تجربة الحكم كشفتها وأزالت أوهاماً كثيرةً حولها .. حركات الإسلام السياسي.. الصعود والأفول

  • 24 أكتوبر 2014

بقلم: محمد ولد المنى

برر بعض المراقبين والمحللين صعود الحركات السياسية الدينية في المرحلة التالية لما سمي «الربيع العربي»، بعدة عوامل مثل: القدرة التنظيمية والتعبوية لهذه الحركات، واعتقاد البسطاء بأن اختيارها يمثل واجباً دينياً، فضلا عن قناعة العديد من المتعاطفين معها بأنها كانت الأكثر تعرضاً للاضطهاد في ظل الأنظمة السابقة، وبالتالي فهي تستحق القيادة في المرحلة التالية لانهيار تلك الأنظمة! هذا في مقابل ضعف البديل المدني بسبب ضحالة المشاركة السياسية في نظم الحكم السابقة على اضطرابات «الربيع العربي». لكن رغم القناعة التي كانت سائدة لدى العديد من المحللين بأن هذه الحركات في وضع متميز يؤهلها للإسهام في لم الشمل الوطني، واحتواء الشباب، وقيادة الدول المتحولة نحو إرساء نظم ديمقراطية تعددية، فإن أداء هذه الحركات كان مخيباً للآمال، إذ سرعان ما تحولت من حركات معارضة ومحظورة إلى سلطة حاكمة مهيمنة، تعمل على إقصاء معارضيها، وتضرب عرض الحائط بمفاهيم أساسية مثل المواطنة والمساواة، كما نكثت بوعودها ولجأت إلى التشهير بخصومها والتآمر عليهم.

وكان لصعود الحركات السياسية الدينية أثمان وأكلاف باهظة، فالدول التي هيمنت فيها هذه الحركات كانت في الأصل تعاني من مشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية شديدة الصعوبة، ثم تفاقمت هذه المشكلات خلال الاضطرابات الداخلية التي شهدتها تلك الدول، مما كان يتطلب ابتكار حلول غير تقليدية ومعالجات عملية بعيدة عن الشعارات الرنانة التي برعت فيها حركات الإسلام السياسي.

أسئلة الأفول

وهكذا أظهرت تجربة الحركات السياسية الدينية في المرحلة التالية لما يسمى «الربيع العربي»، عدداً من المشكلات ونقاط الضعف الأساسية، الهيكلية والسياسية والأيديولوجية، التي تعانيها هذه الحركات، والتي أخفقت في معالجتها وتخطيها، ومن ثم كانت السبب الرئيسي لدخولها مرحلة التراجع والانحسار. فهل كان الصعود السريع ثم التراجع الواضح لشعبية الحركات السياسية الدينية في دول «الربيع العربي»، يعني أن هذه الحركات في طريقها للأفول على شاكلة نظم حكمت في الماضي وأثبتت فشلها، كالنظم الشيوعية والقومية والفاشية؟ إن إجابة هذا السؤال تتطلب معرفة عوامل الصعود، وأسباب الأفول، والتعرف إلى طبيعة الشعوب والدول التي شهدت حراك «الربيع العربي»، وإلى سلوك هذه الحركات ومسبباته في الماضي، وإمكانية تعديل هذا السلوك مستقبلا، وسلوك الشعوب والأطراف السياسية الفاعلة في مرحلة ما بعد «الربيع العربي».. وهي كلها عوامل يحللها ويلقي الضوء عليها كتاب «حركات الإسلام السياسي والسلطة في العالم العربي.. الصعود والأفول»، الذي أعده وحرره كل من الدكتور جمال سند السويدي والدكتور أحمد رشاد الصفتي.

