بصمات خالدة

  • 29 مارس 2016

ذلك هو العنوان الذي وضعه الدكتور جمال سند السويدي لكتابه والذي لا يقل في جودة طباعته وأناقة مظهره عن متانة المضمون الذي يجمع بين جزالة اللفظ وجمال الأسلوب في الوقت الذي اعتمد فيه نهجاً علمياً توثيقياً بالرجوع إلى المصادر، بالشكل الذي يطمئنك فيه على دقة المعلومة المقدمة.

أما موضوع الكتاب والذي يلخصه في التفصيل بعد الإجمال في العنوان فيدور حول «شخصيات صنعت التاريخ وأخرى غيرت مستقبل أوطانها»، وهي تلك الشخصيات التي تركت ومازالت لها بصمات يقف أمامها التاريخ يتأملها طويلاً ليرصدها بحروف تحمل رائحة الحب للوطن والبذل دونه في الوقت الذي أكده الحاضر شاهد عيان على نوايا صدقت، وإرادة تجذرت، وفكر سبق عصره، ورؤية صفت، وحكمة كانت عطاء ربانياً خالصاً، وعملاً استمر دون كلل أو ملل، وخاصة عندما يتحدث عن رموز الإمارات التي صنعت المعجزات وحولت منطقة تعيش على هامش التاريخ إلى قلبه ويشار إليها بالبنان.

والكاتب في هذا يتفق مع ما قاله الكاتب والمؤرخ الأسكتلندي توماس كارليل من «أن تاريخ العالم ليس إلا سيرة الرجال العظماء»، فلا يمكن أن يجادل أحد من أن للعظماء والمبدعين دوراً أساسياً ومحورياً في تحولات التاريخ في كل المجالات، كما أن هناك أمثلة كثيرة لقادة استطاعوا صنع المعجزات في بلادهم، وفي مقدمتهم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه.

وفي تقديري أن تلك حقيقة دامغة، فعربات القطار لا تحوي كل واحدة منها محركات دفع لكن هناك قاطرة واحدة هي التي تقوم بهذا الدور، غير أنه يجب أن تكون العربات الأخرى مترابطة ومجهزة للاستجابة وألا تكون مصدر إعاقة لأنه في الأخير سيصل القطار في نهاية الرحلة إلى غاية ومقصد، وإن كان غايات الشعوب في مسيرتها لا تنتهي ومحطاتها، كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، لا يجب أن تتوقف عندها طويلاً وإلا تخلفت، لأن رحلة التفوق لا نهاية لها ولا محطة أخيرة تحدها.

الشاهد أن التحولات الكبرى في تاريخ الأمم والشعوب قادها أفراد خصهم الله بقدرات تفوق أقرانهم ونظرائهم – ولله في خلقه شؤون – من رؤية فرص النجاح واقتناصها ثم الاستمرارية والدأب على إنجاحها من خلال قوة الفكرة وليس فكرة القوة، وهو ما قام به الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، الذي بدأ به الكاتب ليروي لنا مسيرة الرجال وحمل راية العزة والفخر من بعده صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ،حفظه الله، الذي انتقل بالإمارات من مرحلة التأسيس والبناء إلى مرحلة التمكين.

وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم،رعاه الله، الذي ضرب لنا النموذج الفذ في أنه ليس هناك دولة غنية وأخرى فقيرة بل هناك قيادة غنية مبصرة تفهم لغة عصرها وتستشرف مستقبل أمتها ولا تعرف كلمة مستحيل.

وقيادة فقيرة لا تنظر إلا تحت قدميها ولا تعرف غير التردد والتخبط فسقطت بأوطانها وشعوبها في هوة سحيقة من التخلف والجهل، فالإمارات ليست أغنى البلاد بالنفط لكنها أغناهم بأبنائها الذين هم ثروتها الحقيقة، فالأمم الفقيرة ليست هي تلك التي لا تملك الأموال وإنما هي التي لا تملك القيادة الحقة والإدارة الرشيدة والزعماء القادرين على إحداث التحولات الإيجابية لمصلحة الشعوب.

إن هذه الشخصيات العظيمة الذي يدور حولها موضوع الكتاب وفي مقدمتهم قيادات الإمارات وأبناؤها البررة الذين أسسوا لنظرية قيادة الشعب بالحب فبادلهم شعبهم حباً بحب وعطاء بعطاء، هذه الشخصيات العظيمة يظل تأثيرها باقياً، ويتجاوز عصرها إلى العصور اللاحقة، وتظل دائماً مثل النجوم الساطعة التي تهتدي بنورها البشرية في كل الأزمنة وتجد في مواقفها وفي أفكارها ما يساعد على مواجهة التحديات والمشكلات، ويعد الطريق نحو المستقبل، ويزرع الأمل والثقة بالنفس، خاصة في أوقات المحن والأزمات والاختبارات الكبرى.

والدكتور جمال السويدي يجمع بين دفتي كتابه بين شخصيات إماراتية وخليجية وعربية وعالمية جاءت من أزمنة متعددة وفترات متباعدة وفي ظروف متباينة كما واجهت تحديات ومشكلات مختلفة، لكنها كلها انتظمت في عنقود العبقرية والعظمة وتمثل أعمالها الخالدة أركاناً أساسية في بنيان الحضارة البشرية، وأضافت كل منها إلى تاريخ بلدها والإنسانية ما يستحق الدراسة والتأمل وفق سياقاتها الزمنية والمكانية والثقافية التي عاشت أو تعيش فيها.

ولقد أجاب الكاتب بوضوح وجلاء عن سؤال بدر لي وهو ما هو المعيار الذي اعتمد عليه في اختيار الشخصيات التي تجاوز عددها العشرين شخصية من مختلف العالم والأزمنة، مؤكداً أنه آثر أن يتناول الشخصيات التي تأثر بها شخصياً، ومثل بعضها مصدر إلهام أساسياً له، ولايزال تراثها قادراً على التأثير في حياتنا وحياة الشعوب الأخرى.

وأختم بما أورده الكاتب عن والتر إيزاكسون «إن هناك خمس سمات تميز العباقرة هي البساطة، والشغف بالكمال، والتحدي، وتقدير التنوع، ودفع الآخرين إلى القيام بما لا يتوقعون أنهم قادرون على القيام به». لذا فإنني أدعو القارئ الكريم لتجوال ممتع على صفحات هذا الكتاب الذي جمع بين جمال البيان والعرض ودقة المعلومة وتمامها.

http://www.albayan.ae/opinions/articles/2016-03-29-1.2605817

Share