم، في مجالات: السياسة والاقتصاد والتنمية والفكر والعلم وغيرها، وتمثل مواقفها وإنجازاتها وإبداعاتها وعبقريتها وقوة إرادتها، مصدر إلهام للأجيال بعد الأجيال.

وتحت عنوان «صانع التاريخ»، يؤكد الكتاب أن «عبقرية القيادة» هي الملمح الأبرز في شخصية المغفور له – بإذن الله تعالى – الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه؛ لأنها هي التي حكمت كل مواقفه وقراراته وكانت العامل الحاسم في إنشاء دولة الإمارات العربية المتـــحدة، ومفتاح فهم شخصيته وفلسفته في السياسة والحكم والإدارة.

«قائد مرحلة التمكين»

يشير الكتاب، تحت عنوان «قائد مرحلة التمكين» إلى أن تمكين الإنسان الإماراتي وإسعاده، هما محور تفكير صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وأساس رؤيته التنموية، ولذلك يستحق سموه بامتياز لقب «صانع السعادة»

. ويخلص الكتاب تحت عنوان «قائد لا يعرف المستحيل»، إلى أن قهر المستحيل هو العنوان الأهم لسيرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ويلفت إلى أن سموه يمثل مدرسة متجددة في الإبداع والابتكار.

ويصف الكتاب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، بأنه «فخر الإمارات»، ونموذج للقائد الذي يجمع بين السمات القيادية والإنسانية العميقة والتواضع والهيبة والحب الشعبي الجارف، وتجسيد حي لمقولة العرب «الرجال مواقف».

ويَعتبر الكتاب أن سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، رئيس المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، ليست أم الإمارات أو العرب فقط، وإنما هي أم الإنسانية جمعاء، بعطائها الإنساني الذي يتجاوز حدود دولة الإمارات العربية المتحدة إلى العالم كله.

«رجل المرحلة»

وفي تناوله سيرة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، يوضح السويدي، أنه أسس المملكة العربية السعودية وحافظ عليها في ظل ظروف صعبة، وكانت الوحدة هي محور تفكيره، وفي السياق نفسه كان محمد علي باشا، والي مصر وحاكمها بين عامي 1805 و1848، من القادة المؤسسين كذلك، حيث يعتبره الكتاب «مؤسس مصر الحـــــديثة».

ويفرد الكتاب جزءاً للحديث عن الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، مشدداً على أنه كان زعيماً قومياً آمن بوحدة العرب ومصيرهم المشترك، وأدرك خطر التطرف الديني باكراً وتصدى له، وهو ما يشترك فيه معه الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي الذي وصفه الكتاب بأنه «رجل المرحلة» الذي استعاد جمهورية مصر العربية من أيدي جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية. أما العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني فإن الكتاب يصفه بـ«ملك الحكـــمة والتوازن»، ويصف عمر المختار، قائد المقاومة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي، بأنه «رجل بحجم أمة».

فخر وحافز

يؤكد الدكتور جمال سند السويدي، أن فوزه، أخيراً، بـ«جائزة الشيخ زايد للكتاب عن فرع التنمية وبناء الدولة»، في دورتها العاشرة 2015 ــ 2016، عن كتابه «السراب»، محط فخر واعتزاز كبيرين.

ويضيف: «الجائزة تمثل مكانة خاصة لديّ، كونها تحمل اسم المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي كان ولايزال مدرسة تنهل منها الأجيال قيم الولاء والانتماء لوطننا الحبيب، إذ غرس فينا حب القراءة والتعلم والمثابرة في تحصيل المعرفة، لأنه، رحمه الله، كان يؤمن بأن بناء الأوطان يتطلب عقولاً مفكرة ومبدعة».

ويختم السويدي: «هذا الفوز، وبقدر ما هو تكريم لمسيرتي البحثية والعلمية، دافع لي نحو مزيد من العمل والإنجاز من أجل خدمة وطني العزيز دولة الإمارات العربية المتحدة».

رابــط المـــقال

Share