تقييم واستشراف

ويضم الكتاب مساهمات لعدد من أبرز المفكرين المتخصصين ذوي الخلفيات المتنوعة، ويغطي أبعاداً متعددة تعمق من تحليل ظاهرة أداء الحركات السياسية الدينية في مرحلة ما بعد «الربيع العربي». وإلى ذلك فقد حرص محررَا الكتاب على أن تعكس التجارب التي يغطيها مدى جغرافياً واسعاً، وأن تتضمن تحليلاته رؤى من داخل الدول العربية المعنية مباشرة بظاهرة «الربيع العربي»، ومن خارجها أيضاً، بغية النظر من زوايا مختلفة إلى الحركات السياسية الدينية وإلى ما يسمى «الربيع العربي» وتبعاته. لذلك فهو يهتم بتناول الجوانب المختلفة لظاهرة الحركات الإسلامية في دول «الربيع العربي»، ويتطرق بالرصد والتحليل والتقييم إلى مصائر التغييرات في هذه الدول، نتيجة الثورات والتحركات المجتمعية التي شهدتها، وكيفية صعود قوى الإسلام السياسي وحركاته مع تطور الأحداث منذ أواخر عام 2010. كما يسلط الضوء على واقع الحركات السياسية الدينية بعد التغيير، وما أثير حولها بشأن استخدام الدين لأغراض سياسية، وما يوجه إليها من انتقادات بسبب فشلها في التحرك من «السياسة» إلى «السياسات»، ومن «الشعارات» إلى «التطبيق»، ومن «فقه الدعوة» إلى «فقه الدولة»، ومن «فقه الاختلاف» إلى «فقه الائتلاف». كما يقدم تقييماً أولياً لواقع الحركات السياسية الدينية التي وصلت إلى سدة الحكم في بعض الدول العربية، ومدى قدرتها على التفاعل مع مختلف المتغيرات والتحديات التي أفرزتها مرحلة التغيير، ويستشرف التحديات المستقبلية التي يمكن أن تواجهها هذه الحركات بعد تسلمها السلطة، وحدود قدرتها على التعامل معها، ثم يقدم بعض الدروس المستخلصة من واقع خبرات الإسلاميين في ممارسة السلطة والحكم.

غلبة العولمة

يقدم الفصل الأول من الكتاب تفسيراً لما حدث في بعض الدول العربية التي شهدت أحداث «الربيع العربي» من تغييرات جذرية في بنية أنظمتها السياسية، مستخدماً المنهجين التاريخي والتحليلي مع الربط بينهما. كما يحاول فهم الصعود السياسي للحركات الإسلامية في ضوء التغير الذي حدث في هيكل النظام الدولي من ناحية، والتغير في موازين القوى الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط من ناحية أخرى.

ويطرح الفصل في نهايته بعض السيناريوهات المحتملة لمستقبل التحولات الجارية في دول «الربيع العربي»، والتي يتوقع أن تتضمن العديد من المفاجآت المرتبطة بالتغيرات على مستوى النظام العالمي وثورة المعلومات وتطورها، في إطار غلبة ظاهرة العولمة. وفي هذا الإطار يستشرف الكاتب وضع المنطقة في ارتباطه بثورة الفيسبوك والتويتر واليوتيوب والأنستغرام.. التي يجتمع الشباب حول نوافذها متعاطين للمعلومات المجانية غير المقيَّدة أو المراقبة مسبقاً، مما يتيح لهم مساحات للتعبير والبوح بما لم تستطع البوح به أجهزة السلطة القابعة خلف ميكروفونات التلفزيون والراديو الرسمي وفكر السلطة التقليدية.

مشاركة متأخرة

ويركز الفصل الثاني على تحليل واقع الحركات السياسية الإسلامية التي وصلت إلى سدة السلطة في كل من مصر وتونس والمغرب، مع رصد مواقفها من «الربيع العربي»، وتفسير أسباب الصعود السياسي لهذه الحركات. كما يحلل أدوارها في ضوء التحديات الرئيسية التي تواجهها. ثم يقدم تقييماً أولياً لأدائها الوظيفي في إدارة الشأن العام، قبل أن يستشرف الآفاق المستقبلية للحركات الإسلامية في ضوء خبرة تعاملها مع إشكاليات الواقع السياسي لمرحلة ما بعد «الربيع العربي». وهكذا يلاحظ الكتاب أن «الربيع العربي» لم يكن إسلامياً، فالإسلاميون لم يكونوا في مقدمة حراكه في بادئ الأمر، سواء في تونس أو في مصر أو في المغرب، بل جاءت إسهاماتهم متأخرة. وإلى ذلك يوضح الكتاب أن وصول الإسلاميين إلى الحكم في كل من تونس ومصر والمغرب وضعهم أمام امتحان مصيري لاختبار مدى أهليتهم في السياسة وممارسة السلطة، ولإثبات مدى مقدرتهم على إدارة شؤون الدولة والمجتمع. وأخيراً، كما يوضح هذا الفصل، فإن خفوت المقولات الكلاسيكية التي يستند إليها خطاب الإسلاميين، وتواري شعار «الإسلام هو الحل» وافتقاده الكثير من دلالاته وقوته الرمزية، يحمل دلالة واضحة على تراجع وتآكل رأس المال الأيديولوجي والإقناعي لديهم. ففي مسارهم النشيط للمشاركة السياسية، تخلى الإسلاميون وتنازلوا عن مطالب كثيرة كانت تمثل حجز الزاوية في مشروعهم السياسي، لكن هذه التنازلات لم يتم تأصيلها وربطها بتحولات فكرية أو اجتهاد تنظيري، مما يشكل إيذاناً بالإفلاس الوشيك للأيديولوجية الإسلامية التي تعبر عنها هذه الحركات السياسية.

ضرورة الاندماج

أما الفصل الثالث من الكتاب فيعنى بمناقشة وتحليل التطورات السياسية التي جرت في كل من مصر والمغرب والجزائر وتونس وليبيا والأردن منذ أواخر عام 2010، مع مراعاة وجود قواسم مشتركة بين هذه الدول من ناحية، ووجود إرث تاريخي وسياسي وثقافي وديمغرافي تنفرد به كل دولة على حدة، من ناحية أخرى. وفي هذا السياق يركز الفصل على تحليل وتقييم الصعود السياسي للحركات الإسلامية، مع شرح التداعيات السلبية للزج بالدين في السياسة وبالسياسة في الدين، وما لذلك من أضرار على كل منهما. وانطلاقاً من تجربة «حزب العدالة والتنمية» في المغرب، يرى هذا الفصل أن الممارسة السياسية ستفرض على الأحزاب السياسية الإسلامية ضرورة الاندماج في النسيج الوطني، وأنهم مطالبون بالعمل على ترسيخ الديمقراطية بما تتضمنه من أسس ومبادئ، مثل: قبول الرأي الآخر، حقوق الإنسان، قبول قانون النسبية، وفضيلة الحوار.

القبَلية والتوجه الإسلامي

وبالنسبة للفصل الرابع فهو يناقش دور عاملين رئيسيين كان لهما تأثيرهما الكبير في العملية السياسية في العالم العربي، وهما القبَلية والتوجه الإسلامي. ووفقاً لكاتب الفصل فقد مثّل هذان العاملان عنصرين رئيسيين في تشكيل الهويات الوطنية والنظم السياسية والاجتماعية في المنطقة العربية، وبالتالي يتعذر فهم التحولات العربية الراهنة واستشراف آفاقها المستقبلية بمعزل عنهما. وقد بدأ الفصل بتقديم تعريف شامل لكل من القبلية والتوجه الإسلامي، ثم شرح دور وتأثير كل منهما من منظور تاريخي، كما تناول بالتحليل والتفسير التغيير السياسي الذي شهدته بعض الدول العربية مع انطلاق «الربيع العربي»، والذي أفسح لصعود كل من التوجه الإسلامي والقبلية فيها. وكما يعتقد كاتب الدراسة فإن عودة التوجه الإسلامي والقبلية، خصوصاً في البلدان العربية التي شهدت تغيير نظام الحكم، ستكون عودة عابرة، وذلك لأن شبكات التواصل الاجتماعي لعبت دوراً مهماً في التحولات السياسية الناجحة الأخيرة عبر المساعدة على تبني مجال عام مفتوح. كما أن تمدد الحركات الشعبية المؤيدة للديمقراطية في العالم العربي سوف يكون له دوره في إحداث التغيير الإيجابي.

ضوء أخضر

أما الفصل الخامس فيتناول الحالة التونسية، ويقدم رصداً للأحداث التي شهدتها تونس منذ اندلاع الثورة في 17 ديسمبر 2010، ومغادرة بن علي البلاد في 14 يناير 2011. ثم يقدم الفصل تحليلا لخطاب ومواقف حركة «النهضة»، بهدف تحديد الثابت والمتغير في خطابها ومواقفها حيال القضايا ذات الصلة بهوية الدولة التونسية، وطبيعة نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فضلا عن تحليل وتقييم نمط علاقة «النهضة» بالقوى السياسية الأخرى على الساحة التونسية. ويميل كاتب الفصل، من واقع تحليله لخطاب «النهضة» ومواقفها منذ بداية الثورة التونسية، إلى تأكيد أن لحظة الانتخابات في أكتوبر 2011 والحصول على الأغلبية، لم تكن لحظة حاسمة في خطاب الحركة، وأن التغيير الأهم قد حصل بعد انعقاد مؤتمرها التاسع في يوليو 2012، والذي أعطى فشله في وضع رؤية واضحة للحكم وللمستقبل، توحد بين جميع تيارات الحركة، الضوء الأخضر لكل تيار أو شخصية قيادية بأن يدافع علناً عن مواقفه ورؤاه. وكانت النتيجة أن المراقب الخارجي أصبح حائراً في فهم وتأويل عدد كبير من التصريحات والمبادرات المختلفة، بل المتباينة والمتناقضة أحياناً.

«ربيع إسلامي»

وأخيراً يتناول الفصل السادس بالتحليل والتقييم ظاهرة وصول جماعة «الإخوان المسلمين» إلى سدة السلطة في مصر، فيعرض لخريطة القوى السياسية الرئيسية التي أسقطت النظام السابق، ويحاول الإجابة على تساؤلات تتعلق بالحالة المصرية، وهي: لماذا تحول «الربيع العربي» إلى «ربيع إسلامي» في مصر؟ ولماذا تمكن «الإخوان» من التفوق على القوى السياسية الأخرى وتولي الحكم؟ وما مقوماتهم التنظيمية والاجتماعية؟ وكيف تم استخدام هذه المقومات؟ ثم يتطرق للتحديات الرئيسية التي واجهت «الإخوان» في الحكم، والتي أدت إلى تآكل شرعيتهم بشكل سريع، وإلى انهيارهم في النهاية تحت ضغوط شعبية واسعة النطاق ثارت ضد فشلهم في إدارة الدولة وعدم استطاعتهم الخروج من دائرة الشعارات إلى دائرة التخطيط والتنفيذ الكفء لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. كما يسلط الضوء على المخاطر والتحديات التي واجهتها مصر خلال فترة حكم «الإخوان»، والتي كان يمكن أن تدفع بها نحو مصاف الدول الفاشلة.

الخبرة السلبية وتآكل التصورات

في ضوء التساؤلات التي طرحتها فصول الكتاب والتحليلات التي قدمتها، يؤكد محررا الكتاب أن جوهر الصراع السياسي الدائر في كثير من الدول العربية يتمحور حول جدلية العلاقة بين الدين والسياسة، لاسميا أن عدم بلورة رؤية واضحة ومستقرة حول هذه العلاقة يلعب دوراً بارزاً في ما يجري على الساحة من صراعات محتدمة.

وفي هذا السياق، ومن خلال استقراء تجربة حكم «الإخوان المسلمين» في مصر، كمثال جلي لصعود الحركات السياسية الإسلامية بعد ما يسمى «الربيع العربي»، يرى الكتاب أن هذه التجربة ألحقت ضرراً فادحاً بالجماعة بدلا من إفادتها، إذ إن استراتيجية «حرق المراحل» واستعجال قطف الثمار التي انتهجتها الجماعة حين تراجعت عن وعودها بعدم تقديم مرشح لانتخابات الرئاسة في عام 2012، قد كشفت العورات السياسية للتنظيم، وبرهنت على محدودية قدراته القيادية، وعلى عدم وجود نظرة مستقبلية واضحة ومنطقة وفاعلة لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية التي عانى منها المجتمع المصري. كما تسببت هذه الخبرة السلبية في تآكل الكثير من التصورات الذهنية الافتراضية التي ظلت سائدة لعقود حول القدرات التنظيمية للجماعة والخبرات التي راكمتها طوال العقود التي مضت على تأسيسها. ولذلك فإن وجود جماعة «الإخوان» في السلطة لم يستمر سوى عام واحد فقط، انتهى بعزل الرئيس السابق المنتمي إليها محمد مرسي.

رابط المقال

Share